تراث

تادرس شنودة المنقبادى مؤسس مشروع صناديق التوفير المصرية

فى مذكراته الخطية كتب تادرس شنودة المنقبادى يقول: "أنشئ فى أواخر سنة 1884 مشروع يتضمن انتخاب أفراد مضمونين موثوق بذمتهم، لكى يفتح كل منهم فى عاصمة كل مديرية مكاناً مخصوصاً باسم بنك التوفير، يدفع فيه جمهور الأهالى والعمال وأمثالهم الدريهمات القليلة التى يقتصدها كل منهم من إيراده ومصروفه اليومى وتقيد فى سراكى خصوصية تبدأ قيمتها من قرش صاغ واحد فيما فوق، وعندما يكمل فرد خمسة وعشرين قرشاً يسلم السركى الذى معه بهذه القيمة المالية، ويأخذ بدلاً منه سهماً صغيراً تبلغ قيمته خمساً وعشرين قرشاً، وعندما يكمل إيداع أربعة أسهم صغيرة يأخذ بدلاً منها سهماً كبيراً قيمته مائة قرشاً، ومن ذلك الوقت تحسب له الفائدة (أى الأرباح). حيث لا فائدة على المبالغ المودعة دون المائة قرش، وبعد أن فتحت بنوك صغيرة من هذا القبيل بأكثر عواصم المديريات القبلية فى أواخر سنة 1884 أضفت إلى هذا المشروع تحسينات كثيرة، ووضعت له قانوناً جديداً ونظم كثيرة طبعتها على نفقتى الخصوصية، وأخذت على عاتقى من سنة 1890 تعميم هذا المشروع فى العاصمة وسائر عواصم مديريات القطر، وخاصة فى عواصم المديريات القبلية.



أنشأت أولاً بنكاً فى مدينة أسيوط، وعهدت بإدارته إلى مينا أفندى شنودة المصرى من أرباب الأملاك بضمانة كل من الخواجات سوريال عبد الملك المصرى وخير يعقوب من الأغنياء، ثم تولى إدارته بعد ذلك عياد أفندى بولس بضمانة المذكورين فنجح نجاحاً عظيماً بمساعدة الحكام والأعيان وكبار الموظفين ورجال القضاء والنيابة وسائر الأهالى. وكان من نظام هذا البنك أن اثنين أو ثلاثة من كبار الأعيان فى كل مدينة يختارون بمعرفتهم تتوافر فيه شروط الاستقامة ويتم تعيينه بمصادقتى بصفتى مؤسساً للمشروع وأميناً لبنك التوفير الذى ينشأ فى مدينتهم، ويحررون على أنفسهم ضمانة مالية من الأموال التى ترد بعهدته بحيث يكونون مسئولين عنها شخصياً أمام أصحابها وعليهم مراقبة هذا الأمين على الدوام. كما لنا حق الإشراف والمراقبة كل حين، وتحفظ هذه الضمانة لدينا بعد تسجيلها، وتوضع صورة رسمية منها فى البنك ليطلع عليها كل من يريد الاطلاع عليها. هذا وتحسب الفائدة للمبالغ الأكثر من مئة قرش، ولكن لا تحسب الفائدة إلا من بداية الشهر التالى لتوريد قيمة السهم الكبير، وكل شخص حر فى أن يدفع أية قيمة مالية فى أى وقت مناسب له. وله كذلك الحق فى أن يطلب رد نقوده فى أى وقت ولكن فائدتها لا تحسب له إلا فى نهاية الشهر السابق للشهر الذى يتم فيه الصرف حتى لا يحدث ارتباك فى قيد الحسابات المدونة فى البنك.
وإليك بيان البنوك التى تمكننا من تأسيسها بالجهات وقد أودعنا فى كل بنك منها جزءاً من مالنا الخصوصى بعضه باسم أولادنا وبعضه بصفة أمانة جلباً لثقة الناس فى بنوك الادخار المذكورة، وهى بنك أسيوط أمينة عياد أفندى بولس – بنك سوهاج أمينة زخارى أفندى أبادير – بنك المنيا أمينة الخواجا خليل برسوم – بنك قنا أمينة الخواجا بسطا مقار عبيد – بنك الفيوم أمينة فرنسيس أفندى ميخائيل – بنك المحروسة أمينة جندى أفندى عوض – هذا وقد استغلت أموال تلك البنوك فى الاتجار بالمواد والسلع الغذائية والمنزلية وغيرها، واستخدمت أرباحها فى دفع الفوائد المستحقة للمودعين، وقد نجح من هذه البنوك فعلياً بنكا سوهاج وأسيوط كثيراً، واستمر العمل فيهما حتى سنة 1896 ونظراً لانشغالنا (تادرس شنودة المنقبادى) فى هذه الفترة بإصدار جريدة "مصر" سنة 1895 سحبنا أموالنا التى كانت تربو على ألف جنيه أنفقناها على أعمال وتجهيزات جريدة "مصر" مع أننا كنا نربح من رواء تشغيلها للأهالى بالفائدة هى وأموال المودعين، والتى أيضاً كانت تؤكد تأمينات قوية لأموال المودعين ولما علم أصحاب الأموال المودعة بأننا سحبنا أموالنا الخصوصية من تلك البنوك سحبوا هم أيضاً أموالهم تدريجياً، وبذلك تعطل هذا العمل الاقتصادى العظيم النافع سنة 1898 ، وبينما كنا مهتمين بإعادته وتعميمه فى سائر بلاد القطر المصرى أنشأت مصلحة البوسطة المصرية صناديق التوفير التى أخذ سعادة سابا باشا مدير مصلحة البريد أكثر نظامها الحالى من فكرة مشروعنا هذا ولكننا جعلنا الفوائد والأرباح كبيرة لأصحاب المبالغ الصغيرة حباً فى ترغيبهم كما ترى ذلك فى قانون المطبوعات الذى كنت قد أعددته لصناديق التوفير المذكورة سنة 1884- وكانت فائدة الجنيه الواحد إلى عشرة جنيهات نحو تسعة فى المائة، وما زاد عن مبلغ عشرة جنيهات فتكون الفائدة ستة فى المائة سنوياً.

الجدير بالذكر أن جريدة "الوطن" لصاحبها ميخائيل أفندى عبد السيد أشارت فى عدة مقالات حينذاك إلى مشروع بنوك التوفير المذكورة، ففى عددها الصادر بتاريخ 23 مايو عام 1894 الصفحة الأولى ذكرت أن حضرة الفاضل النشط تادرس شنودة المنقبادى الاسيوطى معاون وابورات النيل فى مديرية أسيوط شرع فى تأسيس بنك مصرى ليوفر كل مصرى النقود .. وفائدة الجنيه الواحد إلى عشرة جنيهات نحو تسعة فى المائة، وما زاد عن ذلك فيكون فائدة ستة فى المائة ، وفى عددها الصادر بتاريخ 23 يناير عام 1894 فى الصفحة الثالثة أيضاً مقال لمؤسس بنك التوفير " تادرس شنودة المنقبادى" تحدث فيه عن فوائد الاقتصاد وأثرها الفعال فى تقدم ورقى الدول وقوتها ، وفى الجريدة ذاتها أيضاً فى العدد الصادر بتاريخ 21 ديسمبر عام 1894 فى الصفحة الثالثة نشر خبر عن تأسيس فرع جديد من بنك التوفير فى الفيوم.
ومما يذكر فى هذا الإطار أن الدولة حالياً تهتم بمشروع دفتر توفير البريد إذ جعلت أكبر عائد سنوى عليه وهو 11,75%،هذا فضلاً عن المبالغ المالية المودعة فيه وأرباحها أيضاً لا يجوز الحجز عليها ومضمونة من الحكومة-علاوة على تحديد عدة جوائز سنوية على السحب على الدفاتر الفائزة، وجائزة مميزة أخرى يتم سحبها فى العيد المئوى عبارة عن سيارة... أما هيئة البريد المصرى نفسها فكانت قد تأسست فى 2 يناير عام 1865 إبان عهد الخديوى إسماعيل. 

إيفا رومانى 

 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع