تراث

عصر حب الحياة..

العلوم والآداب والفنون في مصر الفاطمية

 على الرغم من شيوع مصطلح الحضارة وتداوله إلا أنه ما زال مفهوما ضبابيا عند الكثير من الدارسين، حيث إنهم خلطوا بينه وبين مصطلحي المدنية والثقافة، وإن كان مفهوم الحضارة يعني في إيجاز شديد تلك الإنجازات البشرية في المجالات المادية والروحية والعقلية والوجدانية في عصور التاريخ المتعاقبة. لذلك يختلف عن مفهوم المدنية الذي يعني طورا متقدما من أطوار الحضارة، وكذلك مفهوم الثقافة الذي يقتصر على الإنجازات العقلية والوجدانية، فضلا عن الجانب الاجتماعي الذي يتضمن نمط الحياة وما يرتبط بها من عادات وتقاليد وتصورات وسلوكيات.
 
وعن حضارة مصر الفاطمية كتب الكثير من الكتب والدراسات والرسائل الجامعية، لكنها في النهاية كانت تنطوي على مفارقة مهمة، فحواها إطلاق أحكام عامة بصدد الموضوع دون تمييز بين فترتين معلومتين في التاريخ الفاطمي، الأولى شهدت ازدهارا حضاريا مرموقا، والثانية تبدأ بخلافة المستنصر بالله، تدهورت فيها تلك الحضارة. ففي الفترة الأولى، تعاظم العمران، الذي انهار خلال الفترة الثانية، لتدخل الحضارة الإسلامية عموما طور الانحطاط.
 
وما يهمنا هنا وما سوف نتناوله في هذه المساحة العلوم والآداب والفنون وعلاقتها الجدلية مع الواقع ومن مقومات النهضة خلال العصر الأول، ما اشتهر به الخلفاء والوزراء في تبني تلك النهضة وذلك بتأسيس «دار الحكمة» -التي نافست بيت الحكمة في بغداد– وريثة مكتبة الإسكندرية التي أكتظت بنفائس الكتب والمخطوطات في فروع المعرفة كافة، كما أسسوا مدارس لتدريس المذهب الإسماعيلي إلى جانب العلوم الأخرى الدينية والدنيوية، ولم يدخروا وسعا في رعاية العلماء والأدباء والشعراء والفنانين، بل استقدموا إلى بلاطهم نظراءهم من معظم أقاليم «دار الإسلام» وشهدت قصورهم مجالس علمية وأدبية حضرها لفيف من المتحاورين في فروع المعرفة كافة، كما أقاموا المراصد ووقفوا الجيوش للإنفاق على أهل العلم والأدب.
 


كما ازدهرت حركة الترجمة إلى العربية من اليونانية والفارسية والسريانية والعبرية، بفضل جهود مترجمين من اليهود والنصارى، وأسفر ذلك كله عن إبداعات علمية وأدبية غير مسبوقة، ولم تكن هذه النهضة وقفا على العاصمة، بل امتدت إلى المدن الأخرى، حتى الريف حيث أبدع العوام ثقافة شعبية. أما عن أسباب انحطاط هذه الحضارة فقد أجمع الدارسون على أن السبب الرئيسي تحول العالم الإسلامي إلى عالم منغلق منكمش على نفسه .. فتراجع البحث العلمي والفلسفة والبحوث الشرعية أمام استرجاع الماضي.
 


ازدهرت العلوم العقلية في العصر الفاطمي بتأثير المنهج التجريبي الذي يعزى اساسا إلى العالم الإسماعيلي الحسن ابن الهيثم، كما جرى تكريس منجزات العلوم الطبيعية والرياضية لخدمة أغراض عملية حياتية، إلا أنها انتكست خلال العصر الفاطمي الثاني، اذ جرى تحريمها وتجريم المشتغلين بها، فأصبحت علوماً غير متداولة بل جرى اتهام بعض علماء الإسماعيلية المتأخرين بالإلحاد.
 
ففي مجال الرياضيات، برز اسم العالم أحمد بن يونس الذي عاش خلال العصر الفاطمي الأول، واثبت باعا في علم «الحيل» أو «الميكانيك» الذي وظف في صناعة الآلات لخدمة الصناعة، وقد انتكست الرياضيات عموما خلال العصر الفاطمي الثاني اللهم إلا مبادئ الحساب نظرا إلى الحاجة إليه في مجال المواريث. كما تطور علم الفلك وشيد بعض خلفاء العصر الأول مراصد ترصد حركة النجوم، وأفادوا من إنجازاتها من مجالات دينية ودنيوية في آن كتحديد القبلة ومواقيت الصلاة، وحركة الملاحة البحرية وفي مجال الدعوة وفي العصر الفاطمي الثاني تحول الفلك إلى التنجيم حيث شاعت الخرافات والسحر وقراءة الطالع.
 


وازدهر علم الكيمياء نتيجة التعويل على المنهج التجريبي وكرست معارفه لتطوير صناعة السلاح والعقاقير الطبية والعطور ونحوها، وقد تحولت الكيمياء إلى السيمياء خلال العصر الثاني، حيث جرى توظيفها عبثا لتحويل المعادن البخثة إلى ثمينة، وفي مجال الفيزياء حقق الحسن بن الهيثم انجازات شتى في مجالات البصريات وعلوم الحيوان والنبات، ثم انتكست هذه العلوم وجرى تحريم الاشتغال بها إبان العصر الفاطمي الثاني. كما تطور علم الطب والصيدلة بفضل الطبيب الأشهر على بن رضوان نظرا إلى اتباعه التجريب فكان يغير ما دلت التجربة على فساده.
 
أما علم التاريخ فقد شهد خلال العصر الفاطمي الأول ازدهارا ملموسا لارتباط معظم مؤرخي العصر بالدولة الفاطمية، لذلك لم يدخروا وسعا في رصد وتدوين تاريخها الحافل بالانتصارات كما هو حال ابن حبون والمسجى وابن الجزار وغيرهم ممن عرفوا بسعة الاطلاع والعقلانية. وخلال العصر الفاطمي الأول، تجاوزت العمارة مرحلة التقليد إلى مرحلة الإبداع في صورة طراز فاطمي خاص له ملامحه وقسماته، وبديهي أن تتطور المقاصد متجاوزة التعبير الفني إلى تحقيق غايات عملية، فالمسجد مثلا لم يعد مكانا للصلاة فحسب بل صار مكانا لتلقي العلم ومنتديا للسياسة.
 


ومن هذه الملامح الخاصة أيضا، تجاوز المحاذير الدينية التي حرمت تصوير الإنسان، حيث تشهد زخارف القصور الفاطمية على وجود رسوم آدمية وأخرى ذات طابع دنيوي، بما يتسق ومعطيات عصر يشهد بحب الحياة، ومن أسباب ازدهار العمارة ما عرفته مصر من رخاء اقتصادي وتعايش سلمي بين عناصر السكان، الأمر الذي أفضى إلى تعاظم العمران بتأسيس مدن وموان جديدة وإعادة الحياة إلى أخرى كانت خراباً، ومن أسباب ومظاهر تدهور الحضارة الفاطمية ما حل بالبلاد من كساد اقتصادي، وما شجر من حروب داخلية أفضت إلى التخريب والتدمير، منها أيضاً الاهتمام بالعمارة الحربية على حساب المدنية التي افتقرت إلى أعمال الصيانة والتجديد وكذلك غلبة المحاذير الدينية، وتعاظم تأثير الدين خصوصاً في عمارة المساجد والأضرحة والقبور وأفضى الانفتاح التجاري إلى انفتاح ثقافي ترك بصماته على فنون الزخرفة والفنون الصغرى التي تم تزويقها عن حس جمالي راق، اذ ضمت زخارف وتزويقات تعكس جماليات الطبيعة من زهور وثمار وغروس ونبات وحيوان وجداول ...إلخ، كما أسهمت النهضة العلمية والتقنية في نصاعة الألوان وتجانسها واتساقها نتيجة الحس المرهف للفنانين، والرسوم والصور الآدمية على المنسوجات بتقدير قيمة الإنسان، وإذا كانت قاسما مشتركا من ملابس الطبقات الثلاثة فقد عبرت عن نزعة مساواة انطوى عليها التشيع الإسماعيلي الذي استمدها من مبادئ العقيدة الإسلامية، كما عبرت الرسوم الخرافية عن خصوصية الخيال عند الطبقة الدنيا، ومما يدل على خفوت صوت المحاذير الدينية، ما حضر من النقوش الفرعونية على الخشب، فضلاً عن الإحساس المصري بعظمة الأجداد.
 


أما الفنون الصغرى والخزف والأواني الزجاجية والبلورية، فتوحي زخارفها بتسرب الحس الجمالي إلى العوام. ومن البديهي أن تنتكس الفنون في مصر خلال العصر الفاطمي الثاني، كما تدهورت في أرجاء العالم الإسلامي كافة، من عصر سيادة الإقطاعية حتى قيل إن كل الفنون الإسلامية في هذا العصر كانت تتكلم لغة واحدة.
 
ويرجع ذلك إلى التطرف الديني والصراع المذهبي وتعاظم المحاذير اللاهوتية إلى حد تحريم النحت والموسيقى، ونتيجة للانغلاق والتقوقع أخذ الفن المصري آنذاك ينهل من الماضي، خصوصا الفن القبطي، كتصوير الخلفاء وهالة من النور تتوج رؤوسهم، كما يتم الإسراف في تصوير الملائكة والرموز الحربية والحيوانات الوحشية المتصارعة عن غلبة الدين والنزعة العسكرية والخرافة على فنون ذلك العصر.
 
كما ظهر تأثير التصوف في تصوير النباتات بشكل متكرر ومنتظم، بما يتسق مع عصر تعاظم خلاله نفوذ المتصوفة، وليس أدل على ذلك من توظيف الموسيقى في أذكارهم. وتلخيصا لما سبق وما يمكن الاستفادة منه جيدا أن سبب قتل أي حضارة وانحطاطها يكمن ويرجع إلى التطرف الديني والصراع المذهبي وتعاظم المحاذير اللاهوتية وكذلك الانغلاق والتقوقع والكساد الاقتصادي مما يؤدي في النهاية إلى حروب داخلية وخارجية تفضي إلى التخريب والتدمير.

(9 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع