تراث

ناس وأماكن..

"القاهرة الخديوية" عمارات باريسية متعددة الجنسيات

شارع عماد الدين 1928

لو تصادف ومررت مترجلا فى شوارع وسط القاهرة الخديوية بدءا من ميدان التحرير مرورا بمنطقة باب اللوق وصولا إلى ميدان العتبة ستجد نفسك محاطا بعمارة متعددة الجنسيات، عمارات ومبان بطرز فرنسية وإنجليزية ويونانية وإيطالية، وأما إذا دققت النظر فقد ينتابك شعور أنك فى باريس ولكن باريس الشرق، فسيخطف بصرك اللون الأخضر الفزدقى للطوب المبنى به عمارة مطلة على ميدان عبد المنعم رياض أو اللون الطوبى لعمارات شارع عبد الخالق ثروت أو عمارة عمر أفندى بشارع عبد العزيز أو شكل الكرة الأرضية يحملها أربعة من الرجال فوق قبة تيرنج بعمارة ميدان العتبة. 


نموذج من عمارات القاهرة الخديوية

هى حكاية مدينة تاريخية كان عدد سكانها لايتعدى الـ300 ألف نسمة، ورغم أنها الآن تقارب تعدادها العشرين مليون نسمة، إلا أنه مازال الطابع الأوروبى يغلب على مبانيها خاصة فى منطقة شوارع وسط القاهرة.
فما هى قصة هذه العمارات وطرزها الأجنبية المختلفة.. في زيارة الخديو إسماعيل لباريس عام 1867 لحضور المعرض العالمي، طلب الخديوي إسماعيل شخصيًا من الإمبراطور نابليون الثالث أن يقوم المخطط الفرنسي «هاوسمان» الذي قام بتخطيط باريس بتخطيط القاهرة الخديوية.
والذى حولها إلى تحفة حضارية تنافس أجمل مدن العالم، ليطلق عليها كتاب الغرب حينذاك «باريس الشرق»، وفى عام 2009، أطلقت وزارة الثقافة المصرية المشروع الثقافي المشترك مع إسبانيا لتطوير القاهرة الخديوية أو قاهرة الخديو إسماعيل، الذي حكم مصر من العام 1863 حتى العام 1879، وأراد أن يجعل من المدينة قطعة من أوروبا.


عمارة عمر أفندى

وتم تنفيذ المشروع بالاستفادة من تجربة إسبانيا في الحفاظ على الأبنية التاريخية، وذلك للحفاظ على المباني ذات الطابع المميز وسط العاصمة المصرية، والتي تشكل مثلثا رأسه ميدان التحرير وقاعدته ميدانا الأوبرا ورمسيس وما يتفرع منهما من شوارع، تضم بنايات جميلة يبلغ عددها 421 بناية داخل مساحة لا تقل عن 700 فدان، يعود تاريخ بنائها إلى النصف الثاني للقرن الـ 19، والعقدين الأولين للقرن الـ 20، وتجمع بين طرازي الكلاسيكية وعصر النهضة وأغلب هذه الأبنية صممت على طراز النيو باروك، الذى ظهر فى القرن الثامن عشر بفرنسا، وتميز بإضفاء الضخامة على المبانى والإيهام بالمساحات الكبيرة لها، كما سمح بتأكيد أركان المبانى على الشكل المستدير الذى ينتهى بقبة.. ومن أشهر هذه القباب قبة تيرنج بميدان العتبة وبه تقع عمارة «تيرنج» والتى صممها المعمارى اليهودى النمساوى «أوسكار هوروفيتس» أوائل القرن العشرين، وتعود ملكيتها إلى الثرى اليهودى «فيكتور تيرنج»، المولود فى إسطنبول، والذى كان يطمح أن يحاكى فى عمارته فنادق «سيزار ريتز» التجارية فى أوروبا، وقد وقع اختياره على منطقة العتبة الخضراء، كونها تربط بين القاهرة القديمة والجديدة لتصبح «تيرنج» بذلك من أكبر المتاجر متعددة الطوابق بالقاهرة فى ذلك الوقت.

أراد «تيرنج» تمييز مبناه فأمر بتصميم الكرة الأرضية التى تحملها أربعة تماثيل أعلى قبة المبنى، وكانت تلك الكرة تظهر لامعة براقة فى الليل. وبالنظر إلى منطقة وسط البلد بالقاهرة فقد تركز بها عدد لا بأس به من أفراد الجالية اليونانية وبنوا عقاراتهم الخاصة في شوارع مختلفة منها؛ شامبليون وشريف وميدان الإسماعيلية. ميدان التحرير حاليا، حيث أضفوا عليها الشكل المميز للعمارة في اليونان، أعمدة في داخل البناء وخارجه، وجسم العمود المستدير وتاجه المربع البسيط، والأروقة المعمدة، إضافة إلى الكبائن المغلقة من الزجاج الكريستال.



وكان من عادة اليونانيين أنهم إذا ما حلوا بمدينة أنشأوا فيها كنيسة ومدرسة، ومن ثم كانوا يجمعون المال من بعضهم لإنشاء كنيسة ومدرسة لهم ولم يكن الغرض منها قيام التعليم اليوناني أو نشر مذهب معين، بل كان هدفهم تعليم اليونانيين اللغة اليونانية والاحتفاظ بثقافة وعادات بلادهم، ومن بين تلك الكنائس، الكنيسة التي بنوها بمنطقة وسط البلد وهي الكنيسة اليونانية بمنطقة الإسعاف، التي وُضع حجر الأساس لها عام 1906، واكتمل البناء عام 1914 ...و الطراز الكلاسيكي وطراز الأرديكور والطراز القوطي، حتى المهندسين الإيطاليين والبلجيكيين والبريطانيين كانوا يعمدون في رؤاهم المعمارية إلى الذوق الفرنسي الذي كان مطلبا مصريا بالأساس، ولا نزال نرى ليس تصميم العمائر والزخارف والأعمدة فقط بل والأبواب الخشبية والحديد المشغول والبرامق والقباب في العديد من العمارات خاصة.
أعمال لاشياك الفرنسي مصمم البنايات الخديوية بشارع عماد الدين وقصر الأمير سعيد حليم بشارع شامبليون والمهندس كاستامان مصمم بناية ميدان طلعت حرب التي تضم مطعماً ومقهى جروبي الشهير والنادي اليوناني، والمهندس مارسيل مصمم النادي الدبلوماسي، والمهندس ماتاسك مصمم المعبد اليهودي «شعار هاشاميم» بشارع عدلي أكبر وأفخر المعابد اليهودية في مصر.. والمهندس ماريو روسي مصمم جامع عمر مكرم بميدان التحرير. أما المتحف المصري الذي أنشئ عام (1902م) يمثل دليلا وأثرا واضحا على ولع المصريين وانجذابهم للعمارة الفرنسية فطرازه المعماري الذي فاز من بين 73 تصميما، وضعه المهندس الفرنسي «مارسيل دورنون» وشيده على طراز العمارة الكلاسيكية اليونانية الرومانية، وليس على هيئة المعابد المصرية أو متأثرا بالحضارة المصرية القديمة، فهو لا يحوي أي تأثيرات للفن المصري القديم إلا في تصميم حجراته أو قاعاته الداخلية؛ فمدخل القاعات يحاكي ضريح المعابد المصرية، والحجرات تحاكي معبد أدفو.


المتحف المصرى

أما واجهة المتحف فهي على الطراز الفرنسي بعقود دائرية، تزينها لوحات رخامية لأهم وأشهر علماء الآثار في العالم، وعلى جانبي باب الدخول الخشبي تمثالان كبيران من الحصى لسيدتين على الطراز الروماني، ولكن برؤوس فرعونية.. إذن فهذا المتحف فرنسيا من الخارج فرعونيا من الداخل.. ومن مباني القاهرة الخديوية الفرنسية منطقتا الألفي والبورصة في وسط البلد، على اعتبار أنهما من أبرز المناطق ذات القيمة المعمارية، وتضمان 35 بناية بديعة الجمال، كبيرة القيمة.. كبنايات المصرف المركزي والبورصة وفندق «الكوزموبوليتان» ودار الإذاعة المصرية القديمة، وهي بنايات تنتمي إلى طرز «الروكوكو والباروك والآرت ديكو».. وكذلك المباني ذات الطابع المعماري الفرنسي التي يضمها حي الموسكي و مبنى إدارة الدفاع المدني ولحريق «المطافئ سابقا» ومبنى هيئة البريد ومبنى قسم شرطة الموسكي. كذا مبنى مديرية الشئون الصحية لمحافظة القاهرة والذي كان مقرا لصندوق الدين الذي فرضته أوروبا على الخديوي ليراقب الأنفاق المصري آنذاك وأيضا تياترو الخديوي (المسرح القومي الآن) كما كانت دار الأوبرا المصرية والتي احترقت عام 1968 م ومقر المحكمة المختلطة خلف الأوبرا والتي أزيلت أيضا عند إنشاء جراج الأوبرا. وإلى جوار عمائر الخديوية المميزة العمارة التي تعلو محل جروبي في ميدان سليمان باشا، والتي شيدت في أوائل القرن التاسع عشر وهي عمارة كلاسيكية بديعة.. بشرفاتها الواسعة المميزة وأعمدتها الشامخة الجميلة.


المعبد اليهودى

ولاننسي ممر بهلر بطابعه المميز والذي يضم البواكي ذات الطابع الكلاسيكي المعروف والذي يشبه ممرات روما وباريس إلى حد كبير، وهناك بنك مصر بطابعه العربي الذي بناه طلعت حرب، والكنائس المشيدة في شارع عماد الدين، وهي تمت إلى «عصر الكورينسيان» الكلاسيكي القديم، وكذلك العمائر التي شيدت بالطوب الرملي في شارع عماد الدين، وميدان طلعت حرب الذي بني على طراز أرنوفو. ويعد شارع سليمان باشا الجميل بواجهات عمائره الأمامية المنتظمة والمتناسقة والموتيفات المرسومة والإطارات التي تميزها نتوءات أو بروزات تحمل طابع «الروكوكو» الأوروبي من أجمل شوارع وسط القاهرة.. اما المزج بين طرازي «الباروك» و«الملكة فيكتوريا» أهم ما تميزت به عمارة بنك أبوظبي التي تحمل رقم٢٢ شارع قصر النيل، التي تطل علي ميدان طلعت حرب وشارعي طلعت حرب وقصر النيل، وفيها مزج المعماري الفرنسي «ليو نافيليان» عام ١٩٣٤ بين الطرز الفرنسية المختلفة مثل الباروك وفيكتوريا اللذين يعتمدان علي استخدام الحديد لعمل زخارف، خاصة بشرفاتها التي تطل علي ميدان طلعت حرب، والتي تعد هي الأكبر مساحة بخلاف الشرفات الأخري، كما يعلو العمارة عدة أبراج لتؤكد الإيحاء بعمارات باريس. أما العمارة رقم ٣ ميدان مصطفي كامل يكسو جدرانها اللون الأحمر الذي يضفي عليها بريقا خاصا جعلها تحتفظ باللون حتي وقتنا هذا، فقد كانت تسمي «نادي ريسوتو» وهي لم تكن عمارة سكنية فقط، وإنما طوابقها الثلاثة جعلت منها ناديا لبعض الفرنسيين الذين ساهموا في بنائها بالطراز الفرنسي الانجليزي، اعتمد تصميمها علي محاكاة القصور الفرنسية خاصة أعمدة الجرانيت التي تتوسط شرفاتها الواسعة. عمارة دافيد براين واحدة من أعرق عمارات وسط البلد وتم بناؤها عام 1911 على يد المعمارى الإنجليزى الشهير«ار. وليامز» وتقع على مساحة 1958 مترا مربعا وتحوى 7 طوابق ويعلوها 8 أبراج مدرجة.. تقبع في شارع عماد الدين وتطل على ثلاثة شوارع شهيرة، وهى عبدالخالق ثروت وعدلى ومحمد فريد.

و قد لا يعرف الكثيرون أن طراز بناء العمارة يتميز بالتدفئة عن طريق استخدام الطوب الرملى المضاد للحرائق، وهى السمة التى اتبعتها مبانى القاهرة فى عصر الخديو عباس حلمى الثانى.. وبعد استعراض بعض طرز بنايات وسط القاهرة نستعرض الآن أهم المعماريين الأجانب الذين ساهموا فى هذه الملحمة المعمارية الرائعة:
أنطونيو لاشياك، وهو معماري نمساوي تميزت تصميماته المعمارية بالطابع الكلاسيكي الذي جمع بين العمارة المحلية والأوربية، ومن أعماله بنك مصر في سنة 1927 بشارع محمد فريد، وأنشئ العمارات الخديوية عام 1911م بشارع عماد الدين، ومبنى نادي ريسوتو عام 1829م بميدان مصطفى كامل، والعمارة رقم 11 بشارع الشريين عام 1910م ورقم 12 شارع علوى، ونادي الأمراء بشارع نجيب الريحاني رقم 9 عام 1928م، كما أعاد تصميم قصر عابدين بعد احتراقه والذي كان مبنيًا قبل ترميمه بالخشب.
أوسكار هوروفيتس، معماري يهودي نمساوي، درس العمارة في النمسا وجاء إلى القاهرة في الفترة من 1913 إلى 1915 صمم خلالها المبنى التجاري لعمارة “تيرنج” بميدان العتبة لصالح النمساوى فيكتور تيرينج على طراز النيو باروك والذي يعد تحفة معمارية من حيث القباب والكرة الأرضية التي تعلو قبته وكانت تظهر لامعه براقة في المساء، والذي كان يعد من أول المباني التجارية العملاقة في القاهرة، والتي كانت تذخر بالمحلات التجارية لبيع الأزياء والعطور الفرنسية والقماش الإنجليزي والمنسوجات النمساوية والأدوات المنزلية الألمانية والتي كانت تنافس محلات لندن وباريس، ومنها محلات هورنستينز، وفيتيل، وليبتون، وكانت تنافس منافسيها في مصر شيكوريل وصيدناوي وعمر أفندي.


عمارة صيدناوى

إدوارد ماتساك معماري نمساوي، قدم إلى القاهرة وفتح مكتب له مع موريس قطاوي "رئيس الطائفة اليهودية في مصر آنذاك" ومن أعماله في القاهرة المعبد اليهودي بشارع عدلي، والمبنى يتميز في عمارته بطراز الفن الجديد، ومزج في تصميمه بين فنون التصميم الفرعوني والعثماني. 
الكسندر مارسيل، ولد عام 1928 ودرس العمارة بفرنسا، وكان هو و ارنست جاسبر المصممين لمعظم مبانى هليوبوليس الأصلية في 1907-1914، ومن أبرز أعماله قصر البارون إمبان، وكاتدرائية البازيليك بمصر الجديدة، ونادي محمد علي عند تقاطع شارع طلعت حرب باشا مع شارع عبد السلام عارف والذي أنشئ عام 1910م.
أرنولد زارب جاء من مالطة إلى القاهرة، بنى محطة السكة الحديد في مصر، وبنى العمارة التجارية / السكنية في 23شارع عبد الخالق ثروت وتقاطع شارع محمد فريد عام 1939 لصالح شركة جنرال دي تريستا 1939، وهي العمارة التي تميزت بالحداثة في طرازها المعماري والذي استطاع به منافسة المعماريين الإيطاليين في مصر.


مبنى السكة الحديد

جوزبى ماتسا معماري إيطالي من أعماله المميزة مبنى صيدناوي سليمان باشا عام 1925م، بشارع قصر النيل والمطل على كل من ميدان طلعت حرب وشارع محمد صبري أبو علم، وهو مبنى غني بالتفاصيل المعمارية والزخارف، وطرازه المعماري أرت ديكو، ويحظى المبنى بأكبر عدد من الشرفات والواجهات حيث تصل ل14 شرفة في الطابق الواحد مما يتيح لساكنيها رؤية الميدان من كل زاوية وناحية.
روبرت ويليامز هو المعماري الذي بنى عمارة الشوربجي أو “سان ديفيز” عام 1930، وعنوانها 16 شارع عدلي باشا، وتطل على شارع محمد بك فريد وشارع عبد الخالق ثروت باشا، لصالح أربعة أشقاء من عائلة برايان ديفز جاؤوا إلى مصر وبنوا تلك العمارة وحولوا الدور الأول منها لمجموعة محلات تجارية في بداية القرن العشرين، وهي من الأعمال المعمارية شديدة التفرد والتي تعد من العلامات المميزة بمنطقة وسط القاهرة للونها الأحمر، على الطراز الإكلكتيكى (Eclectic) والذى يحمل فى مضمونه مجموعة من التأثيرات لطرز معمارية مختلفة.
ماريو روسى معماري إيطالي، ومن أبز المعماريين الذي أضفوا بصماتهم على العمارة خاصة الإسلامية ولكن بروح إيطالية، وقد كانت إسهاماته العديدة في بناء المساجد سواء في القاهرة أو الإسكندرية أبرز دليل، وكانت البداية مع مسجد سيدي أبو العباس بالإسكندرية والذي جاء مشابهًا لمسجد قبة الصخرة في القدس، ثم إنشائه لمسجد القائد إبراهيم في محطة الرمل بالإسكندرية والذي جمع بين الطراز المملوكي والعمارة الأندلسية، لينتقل بعدها إلى القاهرة ويصبح كبير مهندسي وزارة الأوقاف خلال السنوات 1920_ 1950م، بالإضافة إلى مشاركته في بناء العديد من الجوامع الشهيرة منها جامع عمر مكرم بميدان التحرير ذو الستائر بالزخارف العربية مع حرصه على استخدام فن الأرابيسك المصري، وجامع صلاح الدين عند مدخل كوبري الجامعة، واندمج روسي مع المجتمع المصري واعتنق الإسلام وترك عدد كبير من تلاميذه الذين شيدوا مساجد بروح تصميمات روسي.

 

(6 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع