تراث

السلطان بوبال ورحلته إلى الحجاز في أواسط القرن التاسع عشر.. وأسرار مجهولة تنشر لأول مرة

من رحلات الحج المجهولة للقارئ العربي في القرن التاسع عشر ، رحلة حج أميرة بوبال " النواب سيكاندار بيجوم ) إلى الأراضي المقدسة عام 1863 م ، والتي رغم أهميتها التاريخية والجغرافية لم تُترجم للغة العربية حتى الآن مذكراتها التي نشرتها باللغة الانجليزية عن الرحلة في لندن عام 1870 . ونقدم في هذا المقال بمناسبة موسم الحج عرضاً عن تلك الرحلة وما تميزت به.

تتميز مذكرات رحلة الحج لأميرةِ بوبال النَّواب
سيكاندار بيجوم بين رحلات الحج؛ لا من حيثُ كونُها أولَ رحلةٍ ألَّفتها امرأةٌ هنديةٌ فحسبُ، بل أيضا لكونها وثيقةً تاريخيةً مهمةً تُعَرِّفُنا بالظروف السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والخُلُقية لمدن الحجاز قبل قرن ونصف من الزمان. 



فليست هذه الرحلةُ كسائر رحلات الحج التي يَتَمَحْوَرُ اهتمامُ مؤلفيها حول إلمام القاريء بمراسم الحج ومشاعره، وإِطْلاعِهِ على ما يزورونه من الأماكن المقدسة في مختلف أرجاء الحجاز، وإبلاغِهِ بالعواطف التي تجيش في قلوبهم أثناء زيارتهم للمشاعر المقدسة. فصاحبةُ هذه الرحلة تتحدث فيها عن حالة الحجاز وحالة مواطنييها من خلال ما رأته بِأُمِّ عينها وما خَبَرَتْه وجَرَّبَتْه بنفسها في تلك الديار أثناء إقامتها بها، فسجلتْ فيها مشاهداتها بكل أمانة وقدمت فيها ملاحظاتها بكل جرأة وصراحة.


منظر من مدينة بوبال

أين تقع إمارة بوبال؟..
كانت إمارة بوبال الإسلامية من تلك الإمارات الهندية التي علا نجمُها وقويتْ شوكتُها وذاع صيتُها عقب استيلاء البريطانيين على شبه القارة الهندية في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. أسسها الأمير دُوْسْتْ محمد خان سنة 1709م، وَخَلَفَهُ اثنا عشر أميرا وأميرة؛ حتى انضمتْ الإمارة أخيرا إلى جمهورية الهند سنة 1949 للميلاد بعد استقلال البلاد من سيطرة البريطانيين. 

ومن أهم ما امتازت به هذه الإمارةُ أنَّ اربعَ أميرات حكمْنَها لِما يزيد عن قرن من الزمان وذلك في أيامٍ شهدتْ فيها الهندُ ظروفا متقلقلة متوترة بعد انهيار الإمبراطورية المغولية التي حكمت الهندَ قرونا طويلة وأصابها الوهنُ والضعفُ، وتزعزع كيانُها وتهدمتْ أركانُها، وكان البريطانيون بالمرصاد فاستغلوا تلك البلبلة والقلاقل، وأطاحوا بالإمبراطورية المغولية، وفرضوا سيطرتَهم على بلاد الهند بعد معاركَ طاحنةٍ داميةٍ نشبتْ بينهم وبين الشعب الهندي. 
وشهدتْ إمارةُ بوبال أزهى عصورها وذروةَ ازدهارها في عهد الأميرة النواب سيكاندار بيجوم التي امتدَّ حكمُها من سنة 1844م إلى سنة 1860م بصفتها وصيةً لبنتها النواب شاه جهان بيجوم، ثم رئيسةً للإمارة من سنة 1860حتى وفاتها في سنة 1868م.


مشهد من مدينة بوبال

رحلة حج سيكاندار بيجوم..
شدت بيجوم رحالها لأداء الحج، وغادرت مدينةَ بوبال في 22 جمادي الأولى سنة 1280 للهجرة الموافق 5 نوفمبر سنة 1863 للميلاد، ومكثت يومين في بستان "فرحت أفزا" خارج المدينة حيث أنجزت ما كان عاجلا وملحا من شؤون الإمارة، واتخذت الترتيبات الأخيرة للرحيل، وقضتْ ليلةً في قلعة "فتح كره " حيث استقبلت المودِّعين. ثم اتجهت نحو مدينة بومباي  حيث ركبت السفينة المتجهة نحو جدة في 25 رجب سنة 1280 للهجرة الموافق 6 يناير سنة 1864 للميلاد. ووصلت إلى مدينة جدة في 13 شعبان سنة 1280 للهجرة الموافق 23 يناير 1864 للميلاد. وقضت في الحجاز نحو ستة أشهر أدت أثناءها فريضةَ الحج، ثم وصلت إلى الهند في 5 محرم سنة 1281 للهجرة الموافق 21 يوليو سنة 1864 للميلاد. 
وصحبها في هذه الرحلة أكثر من ألف رجل وامرأة من أهالي بوبال، فاستأجرتْ لهم ثلاثَ سفن. وحملت معها كميةً كبيرةً من الحلي والملابس لإهدائها إلى الأمراء والحكام وتوزيعها بين الفقراء والمساكين في المدن المقدسة. ورافقتْه في هذه الرحلة والدتُها "النواب قدسية بيجوم" وخالُها "النواب فوجدار محمد خان" وغيرهما من أعيان الإمارة وموظفيهم. وكان في قافلتها عدد جم من النساء. 


صورة لسلطانة بوبال التقطت قبل توجهها إلى الحج

وتختلف هذه الرحلة عن غيرها من رحلات الحج من حيث كونها وثيقة تاريخية مهمة؛ فنظرت سيكاندار بيجوم إلى الحالة الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية السائدة في الحجاز بعين أميرة تحكم إمارة واسعة وقوية وتتمتع بنفوذ سياسي ملموس لدى أقوى حكومة عالمية في عصرها وهي الحكومة البريطانية. ولم تهتم بيجوم بالتعبير عن المشاعر التي تدفقت في قلبها أثناء أداء الحج أو عند زيارة المشاعر المقدسة، بل كان جلُّ اهتمامها في تصوير المجتمع الحجازي وحياةِ أهل الوبر وأهل الحضر بكل جرأة وصراحة، ولم تتردد في نقد ما شاع في الحجاز آنذاك من عادات سيئة وأخلاق فاسدة وما سادها من سوء الحكم والإدارة ، فانتقدت فيها شريف مكة وباشا مكة وغيرهما من الضباط والحكام. وقارنت سكندر في رحلتها بين الحجاز وإمارتها بوبال، وتحدت السلطان التركي بأنه لو كلفها هي بإدارة شؤون المدن المقدسة، لأصلحت حالتها السيئة بأقل مما يصرفه السلطان على إدارتها من الأموال. 

تصف السلطانة في رحلتها بعينٍ خبيرة و شديدة الملاحظة  الاماكن التي زارتها منذ أن خرجت من الهند حتى انتهاء شعائر الحج مرورا بعدن  في اليمن. ووصفت الناس وعاداتهم وتقاليدهم وطعامهم وأسواقهم ولهجاتهم . و من المواقف الطريفة التي ذكرتها كيف أن جماعة من الأعراب كانوا على وشك  سرقة متاعها و متاع أمها و كيف تعاملت مع الأمر بحكمة و مهارة و ووجهت خدامها و حرسها وأنقذت الموقف . وتصف عادات النساء في مكة . والكتاب في مجمله عبارة عن حلقات تصف المجتمع العربي في ذلك الوقت في مكة وجدة  ويمد القاريء بمعرفة الفرق بين الحج في القرن التاسع عشر و مدى خطورة أداء شعائره و بين الحج في الفترة الحالية و مدى الأمان فيه . كما تشتكي فيه من ضعف توقير الحراس التابعين لشريف مكة لها و لموكبها.


النسخة الانجليزية للرحلة مترجمة عن اللغة الأردية

وتحدثتْ بيغم في رحلتها عن مكة وحالتها الجغرافية والجوية، واشارت إلى تفشي الأمراض فيها في موسم الحج وقلة الماء فيها للشرب والاستعمال. وأثناء حديثها عن تصميم البيوت في مكة شَبَّهتْها بالبيوت الموجودة في بلدة رايسين في إمارته، فلنقرأْ ما كتبتْه بيغم بهذا الشأن: 
تُبْنَى البيوتُ في مكة على التلال مثلما تبنى في رايسين، فتكسو التلالَ من أسفلها إلى أعلاها، وليس في هذه البيوت ساحات أو أفنية، بل تُبْنى على هيئة الشقق والطوابق؛ لكي يمكنَ إضافةُ الطوابق إليها كلما اقتضت الحاجةُ ذلك، ولا يقل عدد طوابقها عن ثلاثة ولا يزيد عن سبعة، وقد تجد في بعض البيوت براويز للأبواب، وقد تجدها غفلا من تلك البراويز، كما أنك قد تجد بعض البيوت بلا أبواب مع وجود تلك البراويز فيها.

وأطالت بيجوم الحديثَ في مذكراتها عن حياة أهل مكة وأخلاقهم، فتحدثتْ فيها عن عاداتهم وأنماط حياتهم في المأكل والمشرب والمسكن والملبس ووسائلهم للتسلية والترفيه، وقالت إن الرقص والغناء ممنوعان في مكة إلا أنَّ نساءها يمارسن أشكالا منه، فتقول بيجوم بهذا الصدد: 
والغناء والرقص ممنوعان في مكة، إلا أن نساءها يُزَغْرِدْن ويصفقن بأيديهن، ويُفَرْقِعْن أصابعهن، ويُغَنِّين أغان هزلية، ويرقصن في حفلات الزواج، ولكنهن لا يُجِدْن الغناء ولا الرقص حقا؛ فلا يطرب مَنْ يستمع إليهن، ولا يستمتع من يشاهد رقصهن، وبعض هواة الموسيقى يرددون خلسة في بيوتهم بعض أنواع الموسيقى الشائعة في الهند.

واشتكت بيجوم في مذكراتها من قلة اهتمام أهل الحجاز باللغة العربية الفصحى وكثرة استعمالهم العامية. فقالت: 
واللغة العربية هي لغتهم الأم، لكنهم يستخدمون العامية العربية، ولا يتكلم بالفصحى إلا القليل منهم، بل تكاد تنعدم في أوساط الحاضرة.
وختاما أود أن أقدم إليكم نموذجا مما كتبتْه بيجوم عن النساء في عائلة الشريف والباشا، والحقيقة أن هذا الجانب من الحياة العائلية الخاصة للحكام في مدن الحجاز لا نكاد نجده في رحلات الحج القديمة منها والحديثة؛ وأظن أن فرصة التفاعل مع زوجات الشريف والباشا والاحتكاك بهن لم تسنح للرحالة الذين سجلوا رحلات حجهم مثلما سنحتْ هذه الفرصة لبيجوم ، تقول بيجوم عن زوجات الشريف وأزيائهن وحسنهن وجمالهن وعاداتهن وأخلاقهن أثناء حديثها عن زيارتها لبيته ولقائها النسوةَ هناك: 

للشريف سبع زوجات ، قابلتُ أربعا منهن؛ اثنتان جورجيتان في غاية الحسن والجمال، ارتدتْ كلٌ منهما ملابسَ رائعةً أنيقةً، فَبَدَتا كأنهما مرصعتان بالألماس من قمة الرأس إلى أخمص القدمين، وكانتا تضعان على رأسيهما أكاليل مرصعة بالجواهر، تتلألأ بجاذبية رائعة كلما تحركتا، وكانت تحت تلك الأكاليل مناديل صغيرة جميلة، مثل المناديل التي تحملها الإنكليزيات في أيديهن، والمناديل مطرزة بالجواهر، معقودةً على الرأس في جمال أخاذ، وثيابهما مزخرفة بالجواهر من أعناقهن إلى خصورهن، وجملة القول: إنهما كانتا آيتين من آيات الحسن والجمال والرشاقة واعتدال القوام، وكانت ثياب إحداهن من الحرير الأسود، وثياب الأخرى من الحرير الأقحواني، وجميع الثياب مطرزة بالنجوم. 

أما زوجته الثالثة فكانت عربيةً ذاتَ ملامحَ عاديةٍ، بينما كانت زوجته الرابعة حبشية، ولا يُسْمَح لزوجات الشريف بالجلوس في حضرته إلا من كانت منهن أمَّ ولدٍ، أما اللاتي لم يَلِدْنَ بعدُ، فعليهن الوقوف بجانبه عاقداتٍ أيديهن في احترام.

قسمت سيكاندار بيجوم رحلتها إلى تسعة عشر بابا، بالإضافة إلى ملحق يحتوي على بعض المعلومات التاريخية والأهمية الدينية للمشاعر القدسة وغيرها من الأماكن التاريخية التي زارتها أثناء هذا السفر. وتشمل الترجمة الإنجليزية للمذكرات نبذة عن تاريخ بوبال حتى عصر النواب سكندر بيجوم، ألفها العقيد دوراند بنفسه. وتشتمل الترجمة الإنجليزية كذلك على رسالة للنواب شاه جهان بيجوم بنت النواب سكندر بيجوم عبرت فيها عن شكرها وامتنانها لصاحبة الجلالة ملكة بريطانيا لقبولها إهداء الترجمة الإنجليزية إليها. وتشتمل كذلك على مقدمة للمترجمة الإنجليزية وقد سبق ذكرها آنفا. 
و في الاجمال ، الكتاب وثيقة تاريخية هامة عن رحلة حج في القرن التاسع عشر، يمدنا بمعرفة عن مسلمي الهند و سلطنة بوبال و وصف الحج في تلك الفترة ، و يضيف الجديد للقاريء العربي عن ادب الرحلات الى مكة و المدينة.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع