تراث

ناس وأماكن..

المتحف الإثنوجرافي والمتحف العادى.. هناك فرق

المتاحف ذاكرة الشعوب، ومركز تجمع الأعمال والإنجازات العظيمة، فهى وسيلة هامة من وسائل الاتصال الثقافي بين الماضي والحاضر، حيث تحتفظ بأرقى ما توصل إليه الشعب وأعظم ما أبدعه عبر العصور، فضلاً عن أنها من الأماكن المٌفضلة لدى المثقفين والمفكرين وراغبي العلم والمعرفة على اختلاف مستوياتهم العلمية، ليقضوا فيها أوقاتا لإشباع رغباتهم ودوافعهم فى حب الاستزادة بالتراث الثقافي والحضاري والمعرفة التاريخية في سياقها وتسلسلها الفني والتراثي، لذلك تعتبر مكاناً رائعاً للترويح النفسي والإحساس بقيمة الإنسان وإعلاء القيم الفنية والجمالية التي يلاحظها الزائر من خلال زيارته للمتحف، حيث يكتسب معلومات تتسم بالواقعية الاثنوجرافية، وهي التي يكمن وراءها عناصر ثقافية لا مادية كالمعاني والدلالات التي تتمثل فى عناصره المادية.
 


ومن هنا يختلف المتحف الإثنوجرافي عن غيره من المتاحف الأخرى، لكونه يعتمد على التوثيق الأنثروبولوجي لمجتمع معين وثقافته فى زمن معين، حيث يهتم بجمع المواد الثقافية من بيئة معينة، لذلك نجده يعرض عناصر مختلفة من التراث الشعبي كأدوات العمل الزراعي (المحراث، وأدوات تمهيد الأرض، وأدوات الري والحصاد)، الأدوات والمعدات المنزلية (كأدوات طحن الحبوب، و الأفران، والمواقد، والأواني المنزلية)، الحرف والصناعات الشعبية (كصناعة الحصير، والفخار، والنسيج..إلخ)، وغيرها من الحلي والزينة والملابس الخاصة بالسيدات أو الرجال.
 


المتحف (الموقع والنشأة)..
يقع المتحف الإثنوجرافي بالطابق الأرضي داخل مبنى الجمعية الجغرافية المصرية التي أنشئت بأمر من الخديو إسماعيل باشا فى 19 مايو عام 1875، حيث انتقلت عدة مرات من مقرها الأصلي لتستقر فى النهاية بمقرها الحالي الذي يقع داخل مبنى تاريخي يحيط به سور يضم عدد من الأبنية السياسية والحكومية الفخمة التى توجد فى قلب القاهرة الكبرى، ومن بينها مقار مجلس الشعب والشورى، عدد من الوزارات كالري والشئون الاجتماعية والنقل وبعض دواوين محافظة القاهرة.
 


أما من حيث النشأة، فقد يعود تاريخه إلى عهد الخديو عباس الثاني الذي قام بافتتاحه فى 12 ديسمبر عام 1898، أى منذ ما يقرب من 120 عاماً حتى الآن، لذلك يٌعد هذا المتحف من أهم المتاحف الإثنوجرافية الفريدة فى الوطن العربي، حيث جاءت فكرته نظراً لوجود الكثير من المقتنيات الهامة التي تجمعت لدى هذه الجمعية منذ بداية نشأتها، بالإضافة إلى بعض المعروضات الأخرى التى أهديت إليها من قبل الجغرافيين المصريين والأجانب، وهى تلك المقتنيات والمعروضات التي تضم كل ما له علاقة بالمذاهب الدينية والخرافات والسحر والحياة العادية ومستلزماتها والزي والزينة والأسلحة الدفاعية والهجومية والآلات المستعملة في مختلف الحرف ونواحي الفن الشعبي من موسيقى ورسم ونحت وتطريز وفخار.
 


قاعات المتحف ومقتنياته..
يضم المتحف مجموعة من العناصر الثقافية التي كانت سائدة في مدينة القاهرة والريف وأفريقيا والسودان في الفترة ما بين أواخر القرن الثامن عشر وحتى أوائل القرن العشرين، وهى تلك العناصر المعبرة عن نماذج من الحياة الشعبية الإقليمية، ومن خلالها يستطيع الزائر إدراك حاضره والوعي به مما يكسبه القدرة على فهم المواقف الاجتماعية التي يعيشها فيتكيف معها ويجد الحلول الملائمة لها ثقافياً واجتماعياً، حيث اشتملت محتوياته على مجموعة نادرة من التحف التى أحضرتها البعثات المصرية أثناء رحلتها إلى منابع النيل، بالإضافة إلى مجموعة إثنوجرافية أخرى جلبت من السودان أهداها الفريق مختار باشا رئيس أركان حرب الجيش المصري - مجموعة تم التبرع بها من قبل الجغرافيين المصريين والأجانب تمثل الحياة اليومية فى السودان وهى عبارة عن أدوات وأسلحة حربية وصور، بالإضافة إلى ما تم شراؤه من القاهرة والريف - مجموعة أهدتها شركة قناة السويس عام 1930 للجمعية، وهي عبارة عن صور وخرائط ومجسمات توضح عملية حفر قناة السويس والمدن المطلة عليها.
 


يتكون المتحف من عدة قاعات، رتبت فيها التحف في مجموعات خاصة بكل بيئة، حيث اشتملت قاعة القاهرة على نماذج تمثل عادات وتقاليد سكانها، بالإضافة إلى الحرف والصناعات الشعبية التي كانت سائدة فى تلك الفترة، وتمثلت تلك المقتنيات في مجموعة الحلى والزينة وأزياء المرأة في المدن والقرى والصحراء (كالتلي، والسبلة، والحبرة، وبراقع بنت البلد، و الجلباب الفلاحي)، بالإضافة إلى ملابس الرجال ( كالجلباب، والسروال الواسع، والصديرى، وأغطية الرأس من اللبد والطواقي والعمامات والطرابيش)، كما توجد عدة كي لغطاء الرأس (وهى عبارة عن منضدة منخفضة مستطيلة مطعمة بالصدف ولها شاهدان مرتفعان كي الطرابيش واللبد والطواقي).
 


ولا تقتصر مقتنيات هذه القاعة على ذلك فحسب، بل تشمل أيضاً نماذج أخرى لتماثيل مجسمة لبعض الحرف والمهن الشعبية، كبائع العرقسوس والنقرزان بطبله ومراياه، والسقا، و القواس، وعازف الربابة، ومكوجي الرجل، وأدوات الجزارة، والحدادة، والخرط العربي، والتطعيم بالصدف، وعمل الأحذية، بالإضافة إلى حامل خشبي نصف دائرى وبه عدة مرايا كان يتجول بها الحلاق.
 


ومن الملفت للانتباه هو ذلك التختروان الرائع للعروس، وكسوة كاملة لجملين اللذين كانا يحملانه وكرسي كوشة العروس المطعم بالصدف - وصندوق العروس - عدة لوحات زيتية توضح زفة العروس وبعض العادات والتقاليد الأخرى مثل حفل السبوع والزار مراجيح الأطفال، وبجانب التختروان تستطيع أن تعود بالذاكرة الى موكب كان له شأن عظيم بالماضي، بالتحديد في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وهو عبارة عن موكب المحمل الذى كان ينقل كسوة الكعبة من دار الكسوة بحي الخرنفش بالجمالية إلى الحجاز، حيث يعرض المتحف نماذج أصلية لهذا المحمل الذى يتكون من محفة ذات قمة هرمية نقش على جوانبها آيات من القرآن ولها أربعة كرات نحاسية تحمل أهلة بداخلها نجوم على كل زاوية.
 


أما القاعة الثانية التى تٌعرف بقاعة الريف، فقد اشتملت على مقتنيات تعبر عن الحياة فى الريف والواحات، وهى تضم مجموعة من (الاسبتة الخوصية والمراجين - مجموعة من فناجين القهوة والأكواب والأطباق - مجموعة نادرة من الفخار الأحمر والعادي - نماذج لقلة السبوع - مجموعة من الجرار - موازين ومكاييل يدوية خشبية لوزن الجنيهات الذهبية - مجموعة قوالب ومناقيش كعك العيد - أدوات فلاحة - أدوات الخيل من الألجمة والركابات والقيود والرشمات).
 


وفى قاعة إفريقيا نجد مجموعة من خوذات ودروع ورماح وسيوف وأسلحة وأزياء حربية وطبول تقرع لإرسال الإشارات في الحروب - وآلات موسيقية جلبت من الحبشة - وصناعات خوصية - مجموعة من الأدوات المنزلية تشمل أطباق وأواني وصوانى لحمل الطعام - مجموعة أثاث واردة من عدة مناطق مثل (منجبيتو، وبارى، وماجنجو، والاوبانجي) وبعض مناطق السودان، حيث اشتملت على عدد من المقاعد المصنوعة من قطعة واحدة من الخشب، وثلاث سرائر من النوع السودانى المعروف بـ "العنجريب" أحدهم كان مملوكا للملك مونزا ملك منجبيتو- مجموعة من الملابس الثمينة الحريرية والقطنية المشغولة بالفضة والذهب مهداة من إمبراطور الحبشة هيلاسلاسي - مجموعة من سن الفيل الكبير وقرون الحيوانات إلى جانب مجموعة من العملات الإفريقية النحاسية والفضية والبرونزية.
 


وفى عام 1930 أهدت شركة قناة السويس لهذا المتحف مجموعة من الوثائق والصور والخرائط والمجسمات التي تلخص تاريخ القناة منذ افتتاحها عام 1869 وحتى عام 1930، حيث ضمت هذه القاعة ستة مجسمات تتمثل فى مقدمة باخرة تجتاز قناة السويس، وأخرى تمثل حفل الافتتاح (حيث أظهرت الإمبراطورة "أوجينى" وبجانبها "ديليسيبس" يشرح لها)، أما المجسمات الأخرى فهى تمثل الحياة فى مدن القناة فى ذلك الوقت - كما توجد مجموعة أخرى من الصور الملونة والرسوم البيانية وهى تسجل كل الاحتفالات التي أقيمت بمناسبة افتتاح القناة.
 


أهمية المتحف..
ساهم هذا المتحف بشكل مباشر فى الحفاظ على جميع العناصر الشعبية التي كانت مستخدمة فى الماضي، ليكون علامة بارزة على إنجازات المجتمع وإبداعاته، وأسلوب تفاعله مع البيئة الطبيعية المحيطة، وكيفية التعامل معها وتسخير مواردها لإشباع احتياجاته المتعددة، كما ساعد أيضاً على إمكانية عرضها وإتاحتها للأجيال القادمة، التى من خلالها نستطيع الكشف عن التغيرات والتطورات التي طرأت علي هذه العناصر سواء بالإضافة أو بالحذف، وذلك من خلال إلقاء الضوء على طبيعة الحياة الاجتماعية وما تحتويها من عادات وتقاليد شعبية كانت سائدة في المجتمع المصري في تلك الفترة، حيث إن هذه العناصر تٌعد جزءا لا يتجزأ من عناصر الثقافة المادية التى تعكس أساليب التنظيم الاجتماعي في نواح متعددة من الحياة الاجتماعية، كأدوات الطعام والشراب والملبس والزينة والزراعة.
 


وختاماً يمكننا القول إن السبيل إلى الاعتناء والمحافظة على هذا الإرث الثقافي بمثابة طاقة متجددة تشجع على المزيد من البحث والابتكار والاستمرارية في التحديث فى مجال حماية التراث المادي واللامادي، وذلك من خلال إحيائه والتعريف به وإبراز أهميته وقيمته الحضارية والتاريخية، واستثمار الوسائل التكنولوجية الحديثة للتعريف به ونشره وتوظيفه في خدمة الأهداف التنموية دون إغفال لما آلت إليه تجارب الدول الأخرى، مما يسهم ذلك في حفظ هذا التراث من خطر الضياع والاندثار ويدعم الذاتية الثقافية الاجتماعية للفرد التي يرتكز عليها الشعور بالانتماء إلى المجتمع، ففي ظل الحداثة والعولمة صارت الكثير من أشكال التعبير ومظاهر التراث الثقافي غير المادي مهددة بالاندثار، فنحن إذن بحاجة لاتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليه لكونه جزءاً لا يتجزأ من نسيج الثقافة الشعبية والهوية الوطنية. 
 


المراجع:
1- عثمان خيرت ـ المتحف الإثنوجرافي للجمعية الجغرافية المصرية - س2، ع8 (أكتوبر 1969) - ص 67 - 78.
2- هاني إبراهيم جابر. المتاحف الإثنوجرافية ودورها فى حفظ التراث الشعبي.- الفنون الشعبية.- ص 47.
3- حسن امقران ـ التراث المادي واللامادي والواحات- هسبريس 2015.
4- دليل المتحف الإثنوجرافي بالجمعية الجغرافية المصرية.
5- السيد حامد ـ المتحف الإثنوجرافي والذاتية الثقافية الاجتماعية: دراسة فى إنثروبولوجيا مصر- القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 2008.
 




















تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع