تراث

المأثورات الشعبية فى رسوم كتب الأطفال ومجلاتهم

مما لا شك فيه أن الطفل هو اللبنة الأولى التى تبنى عليها مقومات المجتمع، والركيزة التى يرتكز عليها دعاماته، وتعد السنوات الأولى فى حياته من أهم وأدق الفترات التى تؤثر فى بناء شخصيته، وإعداده للغد يجب أن يتم بشكل منظم ومدروس، فمن خلال ما نقدمه له من رعاية ثقافية وتنشئة اجتماعية سليمة وغرس القيم التربوية وتنمية الانتماء الوطنى، تتجسد ملامح شخصيتنا القومية وخصائص مجتمعنا المصرى.
يهتم كتاب (المأثورات الشعبية فى رسوم كتب الأطفال ومجلاتهم) للباحثة د. نيفين محمد خليل، والصادر حديثا فى سلسلة الثقافة الشعبية، التى تصدر عن الهيئة العامة المصرية للكتاب، بتأكيد دور الرسوم فى كتب ومجلات الأطفال فى التعبير عن المأثور الشعبى فى بناء شخصية الطفل، وتشكيل وجدانه من خلال الرسوم المقدمة له فى الكتب والمجلات، وفيه تحرص الباحثة على إبراز أهمية هذه الرسوم المستوحاة من المأثور الشعبى وتحليلها فى إطارها الجمالى والموضوعى من خلال الكشف عن المأثور الشعبى فى واقعه ومقارنته برؤية الفنان الدارس فى التعبير عنه فى رسومه بأشكال فنية جديدة تجمع بين أصالة القديم وجمالية الحديث فى صياغة تشكيلية تسعى إلى الارتقاء الثقافى بالطفل المصرى، وتنمية الحس الجمالى لديه ومحاولة الكشف عن أثر ذلك فى وجدان الطفل المصرى.
 
التأريخ لتطور فن الرسم..
قسمت الباحثة كتابها إلى أربعة أبواب، وكل باب قسمته إلى فصلين، وجاء الباب الأول تحت عنوان: (فن رسوم كتب الأطفال) وقسمته إلى فصلين، حمل الفصل الأول، عنوان: (فن الرسم وارتباطه بالمخطوطات)، وتعرضت فيه الباحثة إلى التأريخ لتطور فن الرسم فى مصر منذ العصور القديمة حتى العصر الإسلامى، تقول: "كان رجل ما قبل التاريخ يفتقد اللغة بالدرجة الأولى، وكان يعبر عن حاجاته بالرسم قبل استطاعته الكتابة بعدة آلاف من السنين، فالصورة المرسومة لا تحتاج إلى شرح أو تفسير، كما هو حال اللغة المنطوقة أو المكتوبة، وبذلك يكون الإنسان القديم أول من استعمل الرسوم فى التعبير عما بداخله من كوامن نفسية، فقد صور على جدران الكهوف ونقش وحفر وخط بأدواته الحجرية البدائية أشكالا متنوعة".
 
وجاء الفصل الثانى تحت عنوان: "رسوم كتب ومجلات الأطفال فى مصر"، وتتبعت بدايات رسوم كتب ومجلات الأطفال فى مدخل تأريخى لهذا الفن، منذ قدماء المصريين إلى أن حدث تطور فى النصف الثانى من القرن العشرين الذى جاء مواكبا فى البداية للنهضة العلمية التى بدأها رفاعة رافع الطهطاوى حينما عاد من فرنسا، مرورا بجهود مؤسسات دار المعارف، والأهرام، ودار الهلال، فى إصدار مطبوعات الأطفال، واهتمت بشكل كبير بفن رسوم الأطفال، ثم جاء دور كامل كيلانى رائد الكتابة للأطفال الذى استلهم معظم كتبه من كتاب ألف ليلة وليلة، وكتب التراث العربى، والأساطير وغيرها، وجميعها يحتفى بالموروث الشعبى.
 
تأكيد الطابع القومى..
أما الباب الثانى، فجاء تحت عنوان: "عناصر المأثورات الشعبية فى رسوم فنانى كتب ومجلات الأطفال فى مصر فى النصف الثانى من القرن العشرين"، وقسمته إلى فصلين، الأول، بعنوان: "العناصر والقيم التشكيلية والخصائص الجمالية فى الفن الشعبى وعلاقاتها برسوم كتب ومجلات الأطفال فى مصر"، تقول: "ولقد أدرك رسامو كتب الأطفال أهمية المأثورات الشعبية فى تأكيد الطابع القومى، وكمصدر يثرى رؤيتهم الجمالية، ووعى كل فنان دوره الثقافى والاجتماعى والحضارى، فأسهم بنشاطه العالى فى تلك المرحلة، وتمثل الاتجاهات الفنية والقيادات الكثيرة التى عايشها وعاصرها، واستخلص منها السمات المميزة فى التعبير عن مشاعره وحيويته ورؤاه وتطلعاته وبلورة اتجاهاته".
 
وجاء الفصل الثانى، ليرصد جهود الفنانين المصريين الذين لعبوا دورا فى الحركة الفنية لرسوم كتب ومجلات الأطفال، وسخروا جهودهم وموهبتهم الفنية وقدراتهم الإبداعية فى خدمة الطفل، أمثال: الحسين فوزى، حسين بيكار، بهجت عثمان، إيهاب شاكر، أحمد حجازى، حلمى التونى، مصطفى حسين، محى الدين اللباد، عادل البطراوى، علاء الدين سعد، وقدمت سيرهم الذاتية، وجهودهم فى هذا المجال، وتحليل لبعض رسوماتهم للأطفال من خلال استلهامهم عناصر الموروث الشعبى.
 
التراث العربى ومعطياته..
وفى الباب الثالث، قامت الباحثة فى الفصل الأول بتحليل عناصر الموروثات الشعبية فى رسوم كتب ومجلات الأطفال فى مصر، ومن خلال رسوم الفنانين المصريين السابق ذكرهم ، فتقول عن تحليل بعض رسوم الفنان إيهاب شاكر: "وقد وعى الفنان إيهاب شاكر بالتراث العربى ومعطياته، فظهرت رسوماته متأثرة بالفن الاسلامى، ويتضح ذلك من قصة "ابن سفروته يحكى حدوته"، وهى تصور ابن سفروتة بملابسه الشعبية المكونة من الجلباب البلدى والطاقية، جالسا أمام دكان فاكهة يشرب الشيشة، ساندا إحدى ذراعيه على طقطوقة، وبجانبه كوب من الشاى بينما يتطلع إليه مجموعة من الرجال فى دهشة وتساؤل، (هل ابن سفروتة من المريخ فعلا.. وجاء إلينا سائحا أم ماذا)". وهكذا قامت بتحليل بقية أعمال الفنانين المصريين.
 
وفى الفصل الثانى: صنفت عناصر المأثورات الشعبية المستخدمة فى رسوم كتب ومجلات الأطفال، بناء على "الوحدات الزخرفية الهندسية، والوحدات الزخرفية النباتية، الوحدات الزخرفية الشخصية، الوحدات الزخرفية الجمادية، الوحدات الزخرفية الكونية، الزخارف الكتابية" وأوردت تصنيفا لبعض أعمال الفنان الحسين فوزى مجلة "على بابا" التى تبرز دوره فى مجال رسوم الأطفال، وتبرز دوره فى إعادة الصيغة المحلية والهوية العربية إلى مجال صحافة الأطفال، ويمكن أن نطلق على رسومه فى مجلة على بابا فى تلك الفترة اسم مدرسة الكاريكاتير الواقعية أو الأكاديمية.
 
ومن التوصيات التى وردت فى آخر الباب الرابع من الكتاب: "وأخيرا نخلص من هذا إلى أن مرحلة الطفولة خطيرة فى بناء المجتمع، لذا يجب أن ينشأ الطفل على وعى بثقافة بلده وتقاليده وثقافته الشعبية، ولا نمده بالثقافة الأجنبية إلا فى صور موضوعية مدروسة من علماء وفنانين متخصصين فى ثقافة الطفل، فالتعرف على ثقافة الطفل وخبرات الغير لا يعنى بالضرورة نقلها مباشرة دون دراسة أو بحث، فمن واجب المتخصصين العمل على انتقاء الخبرات التى تتناسب مع ظروف مجتمعنا المصرى المعاصر".

(25 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع