تراث

الفاطميون وبواكير العادات والطقوس الرمضانية عند المصريين

عزة كامل
 
عندما أسس القائد جوهر الصقلى مدينة القاهرة، رأى أن يبنى جامعا يكون رمز السيادة للدعوة الفاطمية، فشرع فى بناء جامع الأزهر فى اليوم الرابع من شهر رمضان 359 هجرية (970م)، ووصل مولاه المعز لدين الله فى اليوم السابع من شهر رمضان362هجرية، وقد زينت له مدينة الفسطاط بالقناديل والفوانيس ولم يشقها ودخل إلى القاهرة بجميع أولاده وأخواته وأعمامه وأحضر معه رفات آبائه (عبيدالله المهدى، والقائم، والمنصور).

 
كان شهر رمضان من أهم المواسم الدينية ومظاهر الحياة الاجتماعية التى يحتفل بها الفاطميون، فإذا بقى لشهر رمضان ثلاثة أيام طاف القضاة على المشاهد والمساجد بالقاهرة فيبدأن بجوامع القاهرة، ثم بالمشاهد ثم بالقرافة، ثم بجامع مصر لنظر أحواله وقناديله وعمارته وإزالة شعثه، وكان الجامع يجهز لاستقبال الخليفة بإطلاق البخور فيه وإغلاق أبوابه ووقوف الحُجاب عليها، ولا يُمكن لأحد دخول باب الجامع إلا من كان معروفا من الخواص والعيان، كما تضرب سلسلة فى ركن الجامع لمنع مرور أحد من هناك، ولا تحط هذه السلسلة إلا عندما يصل الخليفة للصلاة.
وكان فى أول شهر رمضان يرسل لجميع الأمراء وغيرهم من أرباب الرتب والخدم لكل واحد من أولاده ونسائه طبق حلوى وبوسطه صرة من ذهب فيعم ذلك على سائر أهل الدولة، ويقال لذلك غرة رمضان، ويحتفل أول يوم منه بركوب الخليفة من القصر الشرقى الكبير ويصحبه وزيره، وحوله حرسه الخاص، فيخترق موكبه شوارع القاهرة ومصر حتى جامع عمرو بن العاص الذى كان يعرف بالجامع العتيق، فإذا وصل إلى بابه وجد الخطيب فى انتظاره، وبيده المصحف المنسوب خطه إلى على بن أبى طالب، فيتناوله الخليفة ويقبله عدة مرات، ثم يأمر بتوزيع بعض المنح المالية على خطيب المسجد ومؤذنيه وإذا ما انتهى الخليفة من أداء الصلاة بالمسجد، استأنف سيره إلى دار الملك.


 
بعد انقضاء ركوب أول شهر رمضان يستريح الخليفة فى أول جمعة، ويركب فى الجمع الثلاث من رمضان إلى جوامع الحاكم بأمر الله، والأزهر وعمرو بن العاص على التوالى لصلاة الجمعة، ويرتدى الخليفة فى هذه الأيام الثياب الحرير البيض توقيرا للصلاة من الذهب، والمنديل والطيلسان المقور الشعرى ويحمل قضيب الملك بيده، ويصل إلى الجامع فى موكب حافل يحف به بعض الأشراف وعدد كبير من حرسه الخاص، ويتبع هؤلاء جم غفير من الناس، وتكون الدكاكين التى يمر عليها مزينة بأوانى الذهب والفضة، ويدخل الخليفة المسجد يحيط به قراء الحضرة الذين كانوا يصحبونه من القصر وهم يرفعون أصواتهم بتلاوة القرآن بنغمات شجية، فإذا أذن بالجمعة دخل إليه قاضى القضاة فيقول له "السلام على أمير المؤمنين، الشريف القاضى ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله"، فيصعد الخليفة المنبر ومن حوله حاشيته وصبيانه، ويلقى خطبة قصيرة، يتلو فيها آية من آيات القرآن، ثم يصلى على أبيه وجده، ويعظ الناس وعظا بليغا، ويختم خطبته بالدعاء للوزير وبنصر الجيش وهلاك الكفار، ويصلى، فإذا فرغ خرج الناس وركبوا أولا، ثم يخرج الخليفة ويعود بموكبه إلى مقره إلى الهيئة التى اتخذها فى ذهابه إلى الجامع.


 
فإذا أتت الجمعة الثانية ركب إلى الجامع الأزهر من القشاشين (شارع الصنادقية بالأزهر حاليا) على منوال الجمعة الأولى، فإذا كانت الجمعة الثالثة أعلم بركوبه إلى مصر للخطابة فى جامعها، فيزين له أهل القاهرة من باب القصر إلى جامع ابن طولون، ويُزين له أهل مصر من جامع ابن طولون إلى الجامع بمصر، ويرتب ذلك والى مصر، ويهتمون بذلك ثلاثة أيام بلياليهن، فإذا قضى الخليفة الصلاة عاد إلى القاهرة من طريق بعينه إلى أن يصل إلى القصر ويعطى أرباب المساجد التى يمر عليها كل واحد دينارا.
 
فى قصر الخليفة كانت تقام الأسمطة فى قاعة الذهب حيث يجتمع مجلس الملك، وكان الخليفة المعز هو أول من فعل ذلك، وحذا خلفاؤه حذوه، فكانوا يقيمون الأسمطة من اليوم الرابع من شهر رمضان إلى السادس والعشرين منه، وقد كان الخليفة يجلس إلى وقت السحور والمقرئون تحته يتلون عشرا ويطربون، ثم يأتى بعدهم المؤذنون ويأخذون فى التكبير وذكر فضائل السحور ويختمون بالدعاء، ثم يقوم الوعاظ بذكر فضائل الشهر ومدح الخليفة ويستمر ذلك إلى أن ينقضى من الليل أكثر من نصفه، ثم تحضر جفان القطائف وجرار الجلاب فيأكل الفراشون والمؤذنون ويملؤن أكمامهم، ثم يجلس الخليفة وبين يديه المائدة معبأة جميعها من جميع أنواع اللحوم والطيور، ويحضر الجلساء ويستعمل كل منهم ما اقتدر عليه ويفرق الباقى على الفراشين، وكل من تناول شيئا قام وقبل الأرض وأخذ منه على سبيل البركة لأولاده وأهله، ثم تقدم الصحون الصينى مملوءة قطائف فيأخذ منها الجماعة الكفاية، ثم يقوم الخليفة ويجلس بالباذهنج(منفذ التهوية والإضاءة) وبين يديه السحورات المطيبات من لبن رطب ومخض وعدة أنواع عصائر وأنواع الفواكه، ثم يكون بين يديه صنية ذهب مملوءة سفوفا ويحضر الجلساء ويأخذ كل منهم فى تقبيل الأرض والسؤال بما ينعم عليه منه فيتناوله المستخدمون والأستاذون ويفرقوه، فيأخذ القوم فى أكمامهم ثم يسلم الجميع وينصرفون.



أما الختم فى آخر رمضان ويكون فى التاسع والعشرين منه، فتحضر الأسمطة كالعادة ويخرج الأمر بأضعاف ما هو مستقر للمقرئين والمؤذنين فى كل ليلة برسم السحور ويحضر الوزير فى أخر النهار للفطور مع الخليفة ويحضر الأمراء وجميع الجلساء والمقرئون والمؤذنون ويسلمون كعادتهم ويجلسون ويوضع أمامهم موكيبات مملوءة بالماء ملفوفة فى عراضى دبيقى مجلوبة من الجهات والسيدات والمميزات من أهل القصور لتشملها بركة ختم القرآن، وبعد قراءة القرآن والخاتمة، يكبر المؤذنون ويهللون ويأخذون الدنانير والدراهم التى تنثر عليهم، ثم تقدم الحلوى والقطائف، فيجروا كعادتهم ويملئون أكمامهم، ويخلع على الخطيب بخلع قيمة ودراهم تفرق على الطائفتين من المقرئين والمؤذنين.

 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع