تراث

ناس وأماكن

بنى حسن.. عبقرية الحضارة الفرعونية القديمة

المنيا واحدة من أهم محافظات صعيد مصر لكونها متحفاً وسجلاً قديماً للعديد من العصور التاريخية مما يدل على اهتمام حكام كل العصور بها، فإلى جانب الآثار الفرعونية والرومانية واليونانية والقبطية والإسلامية نجد العديد من الأديرة المسيحية مثل دير السيدة العذراء بجبل الطير وكنيسة العائلة المقدسة بملوى.
جاء اسم المنيا من الكلمة الهيروغليفية (منعت) وهو مختصر من الاسم الكامل القديم (منعت خوفو) التى كانت مرضعة الملك خوفو وورد اسمها فى نقوش مقابر بنى حسن التى ستكون محور عرضنا فى هذا المقال، ثم تطور الاسم إلى (مونى) فى القبطية وتعنى المنزل ومنه جاء الاسم الحالى (المنيا)، وفى العصر الإسلامى أطلق عليها "منية ابن خصيب" نظراً لكون الخصيب بن عبد العزيز ابن الخليفة العباس كان يتمنى ولايتها وتحققت أمنيته، وهناك من يطلق عليها "منيا الفولي" نسبة إلى العالم الإسلامى الشهير أحمد الفولي.


 
تقع مقابر بنى حسن التى سميت بهذا الاسم نسبة إلى قبائل بنى حسن التى كانت تقيم جنوب مدينة المنيا بحوالى 20 كم فى قمة الجبل على الضفة الشرقية لنهر النيل، ترجع المقابر البالغ عددها 39 مقبرة إلى آثار الدولة الوسطى، وأصحابها ليسوا ملوكاً أو أمراء بل كانوا من حكام الأقاليم وأصحاب نفوذ قاموا ببناء مقابرهم فى الجبل لسهولة نحتها والرسم بها فالمناظر كلها مرسومة وليست منحوتة استخدموا فيها ألوانا طبيعية عبارة عن مساحيق ومواد مستخرجة من باطن الأرض كما كانوا يستخدمون بياض البيض فى تثبيت الأسقف، وتنفرد المقابر بمناظر لا توجد بغيرها مثل السلم الموسيقى والألعاب الأوليمبية ومناظر الحياة اليومية وعملية صيد الأسماك عن طريق التفريغ الهوائى وقائمة بالوظائف الإدارية الحكومية، الأمر الذى جعل من مقابر بنى حسن سجلاً كاملاً لمظاهر الحياة فى مصر فى عصر الدولة الوسطى.



المقابر مقسمة إلى ثلاثة طرازات:
الطراز الأول: عبارة حجرة بها الباب الوهمى والذى يعتقد أن الروح ترحل منه ولا يوجد بها أعمدة وهو طراز من الأسرة الـ 11.
الطراز الثاني: عبارة عن حجرة بها الباب الوهمى الذى يحتوى على أعمدة نباتية تمثل نبات "زهرة اللوتس" وهو طراز من الأسرة الـ 11 أيضا.
الطراز الثالث: عبارة عن بهو أعمدة فى الخارج ثم مدخل ثم صالة بها أعمدة كبيرة مضلعة ثم مقصورة التمثال، وهذا الطراز من الأسرة الـ 12.


 
ويُعد الباب الوهمى أساسى فى كل مقبرة لاعتقادهم ان الروح تخرج من هذا الباب ونجد عليه صورة ثورين يتناطحوا وهما يمثلان صراع الخير والشر "حورس وست". وحالياً توجد أربع مقابر كاملة تماماً ومعدة للزيارة وهى:
مقبرة "خيتي" الى جانب وظيفته كحاكم للإقليم كان قائدا للفيالق فى المناطق الوعرة وتتكون مقبرته من صالة بها ستة أعمدة على شكل زهرة اللوتس لم يتبق منها الآن سوى عمودين، والمقصورة الصغيرة بها تمثال للمتوفى ومعه عائلته وآبار الدفن التى يبلغ عمقها 8 أمتار تقريباً، وتصور المشاهد على مقبرته الحياة اليومية والصيد فى الصحراء وصوره مع زوجته يستمعان إلى الموسيقى وخلفهم الطيور إلى جانب صور لجنود يتدربون على القتال.


 
 مقبرة "باكت الثالث" ويشبه تخطيطها المعمارى باقى المقابر مع وجود بعض التفاصيل القليلة فهى مزينة بصور حائطية غريبة لمصارعين وغزلان ومشاهد صيد لحيوانات من نوع وحيد القرن ووحوش مجنحة، وأعمدتها على شكل زهرة اللوتس إلى جانب وجود أبيار دفن كثيرة. 
 
مقبرة "امنمحات" حاكم إقليم المنيا فى عصر الدولة الوسطى وتتكون المقبرة من بهو كان يجلس به أقارب الأمير وزوار المقبرة لتقديم القرابين والأضاحى للمتوفى ثم صالة للأعمدة بها أربعة أعمدة تم قص أحدهم بواسطة اللصوص إلى جانب مقصورة صغيرة عليها مناظر مختلفة.
 
مقبرة "خنوم حتب الثاني" حاكم إقليم الوعل والمشرف العام على القبائل الشرقية فى عصر الدولة الوسطى، المقبرة تشبه إلى حد كبير مقبرة "امنمحات" مع اختلاف بسيط فى الأعمدة وأبيار الدفن، كما أن سقفها ملون بلون يشبه الجرانيت الوردى ونقش خارجها نصوص صلوات المتوفى وتقويم الأعياد وألقاب وأسماء خنوم حتب وصوره.


 
هذا وقد لوحظ أن إحدى مقابر بنى حسن تضم مجموعة من النقوش والرسومات تسجل زيارة وفد آسيوى لمصر يضم 37 شخصا من البدو بين رجال ونساء وأطفال حيث أثار هذا النقش الكثير من علامات الاستفهام حول سبب إقدام المصريين على تسجيل مثل هذه الزيارة خاصة وأنه أمر غير معتاد لدى الفراعنة، وقد كانت أكثر النظريات اللافتة فى تفسير هذا النقش أن الرسومات تسجل زيارة نبى الله إبراهيم عليه السلام إلى مصر برفقة زوجته سارة ونبى الله لوط، بالإضافة إلى السيدة هاجر التى قدمها له فرعون مصر كهدية ورافقته فى رحلته إلى الجنوب، ليتم تسجيل هذه الزيارة على جدران تلك المقبرة تقديرا لمكانة نبى الله وأهله.

وجدير بالذكر أن المقابر قد أُعيد استخدامها فى العصر الرومانى من قبل المسيحيين الأوائل هروباً من تعذيب الرومان، حيث وجد جزء محفور فى كل المقابر على شكل نصف دائرة صنعه المسيحيون لوضع الشموع به لإنارة المكان، وفى عام 2012 صدر عن وزارة الآثار كتاب «مقابر بنى حسن.. الصورة والدلالة» الذى يعد أول مخرجات المشروع القومى لتسجيل آثار مصر منذ أن بدء العمل فيه عام 2004 ويضم 268 صورة لمجموعة مقابر بنى حسن بجودة عالية بالإضافة إلى 62 شكلا إيضاحيا.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع