تراث

احكى للعالم.. أحوال العرب الآن وأيام "العز بن عبدالسلام"

عدسة: ياسر الغول


 
كنت قبل يومين وبمكتبة القاهرة متحدثا ومشاركا بحمد الله في حملة "احكي للعالم" عن تراثنا المنسي مع نخبة رائعة من عشاق وحماة التراث، تتقدمهم "بوابة الحضارات" بالأهرام وموقع كايرو 360 ومؤسسة ولاد البلد ومؤسسة طابة وآخرون.. وتشاء الأقدار في الوقت الذي يوافق فيه مجلس النواب علي زيادة مرتبات ومعاشات السادة الوزراء والمحافظين ويخصص معاشات لرئيس ووكيلي مجلس النواب في سابقة برلمانية وقانونية لم تحدث.. تقرر اللجنة المسئولة عن الحملة أن تكون البداية، دعوة لإنقاذ مقام الأمام المجاهد سلطان العلماء وبائع الأمراء فضيلة الإمام الشيخ العز بن عبد السلام.. فهذا الشيخ لمن لا يعرفونه وهم كثر فى هذا الزمان، فإذا كان الأحفاد والأبناء لايعرفون عن سيرته قيراطا وهم معذورين فى ذلك، قد تتعجب إذا عرفت أن الغالبية من أبناء جيلنا لا تعرفه أصلا أو لم تهتم بسيرته 24 قيراطا.

فهو أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السُّلَمي من مواليد دمشق ذات الأصول المغربية، ومات ودفن بالمقطم فى القاهرة عن عمر يناهز الثلاثة والثمانين عاما، اشتُهر بزهده وجرأته في الجهر بقول الحق، حتى عُرف ببائع الأمراء، وذلك عندما أفتى أن يباع أمراء المماليك ويُرَدّ ثمنهم إلى بيت مال المسلمين.

لكن ما يغيب من جوانب شخصيته عن عامة الناس، أن هذا العالم الجليل العظيم كان عَلَماً في علوم وفنون شتى، كالتفسير وعلوم القرآن، والحديث، والعقائد، والفقه وأصوله، والسيرة النبوية، والنحو والبلاغة، والسلوك والأحوال القلبية، وقد قال فيه شيخ زمانه وأستاذه فى التصوف أبى الشاذلى الحسن: ما على وجه الأرض مجلس في الفقه أبهى من مجلس عز الدين بن عبد السلام، وشهد العز لأبي الحسن كذلك بأن كلامه قريب عهد بالله!.


مقام العز بن عبدالسلام من الداخل

وقال فيه الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي: "وقرأ الأصول والعربية، ودرّس وأفتى وصنّف، وبرع في المذهب، وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصده الطَّلَبةُ من الآفاق، وتخرّج به أئمة، وله التصانيف المفيدة، والفتاوى السديدة”.
وقال فيه ابن الحاجب: "إنه أفقه من الغزالي!".
كما قال فيه السيوطى: "إنه لم يعد متقيداً بمذهبه الأصلي، المذهب الشافعي، بل قد يفتي بمقتضى اجتهاده."



ومن خلال قراءتك لمؤلفات العز في التفسير تلاحظ طول باعه في علوم اللغة والمعاني والبيان وكثرة استشهاده بأشعار العرب، مقتدياً في ذلك بحبر الأمة عبد الله بن عباس الذي قال: إذا أشكل عليكم شيء من القرآن فالتمسوه في الشعر فإنه ديوان العرب.
وللعز بن عبد السلام طلاب كثيرون، منهم شيخ الإسلام ابن دقيق العيد مجدّد القرن الثامن (محمد بن علي بن وهب القشيري: 625- 702هـ)، وهو الذي لقّبه بسلطان العلماء، ومنهم جلال الدين الدشناوي الزاهد الورع شيخ الشافعية بـ”قوص” في صعيد مصر، ومنهم المؤرخ أبو شامة المقدسي.
 
ومن مؤلفاته العظيمة كتاب "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" وهو أول ما كُتب خارج المذهب الحنفي، في بيان القواعد التشريعية، وهي عِلم يمثل صلة الوصل بين الفقه وأصول الفقه، ويوضح المبادئ التي يقوم عليها التشريع الإسلامي.
اشتهر بمواقفه العظيمة في إحقاق الحق وإنكار المنكر، وفي هذا يسجل التاريخ مواقف رائعة لهذا الشيخ العظيم، نذكر منها ثلاثة 



1- أول هذه المواقف كان حين أنكر على حاكم دمشق “الصالح إسماعيل” تحالفه مع الصليبيين وتنازله لهم عن بعض المواقع، وسماحه للناس ببيع السلاح للإفرنج، فأفتى الشيخ بتحريم ذلك كله، وأعلن موقفه على المنبر، فأمر الحاكم بعزله واعتقاله، ثم رأى أن يستميله فأرسل إليه رسولاً يقول له: بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وزيادة، أن تنكسر للسلطان وتُقَبِّل يده!. فقال الشيخ: "والله ما أرضاه أن يقبّل يدي، فضلاً عن أن أقبّل يده. يا قوم أنتم في واد، وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به". فقال رسول الملك: قد رُسِمَ لي أن توافق على ما يُطْلَبُ منك، وإلا اعتقلتك! فقال الشيخ: افعلوا ما بدا لكم.
2 - وثاني هذه المواقف هو بيعه لأمراء المماليك الذين كان يستعملهم الملك نجم الدين في خدمته وجيشه وتصريف أمور الدولة، فقد أبطل “العز” تصرفاتهم، لأن المملوك لا ينفُذُ تصرُّفُه شرعاً. وقد ضايقهم ذلك، وعطّل مصالحهم، فراجعوه فقال: لابد من إصلاح أمركم بأن يعقد لكم مجلس فتُباعوا فيه، ويردَّ ثمنكم إلى بيت مال المسلمين، ثم يحصل عتقكم بطريق شرعي… فلما سمعوا هذا الحكم ازدادوا غيظاً وقالوا: كيف يبيعنا هذا الشيخ ونحن ملوك الأرض؟.



وثار نائب السلطان وذهب في جماعة من الأمراء إلى بيت الشيخ يريدون قتله، فلما رآهم ابنه فزع وخاف على أبيه، فما اكترث الشيخ، بل قال: “يا ولدي، أبوك أقلُّ من أن يُقتل في سبيل الله” أي إن من يُقتَل في سبيل الله يكون على مرتبة عالية عند الله، لم أَبْلُغْها!.
وغضب الملك نجم الدين أيوب من هذه الفتوى وقال: ليس هذا من اختصاص الشيخ، وليس له به شأن!.

فلما علم “العز” بذلك عزل نفسه عن القضاء، وقرر العودة إلى الشام، فتبعه العلماء والصلحاء والتجار والنساء والصبيان تضامنا معه وإحتجاجا 
وجاء من هَمَس في أذن الملك: متى ذهب الشيخ ذهب مُلكُك. فخرج الملك مسرعاً ولحق بالشيخ، وأدركه في الطريق وترضّاه، ووعده أن ينفّذ حكم الله في المماليك كما أفتى الشيخ. فرجع العز ونفّذ الحكم!. 


مقام العز بن عبدالسلام من الخارج

- والموقف الثالث.. دوره في حرب التتار وموقعة عين جالوت.. كانت بغداد آنذاك عاصمة الدولة الإسلامية وحاضرة الدنيا، لكنها سقطت بأيدي التتار سنة 656هـ، ودمرت بغداد، نتيجة ضعف الخليفة وتآمر الوزير ابن العلقمي، وألقيت المخطوطات والكتب في نهر دجلة حتى اسودّ ماؤه، وانبعثت جيوش هولاكو كالجراد، ولم يبق من ديار الإسلام إلا مصر، وماذا تعمل مصر أمام هذا الزحف الأصفر؟!.

وكان من قدر الله أن أُجلي الشيخ العز من دمشق إلى مصر، كما ذكرنا، { وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} فراح يُذْكي روح الإيمان والجهاد في شعب مصر، ويذكّر الولاة بواجبهم تجاه ربهم ودينهم، وتجاه حرمة الأرض المسلمة.
وكان الملك نجم الدين أيوب قد توفي سنة (645هـ – 1249م) قُبيل معركة المنصورة، وتولى بعد ابنه توران شاه الذي اغتيل بعد شهور، وانتهى حكم الدولة الأيوبية، وآل الأمر إلى المماليك فحكم عز الدين إيبك فترة قصيرة ثم نور الدين علي.

وفي أثناء ذلك وصل السيل التتري الجارف إلى عين جالوت قرب بيسان، وصار الأمر بحاجة إلى معركة فاصلة، فعندئذ عَزَل الولاةُ ملكَهم الضعيف نور الدين علي وولَّوا مكانه البطل القوي المتمرس بالحروب قطز، وسمّوه الملك المظفر. وجمع قطز القضاة والفقهاء والأعيان لمشاورتهم فيما يلزم لمواجهة التتار وأن بيت المال بحاجة إلى أموال الشعب ليتمكن من الجهاد، ووافقه جُلّ الحاضرين على جباية الضرائب لهذا الأمر، ولم يذْكروا ما عند الأمراء من أموال.

وعندئذ تكلم العز فقال: “إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم، بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء، وبشرط أن يؤخذ كل ما لدى السلطان والأمراء من أموال وذهب وجواهر وحُليّ، ويقتصر الجند على سلاحهم ومركوبهم، ويتساووا والعامة…”
وكانت الكلمةُ كلمةَ عز الدين، وراح يعبّئ النفوس، ويشحنها بالإيمان، ويحرّض المؤمنين على القتال، وخرج الجيش من مصر على أكمل استعداد، وبلغوا بيسان في الوسط الشرقي من فلسطين في رمضان 658هـ، واستمرّ الشيخ يُذكي روح العزيمة، ويذكّر بنصر الله، وعظيم فضل الجهاد والمجاهدين، ومكانة الشهيد عند الله. وكانت المعركة الهائلة التي حارب فيها جيش الإسلام تحت صيحات: “الله أكبر. واإسلاماه”… واندحر جيش التتار في عين جالوت.

فانقذوا مقام هذا العالم الجليل.. وذكروا الناس بتاريخه رحم الله شيخنا الجليل. 
وتبقى كلمة أخيرة أن مشاركة "بوابة الحضارات" فى هذه المبادرة المهمة بدأ مبكرا، عندما قامت البوابة مؤخرا بالتحضير والإعداد لإطلاق زاوية عن التراث "اسالونى" بالفيديو فى شهر رمضان للإجابة وتوضيح وكشف الغموض والمجهول عن العديد من علامات الاستفهام حول تراثنا المنسى والمهمل.

 
 

(45 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع