تراث

بـ 70 ألف جنيه تأسس منذ قرن.. المستشفى القبطي تاريخ من علاج فقراء مصر

فى يوم 8 يناير عام 1881 اجتمع بمنزل عريان أفندي مفتاح (توفى عام 1888) بالأزبكية ثلاثون قبطياً، وحضر معهم كل من فضيلة الشيخ محمد عبده (1849-1905) ـ يعد أحد رموز التجديد فى الفقه الإسلامى، ومن دعاة الإصلاح فى العالم العربى والإسلامى، وأحد أعلام النهضة العربية الإسلامية الحديثة، وكان عضواً فى مجلس الأوقاف الأعلى، كما عين فى منصب مفتى الديار المصرية فى 3 يونيو عام 1899 طبقاً لمرسوم صادر عن الخديو عباس حلمى الثانى، وفى 25 يونيو عام 1890عين عضواً فى مجلس شورى القوانين ـ وفضيلة الشيخ محمد النجار، وعبدالله النديم (1842-1896) ـ كان كاتبا وشاعرا فقيها ولقب بخطيب الثورة العرابية لدوره الفعال فيها، ألف أكثر من سبعة آلاف بيت شعر، وروايتين وكثيرا من الكتب ـ وأديب زالماتيان (1856-1885) ـ وهو أديب وشاعر وصحفي كبير من عائلة أرمينية استقرت في مصرـ واتفقوا جميعاً على تأسيس أول جمعية قبطية فى مصر باسم "جمعية المساعى الخيرية القبطية"، وألقى عبد الله النديم خطبة تاريخية فى هذا الاجتماع المهم، أكد من خلالها أهمية هذه الخطوة التى تشهدها البلاد للمرة الأولى فى تاريخها الحديث، مؤكداً أيضاً دعمه لروح الترابط الوطنى والمحبة التى تجمع أقباط مصر ومسلميها، ومشاركتهم المادية والوجدانية لخروج هذه الجمعية إلى النور لتحقيق هذا الهدف السامى، وانتخب المجتمعون سعادة بطرس باشا غالى رئيساً للجمعية، فكان هو أول رئيس لجمعية خيرية قبطية فى مصر. ثم تغير اسمها بعد ذلك لتصبح "الجمعية الخيرية القبطية الكبرى بالقاهرة"، وبعد مرور ما يقرب من 25 عاماً على تأسيس الجمعية القبطية انضم جرجس باشا أنطون (1863-1947) إلى عضويتها بنصيحة من قداسة البابا كيرلس الخامس، بابا الكنيسة القبطية فى هذه الفترة، وكان ذلك فى عام 1906، وفى عام 1907 انتخب جرجس باشا نائباً لرئيس الجمعية بطرس باشا غالى. ثم انتخب رئيساً لها فى عام 1923، وظل يرأس الجمعية حتى رحيله عام1947، وعرف عصره بالعهد الذهبي للجمعية. 



فبخلاف الإنجازات العديدة التى شهدتها الجمعية القبطية فى عهده فى كل المجالات، حتى عرفت فترة رئاسته للجمعية بالفترة الذهبية، قرر أعضاء "جمعية المساعي الخيرية القبطية" بمناسبة الاحتفال بمرور 27 عاماً على تأسيسها أن ينبثق عنها أول مستوصف خيرى باسم "المستوصف القبطى الخيرى العام" نسبة إلى "الجمعية الخيرية القبطية الكبرى" التى كانت قد أنشأته، وذلك قبل تغيير اسمها القديم إلى الاسم الحالى لها "المستشفى القبطى"، وكان هذا في أوائل عام 1908، استهدف هذا المستوصف القبطى الخيرى العام تقديم كافة الخدمات الضرورية للفقراء من أعضاء الجمعية بمنطقة الأزبكية، وبلغت القيمة الإجمالية لنفقات البناء والتأسيس حوالى سبعين ألف جنيه، تم جمعها من تبرعات الأعضاء المساهمين فى إنشاء الجمعية القبطية، وبدعم ضخم ساهمت به كذلك الكنيسة القبطية لإنجاح المشروع، وتحقيق الاستفادة القصوى منه للمحتاجين، وقام وقتها المتنيح قداسة البابا كيرلس الخامس (1874-1927) البطريرك الثانى عشر بعد المائة فى عداد بطاركة الكرسى المرقسى، بمنح الجمعية منزلاً صغيراً بحارة شق الثعبان فى شارع كلوت بك بالقاهرة لإتمام هذا الغرض. 
 
افتتاح المستوصف القبطى الخيرى العام:
فى الأول من أكتوبر عام 1908 أقيم حفل كبير فى منطقة الأزبكية تم خلاله افتتاح المستوصف، وكانت خدماته قاصرة فى البداية علي معالجة فقراء الجمعية وذويهم من أقرباء الدرجة الأولى فحسب. وتبرع للعمل فيه بدون أجر مادى العديد من خيرة وكبار الأطباء والجراحين الأقباط فى كل التخصصات الطبية المشهورين فى هذا الوقت، وشكلت لجنة منهم تحت رعاية الجمعية لإدارة المستوصف الطبى الذى كان يرأسه ويشرف عليه الدكتور إبراهيم بك منصور. بإجماع الأعضاء على انتخابه، واعتبر أول مكان أهلي يقدم الخدمة الطبية لفئة من المصريين مجاناً. وتدريجياً توسع العمل فيه وأصبح مبنى كامل فتقرر نقل المستوصف الطبى الحالى بكل أجهزته وأنشطته الطبية إلى مبنى جديد أمام ميدان كوبرى الليمون بالقرب من باب الحديد فى القللى برمسيس (حالياً محطة مصر)، وفى أوائل عام 1910 رأى أعضاء الجمعية والمساهمين فيها أنه يجب تعميم الإحسان والتوسع فيه، بحيث لا يكون قاصراً على أعضاء الجمعية فقط، فقرروا فتح أبوابه لمعالجة جميع الفقراء والغير قادرين على سداد مصروفات العلاج مجاناً وبدون استثناء بين أية فئة من فئات المجتمع المصرى سواء مسلمين أو أقباط أو حتى أجانب مقيمين فى مصر. حيث كان مبدأ مؤسسي المستشفى القبطى الأوائل "أن الإنسانية لا تتجزأ" وأيضاً مبدأ اعتمد عليه ثانى رئيس للجمعية، وهو جرجس باشا أنطون، مؤكداً عليه طيلة 84 عاماً عاشها الرجل" أن عمل الخير يجب أن يكون خالصاً للخير ذاته "وأيضاً" إنه ليس للإنسانية دين أو لغة تتعامل بها مع الآخرين"، بل كان الرجل أول من نادى بمحاربة أعداء مصر الحقيقيين الثلاثى الشهير"الفقر والجهل والمرض". لذلك أيضاً خصصت "الجمعية الخيرية القبطية الكبرى بالقاهرة" كل ريعها من الممتلكات وتبرعات أعضائها وأيضاً المشروعات الاجتماعية التى كان تديرها لمساعدة الفقراء والمعوزين فى مصر كلها، وكان يقبل على الاستفادة من خدماتها المادية والمعنوية الكثيرون من أبناء الشعب المصرى الآتين من كل محافظات الجمهورية، هذا بالإضافة إلى حوالى 730 فداناً من أجود الأراضى كانت الجمعية القبطية تمتلكها، وتصرف من ريعها أيضاً على مساعدة الفقراء فى كل مكان. 
 
التوسع فى أنشطة المستوصف الطبى. . 
في أوائل عام 1911 اتفق أعضاء الجمعية أن الحاجة ماسة لإنشاء أقسام داخلية للجراحة والتمريض بالمستوصف الطبى الناشئ، فقام فريق من أعضاء الجمعية القبطية بتجهيز جميع شقق المنزل الصغير الكائن بحارة شق الثعبان فى شارع كلوت بك بالقاهرة، الذى كان المتنيح قداسة البابا كيرلس الخامس قد أهداه للجمعية، لإقامة هذا المشروع الطبى الإنسانى عليه، كمساهمة بسيطة من الكنيسة القبطية لتنفيذ المشروع على أكمل وجه، وبدون تحميل الجمعية أعباء مادية إضافية عليها بجانب خدماتها الإنسانية العظيمة الأخرى التى تقدمها للوطن بكل محبة وبدون مقابل مالى من أية جهة رسمية، بأدواره الثلاثة والأسرة والآلات الجراحية اللازمة. وتقرر أن يتولى كل من الدكتور حبيب خياط والدكتور ملتون إدراة المستوصف الطبى الناشئ وإبلاغ الجمعية بكافة الاحتياجات المالية اللازمة لإدارة المشروع الخيرى وإتمام الخدمة على أحسن وجه ممكن. ولما ضاق هذا المستشفى الجديد عن استيعاب واستقبال المرضى الذين بدأت أعدادهم فى الازدياد والتوافد من كل محافظات الجمهورية، خاصة بالأقسام الداخلية المختلفة، وعلى رأسها قسم الجراحة العامة والعمليات، قامت الجمعية الخيرية القبطية الكبرى باستئجار منزل كبير آخر بجانب هذا المنزل الصغير للغاية، وكان مقره فى الشارع العباسي أمام محطة كوبرى الليمون بالقللى فى القاهرة. 
 


افتتاح المستوصف القبطى فى مقره الجديد.. 
بعد قيام الجمعية بإصلاح المنزل وإعداده إعداداً تاماً، افتتح المستشفى القبطى الكبير فى مقره الثانى من جديد فى يوم 14 يونيو عام 1913، وتم إسناد رئاسة قسم الجراحة العامة بالمستشفى إلى الدكتور حبيب خياط، وكان نائبه الدكتور إبراهيم المنياوى طوال الفترة من عام 1913 وحتى عام 1926، واستقطب المستشفى فريقا متميزا من الممرضات الأجنبيات الوافدين من كل أنحاء العالم للخدمة والعمل فيه. وعندما تعذر مجيء الممرضات الأجنبيات فى فترة من الزمن بسبب الظروف التى نجمت عن اندلاع الحرب العظمى (أى الحرب العالمية الأولى، وكانت حرباً عالمية نشبت أحداثها بدايةً فى أوروبا يوم 28 يوليوعام 1914، وانتهت فى يوم 11 نوفمبرعام 1918. وصفت وقت حدوثها بـ"الحرب التى ستنهى كل الحروب")، قررت إدارة المستشفى تحت إشراف مديره جرجس باشا أنطون إنشاء قسم خاص لتعليم الفتيات المصريات فن التمريض وأصوله على أحدث النظم العالمية فى هذا الوقت، وكان الإقبال عليه كبيراً جداً فى بداية تأسيسه من الفتيات من كل فئات وطبقات المجتمع المصرى، خاصة أبناء الطبقة الغنية، وذلك لارتباطه بالجانب الإنسانى، وما تقدمه هذه المهنة من خدمات مادية ومعنوية ونفسية للمرضى البسطاء من أبناء الشعب المصرى من ناحية، ولاعتبارها مهنة جديدة على المجتمع المصرى بصفة عامة وعلى الفتاة بصفة خاصة من ناحية أخرى، وتولى الدكتور إبراهيم المنياوى مسئولية تدريس التمريض لفتيات الدفعة الأولى من الممرضات على أحدث النظم العالمية (خاصة فى القسم الذى كان يرأسه، وهو قسم الجراحة العامة والتعقيم)، فتخرجت أول دفعة من الممرضات وكانت مميزة للغاية، لم يشهد تاريخ التمريض فى مصر مثلها حتى وقتنا هذا، وكان المستشفى القبطى فى هذا الوقت من أشهر المستشفيات المصرية المشهود لها فى تقديم الخدمة العلاجية والتمريضية المتميزة التى يقدمها للمرضى، وعرف عنه أيضاً اهتمامه بالنظافة الفائقة، وتقديم الرعاية الطبية والإنسانية للمرضى جميعاً. 
 
افتتاح المستشفى القبطى بعد تطويره:
وعندما ذاع صيته وكثر المترددين عليه، سواء من المرضى المصريين المحتاجين فعلاً أو صف الأطباء والممرضات المتميزين، اتفق أعضاء الجمعية الخيرية القبطية الكبرى فى اجتماع الجمعية العمومية الذى عقد فى أوائل عام 1926على نقل المستوصف الطبى الحالى من مقره الصغير إلى مكان أوسع وأكبر يفى بالغرض وباحتياجات المرضى المتزايد باستمرار، لذلك تقرر بناء مستشفى كبير. وكانت القاهرة وقتها فيها مستشفيات عديدة متنوعة، مثل المستشفى الإيطالي بالعباسية (الذى افتتح عام 1904 بتمويل من الجالية الإيطالية فى مصر فى تلك الفترة على يد مؤسسه مسيو أمبرتو الأول)، والمستشفى الفرنسى (الذى أصبح حالياً مستشفى مصر للطيران)، فاهتم بعض الأقباط بتأسيس أول مستشفى وطنى للمصريين لا يقل فى مستواه عن هذه المستشفيات المتميزة. التى تقدم خدمة طبية متميزة بحيث يشمل أكبر قدر ممكن من التخصصات الطبية، ويقدم عناية طبية متكاملة (كانت كلمة وطنى تطلق على المصريين وقتها لتفرقتهم عن الأجانب). وعلى أثر ذلك تأسس مستشفى كبير باسم "المستشفى القبطى"، ذلك الصرح الطبى العظيم فى الموقع الذى استقر عليه رأى الأعضاء بـ175 شارع رمسيس بحى الأزبكية فى القاهرة. وافتتح المستشفى فى نفس السنة (عام 1926)، وكان حفلاً كبيراً للغاية، تصدر عناوين كل الصحف والمجلات القومية وبعض الإصدارات العالمية الصادرة فى اليوم التالى، وحضر حفل الافتتاح كبار رجال الدولة المصرية وعدد من الأطباء الأجانب، وعلى رأسهم الملك فؤاد، وولى عهد إثيوبيا، والأمير محمد على، والأمير عمر طوسون، والزعيم سعد باشا زغلول، ورئيس الوزراء الأسبق مصطفى النحاس باشا، وصديقه المقرب مكرم عبيد باشا، وغيرهم الكثيرون من كبار رجال الدولة آنذاك. 
 
وكان رأى أعضاء الجمعية قد استقر على أن يتولى جرجس باشا أنطون رئيس الجمعية الخيرية القبطية الكبرى فى ذلك الوقت رئاسة المستشفى وإدارتها والإشراف عليها بشكل عام، نظراً للإنجازات العديدة التى حققها فى فترة رئاسته للجمعية، فأحضر جرجس باشا له فئة من أمهر الممرضات من أوروبا للعناية بالمرضى، وذلك بالتعاون مع مجموعة من نوابغ الأساتذة الأطباء الأقباط المميزين فى كافة التخصصات الطبية، يحمل أغلبهم درجة الباشاوية نظراً لتميزهم فى عملهم، والذين استحضرهم مدير المستشفى من كل محافظات الجمهورية، نذكر منهم طبيب النساء الشهير الدكتور نجيب باشا محفوظ (1882-1972) أول من أسس قسماً لأمراض النساء والتوليد فى مصر والعالم، وقام بتوليد والدة الأديب العالمى نجيب محفوظ الذى سماه والده فيما بعد على اسم الطبيب اعترافاً له بالجميل وإنقاذه لطفله الصغير، فضلاً عن شهرته التى استمدها من قيامه بتوليد الملكة فريدة زوجة الملك فاروق، والجراح الكبير الدكتور إبراهيم فهمى المنياوى باشا (15 مارس عام 1887- أواخر يوليو عام 1957)، وأيضاً وزير الصحة الأسبق الدكتور نجيب باشا إسكندر(كان وزيراً للصحة فى الفترة من عام ١٩٤٦ إلى عام ١٩٤٩، وعمل خلالها على محاربة وباء الكوليرا، الذى انتشر فى البلاد خلال فترة توليه الوزارة)، الدكتور إبراهيم بك منصور (1860-1930)، والدكتور نجيب باشا مقار أول من أنشأ قسماً للمسالك البولية على مستوى مصر، والدكتور شفيق شلبى، والدكتور إسكندر جرجاوى والدكتور إدوارد المنقبادى، وغيرهم الكثيرين من كبار أساتذة الطب الذين عرفتهم مصر على مدى تاريخها. 
 
وكان على كل طبيب يعمل بالمستشفى أن يعالج الفقراء والمحتاجين من مسلمين وأقباط دون أية تفرقة بسبب الدين، وشيد جرجس باشا أنطون بالمستشفى كنيسة صغيرة، وصيدلية كبيرة لصرف العلاج المجانى للمرضى، بالإضافة إلى تأسيس معمل بكتريولوجى، وإنشاء قسم خاص لعمل الأشعة وآخر للتحاليل المختلفة، هذا إلى جانب استحضار أحدث الأجهزة العلمية والمعدات الطبية اللازمة للتشخيص والعلاج وتجهيز غرف العمليات على مستوى عال، وتولى دكتور إبراهيم المنياوى رئاسة قسم الجراحة العامة بالمستشفى الجديد، وأصبح فى نفس الوقت عضواً بالمجلس العام للجمعية الخيرية القبطية الكبرى، وذلك خلال الفترة من عام 1936 إلى عام  1940، ومازال المستشفى كائنا فى نفس موقعه الجديد بشارع رمسيس، وكان المستشفى أيضاً بمثابة أول منشأة طبية أهلية مصرية. هذا وقد فتح المستشفى أبوابه لتقديم الخدمة الطبية المتميزة مجاناً لكل المصريين، وتأسست فيه مدرسة كبرى للتمريض، وما زالت هذه المدرسة موجودة حتى الآن، تشهد على عراقة مؤسسها الأول جرجس باشا أنطون، وكان المستشفى وقتها محط أنظار المرضى والمتعاملين معه من كل الفئات سواء المصريين أو الأجانب، كما كان يقصده علية القوم من الباشاوات والأمراء، وذلك لسمعته الطيبة وكفاءة ومهارة الأطباء والممرضات العاملين فيه، حتى نال شهرة عالمية واسعة، وصار فى وقت قياسى للغاية من أهم المعالم القبطية بالقاهرة التى يقصدها المصريون والأجانب. هذا وقد تبرع المتنيح قداسة البابا كيرلس السادس بإنشاء كنيسة على اسم السيدة العذراء فى المستشفى على نفقته الخاصة، وافتتح قداسته الكنيسة وقام بتدشينها فى يوم 10مايو عام 1962. 
 
المستشفى القبطي فى القاهرة:
أما المستشفى القبطى فهو اسم يطلق بصفة عامة على ثلاثة مستشفيات: اثنان فى مصر، والثالث فى الخارج، وجميعهم كانوا يتبعون الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، لأنها هى التى تبنت لأول مرة فى تاريخ مصر فكرة إنشاء مستشفى لرعاية الفقراء والمحتاجين من كل فئات المجتمع المصرى مجاناً بدون تمييز بسبب الدين أو اللغة، وذلك فى أواخر القرن التاسع عشر. لكن هذه الفكرة لم تخرج إلى النور إلا فى بدايات القرن العشرين، واكتملت بشكل أوسع ونهائى فى عشرينيات القرن الماضى على يد أعضاء الجمعية الخيرية القبطية الكبرى بالقاهرة، عندما اتفق لفيف من خيرة الأطباء الأقباط على تأسيس هذا الصرح الطبى الكبير الذى أطلق عليه مؤسسيه اسم "المستشفى القبطى"، والذى اشتهر لعمل الدكتور العالمى آنذاك نجيب باشا محفوظ فيه، وكان يديره مجلس إدارة تعينه الكنيسة القبطية سنوياً. وتتولى بنفسها تدبير كافة احتياجات المستشفى سواء المادية أو الأجهزة والمعدات الطبية اللازمة لها. وطبقاً لما ورد فى سجلات الجمعية الخيرية القبطية الكبرى بالقاهرة أنه حتى نهاية عام 1951 (قبل قيام حركة الضباط الأحرار) كانت إيصالات تحصيل الفواتير الخاصة بعلاج المرضى، وكذا صرف الأدوية، أو مصاريف الإقامة بالنسبة للحالات الخاصة التى تستدعى ذلك مهما طالت المدة، كانت تدون على حساب البطريركية القبطية بالقاهرة ومثيلتها بالإسكندرية، وذلك باعتبار المستشفى القبطى سواء بالقاهرة أو بالإسكندرية ضمن المؤسسات العلاجية الخيرية التابعة لها. أما هذه المستشفيات القبطية فأحدهما توجد بمدينة القاهرة (مازال قائماً فى نفس موقعه الأول فى 175 شارع رمسيس بحى الأزبكية، ويتبع حالياً المؤسسة العلاجية العامة بالقاهرة) ذلك أنه بعد قيام ثورة 23 يوليو عام 1952، أصدرت الحكومة المصرية فى الستينيات من القرن الماضى قراراً جمهورياً بإنشاء هيئة جديدة حملت اسم "المؤسسة العلاجية العامة" بفروعها المنتشرة فى أنحاء الجمهورية، تتبع وزارة الصحة والسكان، بحيث تتولى إدارة بعض المستشفيات الأهلية والخاصة التى تم تأميمها بعيداً عن موازنة الدولة، وجاء فى حيثيات قرار تأسيس المستشفيات العلاجية بالقاهرة أنه استهدف تقديم خدمة طبية تكون حلقة وصل بين مستشفيات القطاع العام التى تقدم خدمة مجانية، وبين المستشفيات الخاصة التى تقدم خدمة طبية مرتفعة التكلفة، كان عددها فى البداية14 مستشفى تعليمى عام، إلى أن أصدر الدكتور إسماعيل سلام وزير الصحة الأسبق (من 4 يناير 1996 وحتى 11 مارس 2002) قراراً بإنشاء الأمانة العامة للمستشفيات الطبية المتخصصة، وضم إليها 9 مستشفيات أخرى متخصصة كانت تابعة من قبل للهيئة، وكانت تدر دخلاً كبيراً للمستشفيات والمؤسسة معاً، أهمها مستشفيات معهد ناصر والهرم ودار الشفاء والعجوزة. فى حين تبقت خمسة مستشفيات فقط ظلت تابعة للهيئة العلاجية حتى يومنا هذا، هى كل من المستشفى القبطى وهليوبوليس والإصلاح الإسلامى ومبرة المعادى ومبرة مصر القديمة. علماً بأن المستشفيات التسع التى انفصلت عن هيئة المؤسسة العلاجية، وأصبحت تابعة لوزارة الصحة يتم تخصيص ميزانيات كبيرة لها. حافظت على مستواها وساهمت بشكل كبير فى تطويرها ودعمها بأحدث الإمكانيات والآلات الطبية الحديثة. بينما تخضع باقى المستشفيات الأخرى المشار إليها لإشراف وزارتى الصحة والمالية والجهاز المركزى للمحاسبات، ورغم ذلك تعانى التهميش والإهمال الناجم عن عدم تخصص موارد مالية وميزانية محددة لها من الدولة، وتعتمد هذه المستشفيات فى توفير احتياجاتها ودعم خدماتها الطبية التى تقدمها وسداد مديونياتها على إيراداتها الخاصة، مما يسبب لها عبئا ماليا إضافيا، ويؤثر سلباً على إمكانية تحديثها واستمرارها فى تقديم خدمات متميزة كما كانت من قبل، وذلك بعد أن تهالكت معظم أجهزة هذه المستشفيات وأيضاً أبنيتها، وأصبحت تعمل بما هو متاح لها من إمكانيات ضعيفة لا تستطيع أن تواجه به الأعداد المتزايدة من المرضى المقبلين على العلاج. ورغم ذلك ظل المستشفى القبطى يقدم خدماته العلاجية للفئة التى يستهدفها من المرضى، وهى الطبقة المتوسطة بشكل جيد يكافئ تلك التى تقدمها المستشفيات الخاصة، ولكن بسعر أقل حتى فترة الثمانينيات من القرن الماضى، إلى أن أهمل تماماً هذا القطاع الخدمى الحيوى، وغاب عنه التطوير لفترة طويلة منذ قرار التأميم، والتغيير الذى طرأ على سياسات المستشفى وحتى الآن بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التى تمر بها البلاد فى وقتنا هذا. وفى هذا الإطار نذكر أنه فى عام 1949 كان المثال المصرى الشهير محمود مختار (1891-1934) قد أنجز تمثالاً مجسماً رائعاً لجرجس باشا أنطون مؤسس المستشفى القبطى، وأول مدير له بعد تطويره ونقله إلى مقره الجديد بشارع رمسيس، وضع فى مدخل المستشفى، ولازال التمثال معروضا حالياً فى نفس المكان. يشهد على عظمة وإنجازات هذا الرجل العظيم، الذى قدم الكثير من وقته وجهده وماله لخدمة الآخرين بدون مقابل. 
 
كلمة أخيرة:
استطاعت الكنيسة بالفعل أن تقدم لشعبها فى مصر والخارج نموذجا حيا لمعنى الخدمة الروحية الممزوجة بالخدمة العملية الإنسانية لكل إنسان بصرف النظر عن لونه وجنسه ودينه ومعتقده. وذلك من خلال تأسيس المستشفى القبطى بفروعه المتعددة، لكن للأسف يعانى هذا المستشفى، الذى كان فى يوم من الأيام شاهداً على فترة مهمة فى تاريخ مصر منذ الاحتلال البريطانى وحتى الآن، وكان يقصده باشاوات مصر وأمراؤها والأجانب أيضاً للعلاج، من تعرضه لعوامل الإهمال والتهميش من جانب الدولة بسبب ضعف الموارد المالية المخصصة له!!، واليوم يحتاج المستشفى القبطى، إلى دعم مؤسسات المجتمع المدنى وتكاتف الجمعيات الخيرية والأهلية وتبرعات رجال الأعمال، لتوفير ميزانية مالية للمساهمة فى تطويره، وسد احتياجاته، حتى يمكنه أن يستمر فى تقديم خدماته الطبية بشكل جيد، يتناسب مع تاريخ المستشفى العريق البالغ 111عاماً من العطاء الطبى. والذى لم يتغير كثيراً مبناه من الخارج منذ افتتاحه عام 1926 وحتى الآن. لكنه من الداخل تعرض للإهمال لفترات طويلة. 

(2 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع