تراث

سقت مصر الأديان بطابعها الفنان..

القيم المادية والروحية للحضارة المصرية القديمة

فى كتابه الأجمل "الشرق الفنان" يقول د. زكى نجيب محمود:
هذان عالم فلكى وفنان ينظران إلى السماء ونجومها فى ليلة شفافة صافية، فيقول الفلكى: لا تحسب أن هذا النجم اللامع الذى تراه الآن قائما حيث تراه، بل هو حزمة ضوئية غادرت مصدرها الأصلى منذ أمد طويل، وقطعت المسافة فى كذا عام حتى جاءت أخر الأمر لمعة من الضوء عابرة كما تراها.
وأما الفنان فلا شأن له بشىء من هذا كله، وما النجم عنده إلا هذا الكائن الحاضر المشهود، يملأ به عينيه، وتهتز له جوانحه، ففى النظرة العلمية تُرد الظاهرة إلى قانونها الذى يطويها طيا مع أخواتها، مستعينا فى ذلك بأسباب المنطق العقلى من استقراء وقياس، وأما عند النظرة الجمالية فلا تُرد الظاهرة إلى سواها، فهى عندئذ تكون المبدأ والمنتهى.
 


ولهذا كانت النظرة العلمية دائما بحاجة إلى تعليل، أما فى النظرة الفنية إلى الشىء فلا تعليل، وقد أراد الله للإنسان أن تكون له النظرتان معا، فبالنظرة العلمية إلى الأشياء ينتفع، وبالنظرة الفنية ينعم، إلا أن إحدى النظرتين قد تغلب على زيد، على حين تغلب الأخرى على عمرو، كذلك قد تسود إحداهما شعبا، وتسود الأخرى شعبا آخر، أو قد تشيع إحداهما فى عصر كما تشيع الأخرى فى عصر آخر.
 
فماذا عن مصر وحضارتها القديمة؟
وبادئ ذي بدء أحب أن الفت النظر إلى أن سائر الفنون المصرية القديمة كانت ذات طابع عملي مما يتفق وأداء الغرض منها، وإذا كانت البيئة المصرية القديمة كانت غنية بمواردها، فإن المصري القديم بث فيها من فكره وروحه، وأنها كانت بمثابة المادة الحاملة في تركيبة الدواء وتبقى المادة الفعالة:
 
هي روح وفكر المُبدع الأول..
وإذا كانت اللغة هي وعاء الفكر، فإن المادة حملت وحفظت لنا الاثنين معا. ويظهر في المعارف المصرية القديمة ما يدل على اتجاههم المادي العملي والذي ظهر جليا في العلوم الذي استخدموها في معاجلة ما كان يعرض في الحياة اليومية من مشاكل، فالحاجة أم الاختراع.
وكانت الحاجة إلى علم المساحة وليدة ما كان يحدثه النيل وفيضانه من تغيرات في الأرض الزراعية مع الرغبة في جباية الضرائب على أساس عادل، وقد أشار إلى ذلك "هيرودوت" في كتابه عن مصر، كما ترجع معرفتهم "نسبة محيط الدائرة إلى قطرها" إلى اضطرارهم لمعرفة سعة صوامع الغلال المستديرة؛ التي كانوا يخزنون فيها حبوبهم.
ويكفى أن أربعة من علماء الرياضيات "ارشيبالد، تشيس، مانج، بل" قد جمعوا 36 وثيقة أصلية من البرديات فى العلوم الرياضية (3500-1000ق.م) بها هندسة الأرض، وقوانين المثلثات، وهندسة السماء، وقوانين الدائرة، وأهمها قانون النسبة التقريبي، وفى مجال الطب يتجلى الطابع العملي للمصريين القدماء في تقدم علم التشريح، ولعل ما أصابوه فيه من تقدم يرجع إلى ما اكتسبوه من معلومات في إعداد جثث الموتى وتحنيطها وذبح الأضاحي من الحيوانات في طقوسهم الدينية والجنائزية، ويتجلى هذا الطابع أيضا في اهتمامهم بأمراض الحيوان لما كان لتربيتها عندهم من أهمية كبيرة.كما كانت قيمة الدواء تحدد عن طريق تجربته واثبات فاعليته. 
 
يقول د.وسيم السيسى: وفى مؤتمر للمركز القومى للبحوث بالاشتراك مع جامعة مانشستر بالقاهرة عن الصيدلة فى مصر القديمة، ألقيت بحثا عن العقاقير التى استخدمتها مصر القديمة فى أمراض المسالك البولية والذكورة، وقد طالبت فى هذا المؤتمر بتغيير اسم البلهارسيا Bilharzisis إلى Egyptiasis أى مرض مصرى؛لأن مصر اكتشفت مرض البلهارسيا قبل تيودور بلهارس بآلاف السنين، وأعطت اسما للمرض "عاع"، كما عرفت الدواء وهو الأنتيمون، وجعلته فى لبوسات شرجية بدلا من الحقن، لأن مصر لم تعرف الحقن فى هذا الزمن القديم. 
 


ولا تقتصر الناحية العملية المادية على صناعات المصريين وفنونهم وعلومهم، وإنما تتجلى أيضا في معتقداتهم الدينية؛ وهى تفيض بالتصورات المادية عن المعبودات وعلاقة بعضها ببعض، فأصبح بعض هذه المعبودات في أسرات تتألف من الأب والأم والابن، وفى هذا صدى لحياة الأسرة في المجتمع المصري القديم. تقول د.نعمات أحمد فؤاد: سقت مصر الأديان بطابعها الفنان، فتبدأ وتختم بالبياتى، والبياتى هو نغمة حناجرنا حتى الآن.
 
 
 
وليس معنى الطرح السابق أن المادية في الحياة المصرية القديمة كانت ذات طابع جاف سافر بعيد عن عالم الحس، وإن كان د.زكى نجيب محمود نفسه يأخذ على التصويرى المصرى القديم خلوه من دلائل الانفعال والعاطفة فى الشخوص المصورة، فقد ترى صورة لسيد يضرب خادمه، أو صورة لعامل يحمل الأثقال، دون أن ترتسم فى الصورة الأولى دلائل الغضب على وجه السيد ولا دلائل الألم عند الخادم المضروب، ودون أن ترتسم فى الصورة الثانية دلائل التعب فى ملامح العامل الذى ينوء بحمله الثقيل.
 
كذلك قد ترى صورة للملك رافعا عصاه على جمع من الأسرى والهدوء والسكينة باديتان على وجهه حتى كأنه يقدم لهؤلاء الأسرى باقة من الزهر!
فالعاطفة والانفعال فى التصوير المصرى لا يعبر عنهما بتغير فى الملامح، بل يعبر عنهما بوضع معين للجسم يصطلح عليه للدلالة على عاطفة معينة أو على انفعال معين، فوضع خاص للرجل وهو يتكلم، وأخر للرجل وهو نشوان، وثالث للرجل وهو سأمان أو حزين، وهلم جرا. 
وقد اهتم المصري القديم بالاستمتاع بما كانت تتيحه طبيعة بلادهم من جمال، وليس أدل على ذلك من مناظر الصيد والقنص على جدران المقابر والمعابد، وهى مناظر كثيرة ومتنوعة ولا تكاد تخلو مقبرة فرعونية منها على مر العصور، وكذا في صور الاحتفال بالأعياد والمآدب الفخمة بما تحتويه من مختلف أنواع الطعام والشراب وما يسودها من رقص وغناء وموسيقى.
 

 
وفى مباني المصريين وصورهم ونقوشهم وتماثيلهم ومصنوعاتهم ما ينم عن روح ترنو إلى الجمال والكمال والإتقان بل كثيرا ما تجاوز الفنان والصانع حد الفائدة العملية؛ كما يتجلى ذلك في تيجان الأساطين وفى ملاعق الدهون ومقابض المرايا وغيرها.
وفوق هذا اهتدى المصريون منذ وقت مبكر إلى معرفة العادات الاجتماعية الراقية والفضائل الأخلاقية السليمة، والتي تكشف عن مشاعر إنسانية نبيلة؛ تؤثر العطف والرحمة وُتنفر من حب الانتقام والأخذ بالثأر.
 وتتجلى هذه الأخلاق فيما حفظ لنا من نصائحهم وتعاليمهم، ويكفى هنا أن أشير إلى تحذير الكاتب المصري القديم "أمن إم أوبي" لكل صاحب قلم من أن يغمس قلمه فيما يضر، وما أحوجنا في هذه الأيام إلى العمل بتلك النصيحة الغالية.
 وفى ختام حديثي، هذا قليل من كثير، يكشف لنا أن المصري القديم على شدة تقيده بعالم المحسوسات وإيثاره الناحية المادية العملية في أفكاره وتصوراته وأعماله، لم يهمل الناحية المعنوية والروحية. 
 
وإذا رجعت إلى حضارة أى شعب أو أمة، وجدت أن الآثار والفن مواد التسجيل لمقياس مدى هذه الحضارة؛ فكأننا بدراستنا هذه نقصد الوصول إلى معرفة الوسائل التى بها نستطيع تكوين حضارة حقيقية ترجع فى جوهرها إلى معرفة نواحى الجمال الفنى، فضلا عن الاستمتاع واللذة نتيجة صدق التقدير.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع