تراث

45 عاما على حرب أكتوبر..

العميد "حسن أبوسعدة" و"عساف ياجورى" فى شهر العسل

"كان فى أول أيام شهر العسل، عندما تلقى الاستدعاء التليفونى إلى الجبهة.. واستطاع أن يقدم إلى حبيبته الأولى مصر.. أروع هدية دمر اللواء الإسرائيلى المدرع 190، وأسر قائده عساف ياجوري.. وأوقف إطلاق النار.. وعاد إلى عروسه برتبة اللواء على كتفيه.. قصته هى قصة الحب والحرب".
بتلك الكلمات بدأ الكاتب الصحفى موسى صبرى الفصل السابع من كتابه "وثائق حرب أكتوبر"، وقد خصص موسى صبرى هذا الفصل للحديث عن أحد أبطال حرب أكتوبر "العميد حسن أبوسعدة".


الفريق أبوسعدة مع الجمصى

وكان الفريق حسن أبوسعدة أثناء حرب أكتوبر 1973 قائدا للفرقة الثانية مشاة برتبة عميد أ. ح، وبعدما أبلى بلاءً حسنًا فى الحرب - ودمرت فرقته اللواء 190 مدرع الإسرائيلى وأسرت قائده "عساف ياجوري"- تم ترقية أبوسعدة إلى رتبة اللواء ثم إلى فريق حتى أصبح سفيرًا لمصر بالمملكة المتحدة.
وُلد الفريق حسن أبوسعدة بمدينة إدكو محافظة البحيرة فى 13 أكتوبر 1930 ورحل عن دنيانا فى 7 مارس 2012.

كتب موسى صبرى عن قصة الحب والحرب وبطلها العميد حسن أبوسعدة: "فى الحادية عشرة من مساء 5 أكتوبر 1973، اجتمع قائد الفرقة الثانية فى الجيش الثاني، بجميع قيادات فرقته، وأبلغهم ساعة الصفر، الساعة الثانية بعد ظهر اليوم التالي، وتسلموا منه مظروف ساعة الصفر عند منتصف الليل، لإبلاغه إلى وحداتهم فى الصباح، وقرءوا الفاتحة معًا، وكان قسمهم على القرآن معًا، أن ننتصر أو لا نعود، ثم انصرف القادة إلى وحداتهم، للاستعداد لآخر اللمسات وجميعهم يعتز بشعار هذه الفرقة "المبادأة – المفاجأة – الخداع".
أما قائد الفرقة العميد حسن أبوسعدة فقد توجّه إلى لقاء قائد الجيش الثانى اللواء محمد سعد الدين مأمون، واستكمل معه بعض المعدات الأساسية الناقصة من مخازن الاحتياطي، ثم عاد إلى مقر قيادته، ولم ينم، إن جبهته تمتد من الإسماعيلية إلى الفردان على مسافة حوالى 30 كيلومترا، وهم يطلقون عليه "صرة" الجبهة، لأن العدو لو نفذ إليها، استطاع أن يستولى على الإسماعيلية، وانتهى الأمر.


الفريق أبوسعدة فى جبهة القتال

والعدو له على الضفة الشرقية المقابلة 5 نقاط حصينة، تدعم ظهرها 50 دبابة قريبة، وكتيبة مشاة ميكانيكية، وفى الخط الثانى للعدو يوجد لواء مدرع قد يصل إلى مائة دبابة أو أكثر.
وفى الاجتماع الأخير للقيادات على مستوى الفرق الذى تم ذات يوم من شهر سبتمبر، احتدمت المناقشات حول كل احتمال، واستكملت القيادات كل مطالبها الناقصة، فى حدود ما هو ممكن. ووضع احتمال أن يقوم العدو بضربة "إجهاض مفاجئة"، وتم الاستعداد لذلك.
 
وكان العميد أبوسعدة يتوقع أن يقوم بها العدو فى الثالث من أكتوبر، وقد انتظر متوثبا للمفاجأة فى ذلك اليوم، ولكن العدو لم يقم بالضربة، وعرف بعد ذلك أن رئيس أركان العدو لم يزر جبهة القتال منذ ثلاثة أشهر، وأن الضباط المهندسين المختصين بأنابيب النابالم التى كان مخططا لها أن تحوّل مياه القناة إلى جهنم عند وقوع أى هجوم، عرف أن هؤلاء المختصين لم يتفقدوا هذه الأنابيب منذ شهرين، وقد أسر مهندس كان يتفقدها يوم الهجوم فقط.. فى 6 أكتوبر.


عساف ياجورى

وأشرق فجر 6 أكتوبر.. واطمأن القائد على اللمسات الأخيرة.. ثم سجل خطاب الهجوم الذى كان مقررا أن يذاع بالميكروفونات على الجنود مع أول طلقة.. ثم صلّى آخر ركعتين، واتجه إلى السماء ولسانه يردد: اللهم أنت تشهد أننى بذلت أقصى جهدى من علمى وإخلاصى.. وكان ذلك فى الساعة السادسة والربع من الصباح، وغمرت نفسه سكينة صافية، وبدأ يشرف على تنفيذ كل التفصيلات، لحظات المخاطرة الرهيبة تقترب.. ولا يستطيع المحارب حتى فى أحرج اللحظات إلا أن يفكر فى زوجته، إنه عريس لم يستمتع بإجازة شهر العسل إلا يوما واحدا، لقد عقد قرانه فى يوليو 1973، وأجل الإجازة التى بدأت فى 26 سبتمبر، ولكنه تلقى إشارة تليفونية فى صباح اليوم التالى بالعودة إلى موقعه على الفور، وفهمت زوجته كل شيء، عندما كتب لها شيكا بكل ما يقتصده فى البنك، وتماسكت ودعت له بالتوفيق، وتذكرت كلماته عندما اتفقا على الزواج.
قال لها: لا أريد أن أخدعك، إننا مقدمون على الحرب.
وقالت: الأعمار بيد الله، وفخرى أن زوجى سيكون من الأبطال.
قال : أرجو أن تفكرى مرتين.
قالت: أنت تطعننى فى مصريتي.
 

العميد أبوسعدة فى حالة تركيز 

وجاءت لحظة الصفر، ودوّت المدفعية المصرية، وانطلقت الصواريخ، وانطلقت الطائرات، وبدأ العبور العظيم، وخطواته متفق عليها بالدقيقة والثانية، عبور بالقوارب والأسلحة الخفيفة على ظهر الجنود وفى أيديهم، اختراق السواتر الترابية الضخمة التى أقامها العدو، إقامة الكباري، خلال ذلك الاستيلاء على مواقع بارليف وتدميرها، التصدى بالمشاة فقط لدبابات العدو، واحتياطى دباباته، التمسك بالأرض حتى تعبر دباباتنا فوق الكباري، التصدى للواء مدرع للعدو فى "المليز" خلف مواقع بارليف، والساتر الترابى المواجه فى هذه المنطقة رهيب، إن ارتفاعه هنا يصل إلى 32 مترا.
وكان الرئيس أنور السادات قد زار هذا الموقع ورأى من الضفة القريبة ضخامة هذا الساتر وكان سؤاله: هل استعددتم لضخامة هذا السائر؟
وهذا الساتر سبق أن رآه جنرال سوفيتى وكان معه اللواء سعد مأمون، وقال الجنرال يومها إن العبور مستحيل. وسأل القائد العام أحمد إسماعيل، قائد الفرقة الثانية أمام الرئيس، كان ذلك فى شهر مايو 1973.
هل تستطيع أن تعبر بقواتك غدا؟
وكانت الإجابة: أنا جاهز الليلة يا أفندم. 
القائد العام: هل تعنى ما تقول؟
- أننى أعنى ما أقول تمام.
وشدّ الرئيس على يده، ثم تفقد الرئيس "المصطبة"المقامة على الضفة الغربية والمواجهة لمواقع العدو، هذه "المصاطب" فكرة مصرية مائة فى المائة، وصفها "بوفر" القائد الفرنسى بأنها أهرامات، وضعت فوقها للتعمية نقط مراقبة مكشوفة، ولكنها كانت تخفى كل أنواع الأسلحة "من مدفعية وصواريخ ودبابات بمدفعية.." وبحجم من 150 ألفا إلى 200 ألف متر مكعب للواحدة وتكلفت ملايين الجنيهات، وتصوير العدو لها لم يكن مجديا فى معرفة أسرار استخدامها.
وسأل الرئيس أنور السادات فى ذلك اليوم عن مهمة الهجوم، والأرض المفروض الاستيلاء عليها، ثم قال: هل تستطيع الاستيلاء عليها فى ليلة واحدة؟
وأجاب: ممكن يا أفندم، لو فتحت الكبارى فى الوقت المحدد تماما.
ودارت مناقشة حول التوقيت، وهو أهم وأخطر عامل فى معركة العبور، لأن المشاة كانوا سيواجهون وحدهم دبابات العدو لعدة ساعات حتى تصل مدرعاتنا.
وفى ذلك اليوم قدّم قائد الفرقة الثانية إلى الرئيس علم الفرقة وقال له: "أرجو أن تحتفظ بهذا العلم يا سيادة القائد الأعلى حتى تضعه على مكتبك عندما يصلك البشير بأن الفرقة الثانية نفذت مهمتها وحققت النصر".
 

الفريق أبوسعدة فى حالة تأمل

اقتربت لحظة الصفر، وكل هذه الرؤى لا تفارق مخيلة قائد الفرقة الثانية، وهو يشرف على آخر لمسات المخاطرة الكبرى، إنه يفترض فى تقديره أن العدو سيفاجئنا رغم كل عمليات الخداع، وعلى هذا الأساس كان تخطيطه لكل تحرك، ولذلك كان مستعدا لكل احتمال.
إن أمامه 5 نقاط حصينة للعدو، علاوة على السواتر محاطة بكل أنواع الوقاية، حقول ألغام، أسلاك شائكة، سيارات ميكانيكية، عدا ثلاثة خطوط احتياطية من الدبابات خلفها.
وبدأ العبور بالقوارب المطاط، وتم تسلق الضباط والجنود للسواتر، والتقدم كيلو مترين فى عشر دقائق فقط، وكان الوقت المقدر من 30 إلى 40 دقيقة، وظهرت دبابات العدو بعد وصولهم بعشر دقائق، وبدأت تضرب ولكن القوات المصرية فى نشوة خالدة، لقد ارتفع العلم المصرى على الأرض المحتلة، وأصاب الآلاف بهزة فرح خارقة وانطلقت أصواتهم كالرعد.. الله أكبر.. الله أكبر.. كانوا يصرخون فى وقت واحد، وعلت أصواتهم على دوى المدفعية والصواريخ.. انطلقوا كالمارد.


غلاف كتاب موسى صبرى عن وثائق حرب أكتوبر

وكان القائد يرتب كل شيء على الضفة الغربية حتى حان الوقت المحدد لعبوره، بعد ساعة ونصف، وكانت أعصابه هادئة، بل إنه دخن سيجارة فى القارب أثناء عبوره القناة، واستقبله الجنود على الشاطئ الشرقى بالهتاف والتصفيق وعلت صيحاتهم.. "أيوه يا وحش"، وانتشر نبأ وصوله بين وحدات الفرقة، وكان لهذا أثره فى مضاعفة معنويات المقاتلين، القائد بين ضباطه وجنوده معا لتحرير الأرض.
وتسلق العميد حسن أبوسعدة الساتر الترابى على قدميه، ولم يستخدم سلم الحبال بل إنه وجد أن جهازا لاسلكيا يحمله أحد الجنود ثقيلا على كتف الجندى فحمله هو بدلا عنه.
وهو يعبر عن نفسه فى هذه اللحظات: وعندما رأيت علم مصر شعرت كأننى أرى مصر لأول مرة، وجه إنسانة عزيزة غالية أعرفها منذ سنوات طويلة، وحولها وجوه كل من حاربوا من أجل مصر، واستشهدوا من أجل مصر.
وتم تركيب كل أجهزة الاتصال السلكية واللاسلكية، واتصل باللواء سعد مأمون قائد الجيش الثانى وأعطى "تمام".
 
أول انتصار كان عند موقع العدو أمام بحيرة التمساح، كان العبور إلى هذا الموقع مفاجأة فعلا للعدو، لأن كل التقديرات أن بحيرة التمساح غير قابلة للعبور، ما دام العدو لا يتصور أن العبور ممكن منها، فلابد أن نعبر منها، وعبرت كتيبة وقابلها حقل ألغام عمقه 300 متر فتحت فيه ثغرة، ثم تقدمت قوة لمحاصرة موقع العدو، ورأى العدو أن المقاومة غير مجدية، والتقطت القيادة المصرية رسالة لاسلكية من هذا الموقع إلى قيادته بأنه سينسحب بعد آخر ضوء، وتم على الفور إعداد كمين مصرى على مسافة كيلومتر ونصف، بعد أن تحدد الطريق الذى يمكن أن يسلكه، وأبيدت قوة العدو المنسحبة".

(50 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع