تراث

شاهدة على تسلسل حضارة الفخار..

القلة.. ثلاجة الفقراء

"فن صناعة الفخار من الشواهد المميزة لحضارات الأمم؛ إذ يعبر عن مدى تقدمها وحضارتها، رغم أنها من أبسط أشكال الفن، لأن لها طبيعة بدائية، وكانت صناعة الفخار فى مصر منذ تواجد المصريين فى دلتا النيل، ويمكن تأريخ التسلسل الزمنى للحضارات الأكثر قدما من خلال الفخار.
 وأقدم أنواع الفخار كانت تصنع يدويا من الطين ثم تترك لتجف تحت الشمس، ثم كان الفخار يحرق ليصبح أكثر صلابة ومتانة ويعمر أطول، واخترعت عجلة الفخرانى فى الدولة القديمة وكانت قطعة الفخار تزخرف بأشكال حيوانية وهندسية ونباتية، ولم يكن الفخرانى يشغل آلته بواسطة قدمه، بل بيده اليسرى ويشكل الطين بيده اليمني.
وقد ظهرت صناعة الفخار منذ العصر الحجرى الحديث، وقد قدمت الفترة الخاصة بحضارة (نقادة) تشكيلة كبرى من الأوانى الفخارية، ومر الفخار بالعديد من التطورات حتى وصل لوقتنا هذا".(1)
 
تعتبر صناعة الفخار من أهم الحرف اليدوية التى عرفها الإنسان على مر العصور، فهى تعد من المهن الموروثة التى يرثها الأبناء عن الآباء، وقد لازمت منتجاته الحضارات المختلفة منذ أقدم العصور، مثل أوانى إعداد الطعام، والطواجن، والأطباق، والأكواب، والزهريات، والزير، والقلل، وبلاطات الفخار المطلية، لتصنع منها منضدة، وأحواض الزرع، ذات الأشكال والأحجام المختلفة، والفازة، وغيرها من منتجات الفخار التى نستخدمها ونستمتع بها فى حياتنا.
 


"إن المادة الأساسية التى يتشكل منها الفخار هى الطين ويرمز لها كميائيا "سليكات الألومينا المائية"، ويعتبر هذا الفن حرفة وصناعة عريقة ذات تقنية دقيقة فضلا عن اللمسات الجمالية فى أشكاله، ويشير الفيلسوف الإنجليزى (هربرت ريد) فى إحدى مقولاته إلى أهمية الفخار للوصول لثقافة متكاملة، حيث نبدأ بالتعرف على فلسفة الإناء الوعاء، ربما لأنهما حصيلة إنسانية أولى كانت ضرورة لمستلزمات الحياة ومتطلباتها"(2).
 
ومن أشهر تلك الأشكال الفخارية (القلة) التى كانت تنتشر فى القرى والمدن الصغرى والكبري، والتى شاهدناها كثيرا فى الأفلام المصرية القديمة، فجذبت انتباهنا لقدرتها على تبريد المياه فأصبحت ثلاجة الفقراء.
فكيف يتم صناعتها؟ وما المواد المستخدمة فى تلك الصناعة؟ وما هى المراحل التى تمر بها؟
هذا ما سنعرفه من القائمين على هذه الصناعة فى منطقة تعد من أشهر الأماكن إنتاجا لصناعة الفخار، وهى منطقة فواخير كفر محمد جاويش الموجودة بمحافظة الشرقية.
 


مراحل التصنيع
تمر صناعة القلة بخمس مراحل أساسية، حتى تصلنا فى شكلها النهائي، أول هذه المراحل، هي: إحضار المقاطير والجرارات المحملة بالتراب إلى الفاخورة، ونقلها على عربات صغيرة، وصبها فى حوض كبير مملوء بالماء، ويسمى ب"المبللة".
 
أما المرحلة الثانية تبدأ بنزول الحرفى إلى "المبللة" ويقوم بتقليب التراب فى الماء بيده، حتى يصير طينا لزج القوام، وهذه المرحلة تسمى (التخمير) ثم ينزع عيدان القش والورق والشوائب الطافية على سطح الماء، ويلقى بها خارج الحوض، وبعد ذلك يرفع هذا الطين اللزج ويصبه فى مصفاة كبيرة ذات ثقوب كثيرة، لفصل الحصوات والقش عن الطين، ووضعه فى "المسطاح" وهو عبارة عن مكان واسع بجوار "المبللة" ينخفض عن مستوى الأرض بمسافة 30 سم، ويقوم العامل بفرد الطين اللزج فيه، ويظل فى "المسطاح" مدة تتراوح من 7 إلى 8 أيام.
المرحلة الثالثة ويقوم بها حرفى آخر، بنقل الطين من "المسطاح" إلى المكان الذى يصنع فيه القلل ويسمى "الفاخورة" ويقوم بدهس الطين بقدمية حتى يصبح قوامه واحدا، ويمتزج الطين الناشف بالطين الطري، ويدمج جيدا حتى يصبح سمكه واحدا دون أى اختلاف، ثم يقوم بلفها على شكل عمود كبير من الطين جاهز للتصنيع. 
 
فى المرحلة الرابعة يقوم الحرفى باستلام هذا العمود وتقسيمه إلى قطع صغيرة يكورها ويرميها على الأرض، ويلتقطها مرة أخرى ويقول الحرفى إن هذا يساعد على إعدادها للعمل والتخلص من الماء الزائد، ثم تنقل قطع الطين وتوضع عند دولاب الفخار بعد أن تكون معده وجاهزة ومناسبة للتشكيل، فلا تكون جافة ولا يكون بها ماء زائد، ثم يقوم بعد ذلك بتشكيل القطع على "الدولاب" أو ما يطلق عليه الحرفيون العجلة، يحركه الحرفى الفنان برجله فتدار العجلة التى تلف ويشكل عليها الطين بأصابع يديه الاثنين ويستخدم لمسات أصابعه الفنية ليبنى الشكل حسب التصميم المطلوب منه على شكل قلة، أو أى شكل يرغب فى تصنيعه، وبعد الانتهاء من التصنيع يترك قليلا فى الهواء حتى يجف بعض الشىء ويكون مناسبا لعمل زخارف عليه (يجلد) ويقول الحرفى بعد أن تجف أقوم بتزينها باللون الأبيض "وهو عبارة عن سائل مكون من مسحوق سيبداج مذاب فى الماء" ووضع شريط دائرى حولها، وزخرفتها بالزخارف الإسلامية وأكثر وحداتها استخداما هى الوحدات الهندسية والنباتية، وهناك تصميمات فرعونية مثل زهرة اللوتس وبعض الزخارف والرسوم الفرعونية، وهناك زخارف شعبية أيضا مثل الكف والعين والنخلة والسمكة والحمامة والمثلثات والأشكال الهندسية البسيطة، وكل نقشة من هذه النقوش لها زبونها الخاص، وأستخدم فى عمل النقوش عدة أدوات منها البرجل وسن المنشار الحدادى وسن قلم وسلك ودفر مختلفة الأشكال، ثم أقوم أنا وزميلى برص القلل على الأرض وتركها تجف فى الشمس والهواء بضعة أيام قبل الحرق.
 


لمسات فنية
أما المرحلة الخامسة والأخيرة، يقوم الحرفى برص القلل والفازات وغيرها من أوانى الفخار الأخري، داخل الفرن استعدادا لحرقها، والأفران المستخدمة فى المنطقة كما يقول الحرفى هى الأفران البلدى وهى مبنية من الطوب الطفلى وطمى النيل، ومنها الحجم الكبير المبنى من الداخل على شكل قبو ومنها الأفران ذات الحجم الصغير، والحرق يتم بغلق الفرن على القلل، ثم يتم التدخين تحتها لمدة خمسة أيام، وذلك لخفض نسبة الرطوبة فى الفخار، ثم بعد ذلك نقوم بالحرق فى الفرن أسفل الفخار لمدة ثمانى ساعات متواصلة، ويشعل الفرن بالخشب وفروع الأشجار والنشارة وهى خامات تأتى من بواقى ورش الخشب، وبعدها يخرج الفخار (القلل) بشكلها الذى اعتدنا رؤيته، ويضيف الحرفى قائلا بعد الحرق تخرج من الفرن ويتم ترميم أى شروخ بالقلل، ثم سنفرتها وتنعيم سطحها وإزالة الزوائد من السطح، ثم أقوم بتلوينها عن طريق الأكاسيد الملونة، والتلوين يعطى القلة قيمة فنية أكثر وشكلا أروع، وبعد تمام عملية التلوين تترك فى الهواء لتجف، ويضاف إليها طلاء بمادة ملمعة ومثبتة وشفافة لتثبيت وتلميع الألوان على الأشكال الفنية، ثم يتم عرضها للزبائن.
ثم بعد ذلك يتم بيعه لتجار الجملة الذين يأتون من جميع أنحاء المحافظة لشرائها وبيعها للمستهلك.
 
مراجع:
(1)أ. نهى نبيل فهمي- دراسة الفخار فى منطقة مصر القديمة- الحرف التقليدية .. رؤية مستقبلية –مجموعة باحثين- السويس مايو 2014- هيئة قصور الثقافة- ص101
(2)نفس المرجع السابق- ص103 
 

(18 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع