تراث

صناعة يدوية من الحرير والأعشاب وقشور الفواكه..

الفركة.. زينة العروس

عندما سألت عددا من النسوة في قرية الخطّارة التابعة لمركز نقادة عن أماكن صناعة "الفِرْكة"، قالت إحداهن إن الأنوال ما زالت موجودة عند المسيحيين. ولما سألتها أين أجد المسيحيين هؤلاء، قالت: عند الجامع. المرأة، التي لاحظت دهشتي من إجابتها، أوضحت بابتسامة فطنة أنهم في نقادة لا يعانون مشكلات طائفية، قالت: كلنا بنعيش مع بعضنا وما فيش بيننا أي مشاكل.



 منذ سنوات قليلة كانت صناعات الفركة وحصير السعف والكليم والنسيج صناعات رائجة بين أهل نقادة، لم يكد يخلو بيت من نول لصناعة النسيج، ومغازل لفرز حرير القز الذي كانوا يصنعونه محليا. غير أن الحال تغير بشكل كبير الآن، وانحصرت الأنوال في عدد قليل من البيوت، التي تمسك أهلها بالصناعة بما لها من دلالات ثقافية لدى البعض، ومكانة دينية لدى البعض، وبخاصة مسيحيو السودان الذين كانت صادرات الفركة إليهم من أهم المنتجات النسيجية من مصر. 



والفركة هي نسيج من الحرير أحد شروط صناعته أن ينتج بمغازل وأنوال يدوية، باستخدام حرير طبيعي يتم إنتاجه من دود القز الذي يربيه أهل نقادة، ويغذونه على أوراق التوت المنتشرة في قراها.

 وهو نسيج يتميز بألوانه الصريحة، بما يلائم الهوى الأفريقي في الألوان، وتتعدد تلويناته بين النسيج المقلّم، والأنسجة ذات اللون الواحد. أما الأنوال المستخدمة فهي متعددة بين النول اليدوي ذي "المكّوك" الواحد، وهو نول ينتج قطع نسيج ذات لون واحد، والنول ذي المكوكات الأربعة، الذي يستخدم في إضافة رسوم بسيطة بألوان مختلفة على قطعة النسيج، تتنوع بين الأشكال الهندسية والأهرامات، وإن كانت تلك الرسومات حديثة نسبيا.



يقول أشرف يوسف، المشرف على مشروع جماعي لتسويق الفركة مع عدد من الأسر إن ثوب "الفركة" أو "القرمصيص" من أهم أثواب زينة العروس السودانية في ليلة الدخلة، حيث لا يكاد يخلو منها عرس سوداني تقليدي. و"الفركة" هي ثوب من القماش الأحمر به العديد من تشكيلات الألوان الزاهية ترتديه العروس في هذه الليلة تحت "الرحط"، وهو مجموعة من خيوط الحرير الحمراء اللامعة توضع في شكل حزام على خاصرة العروس، حيث تشكل "الفركة" و"الرحط" أهم زينة للعروس في ليلة دخلتها.



ويرجع أصل الفركة إلى العصر الفرعوني القديم حيث وجدت في بعض المقابر الفرعونية أنسجة مصبوغة ومنسوجة بالصورة التي تظهر عليها الفركة اليوم. ويلفت أشرف إلى إن الصناعة بدأت في الاندثار شيئا فشيئا مع خروج الكثير من أهل القرية للعمل في دول الخليج، ومع قلة الطلب على هذا النسيج، الأمر الذي دفعه وعددا من الأسر لمحاولة تطوير الصناعة، وتنويع خاماتها ورسوماتها بما يتناسب مع رغبة أصحاب البازارات في الأقصر، الذين يبيعونها بدورهم إلى "الخواجات" هناك.  أما التلوين والصبغ فقد انتقل أيضا إلى استخدام الخامات الكيميائية، بعد أن كان صبغ الغزل يتم قديما بالخامات الطبيعية: بالأصباغ، والأعشاب، وقشور الفواكه، والنيلة.



تقول أم سند، التي استقبلتنا وهي تعمل على نولها في صحن الدار: بدأنا نستخدم خامات جديدة، منها الصوف والغزل الجاهز وغيرها، كما بدأنا في استخدام الأصباغ الصناعية، بعد أن أصبحت تكلفة قطعة النسيج من الحرير الخالص كبيرة، والطلب عليها أقل من السابق.

كانت أم سند تواصل إنتاج قطعة جديدة من النسيج، بينما جلست آمال في مدخل البيت تغزل خيوطا حريرية من ذات اللون، قالت عنها أم سند: ما زال البعض يصرون على أن تتم صناعة النسيج بالطريقة القديمة، لكنهم يتحملون التكلفة العالية للقطعة، وما زلنا نحاول توريث أبنائنا مهارات الصناعة في مختلف مراحلها.



مع وصول أبو سند، بملامحه السمراء وعروقه المشدودة، قدمه أشرف إلينا مشيرا إلى أنه يعمل على نول ذي أربعة مكوكات، وأخبرنا أن الطلب على النسيج متعدد الألوان أكبر من قبل الأجانب، حيث تعجبهم الرسومات البدائية التي يقومون بتصميمها بشكل جماعي وبإشراف أشرف (مسئول التسويق)، الذي دعانا لزيارة المخزن حيث قطع متنوعة ومن خامات متعددة معدة للتسويق في الأقصر. 



وقال أبو سند: قديما كانت تأتينا زيارات من السودان لشراء النسيج، وكانت البيوت حولنا كلها تعمل في هذه الصناعة التي ورثناها أبا عن جد. بل لم تكن دخلة العروس السودانية تتم أحيانا قبل أن يحضر عريسها ثوبا من الفركة ترتديه في يوم الزفاف. وقالت أم سند: كان هناك حصير أيضا، لكنه اختفى مع الحصير البلاستيك الذي يشترونه جاهزا من المدينة، وكنا نصنع الحَبَرة والحرام الصوف، وهي من أثواب المرأة الصعيدية في الشتاء، غير أن كل هذه الصناعات بدأت في الانقراض.



ويرجع اسم نقادة إلى اسمها القبطي (ني كاداي) وهي كلمة تعنى "الفهم أو المعرفة"، وقيل أيضا إنها مشتقة من اسم نجادة وتعني النجدة والإنقاذ حيث كان القدماء المصريون يستغلونها في موسم فيضان النيل في دفن أمتعتهم، ثم حُرِّف اسمها بعد ذلك من "نجادة" الي "نقادة".

 وتقع نقادة في محافظة قنا، على بعد 31 كيلومترا جنوب قنا، و25 كيلومترا شمال الأقصر، تحفها أشجار النخيل على الجانبين، وهي مهد حضارات نقادة الأولى والثانية والثالثة، في عصور ما قبل الأسرات المصرية القديمة (4500-3500 ق.م)، واشتهرت بكونها وحدة حضارية متجانسة شهدت بدايات الفنون المصرية القديمة في الفخار والخزف وتشكيل النحاس، وهي الحضارات التي تلت حضارة البداري مباشرة، وتعرض بعض آثارها الآن في متحف اللوفر بباريس ومتحف برلين بالعاصمة الألمانية.

















 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع