تراث

الرقابة على المفتين في التراث العربي بالأندلس

تُعتبر الفتاوي من أهم وسائل التوجيه الاجتماعي لما لها من تأثيرات مجتمعية كبيرة. هذه التأثيرات لا تقتصر فقط على نواح إيجابية دينية وثقافية بل تشتمل أحيانًا على تأثيرات سلبية تؤدي إليها وهي ما يمكن أن نشهده في بعض الأوقات ودرج البعض على تسميته بفوضى الفتاوى، وهي تلك التي يُعبر عنها بالفتاوى غير المنضبطة أو الواعية بالتأثيرات المترتبة عليها، أو الفتاوى الشاذة... إلخ.



وقد برزت في عصرنا هذه الظاهرة من فوضى الفتاوى والفتاوى الشاذة والتي من معالمها: 
• ظهور المفتين على الهواء الذين يفتون في كل شيء، ولا يقول أحدهم مرة: لا أدري! أو إن هذا السؤال يحتاج إلى بحث أو مراجعة، أو مشاورة. 
• تجرأ بعض غير المتخصصين على الإفتاء وخوض مجاله دون العلم ودون معرفة الآثار المترتبة على ذلك؛ مما ترتب عليه حدوث الاضطراب والشقاق والاختلاف بين صفوف المفتين المسلمين وعامتهم. 
• لي عنق الفتوى لتطويعها حسب الأهواء والأغراض لمصلحة الفئات أو الجماعات أو الأحزاب.
• التعصب الذي لا شك يؤدي إلى الإخلال بالأمن وشيوع الفوضى، كما يؤدي إلى تهديد الأمور المعاشية داخل المجتمع، بل يؤدي أيضًا إلى التهجم على الدين ذاته وتناوله بالتجريح والسخرية والاستهزاء.

وإن من أخطر ما ابتلينا به في أيامنا، أن كَثُر فيها الأدعياء، والجهلاء، وأشباه العلماء، الذين لا علم لهم باستنباط الفتاوى والأحكام والاستدلال عليها بدلائلها، فتجرأ البعض على حصن الإفتاء، يخوض في أحكام الشرع من غير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ويقتحم لُجج الفتوى معتمدًا على الجهل والغرور، أو سطوة السلطان، وذاك يُفتي طمعًا في مال أو جاه، لأنه جعل العلم مطية وخادمًا للأهواء، وذاك تتغير عنده الفتيا تبعًا للأهواء والشهوات، لا تبعًا للدليل والبرهان.

    

ولقد نوه القرآن الكريم بخطورة هذا الأمر في الآية: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النحل: آية 116-117.].
وقد تنبه إلى ذلك أولو الأمر في الحضارة العربية الإسلامية في العصور الوسطى، وإذا أخذنا الأندلس فيما يُشبه دراسة الحالة، أو نموذج معبر عن ذلك يمكن القول بأن المصادر التراثية الأندلسية  لا تحدثنا بصورة واضحة عن وجود رقابة على عمل المفتين ترصد أفعالهم وفتاويهم؛ حتى يمكن معاقبة المخطئين منهم أو عزلهم عن وظيفة الإفتاء. وبالرغم من عدم وضوح ذلك إلا أنه يمكن القول بوجود مثل هذه الرقابة، وهو ما يظهر عبر ناحيتين: الناحية الأولى تتمثل فيما ذكره ابن خلدون (ت808هـ/1406م) في مقدمته الشهيرة من أن من واجب الحاكم " أن يتصفح أحوال المفتين فمن كان يصلح للفتوى أقره عليها ومن لم يصلح منعه ونهاه وتواعده بالعقوبة إن عاد وطريق الإمام إلى معرفة من يصلح للفتيا أن يسأل عنه علماء وقته ويعتمد أخبار الموثوق بهم".

وتتضح الناحية الثانية في وجود ما يشبه الرقابة العلمية من قبل الفقهاء والعلماء والمفتين الآخرين، والذين لن يصمتوا عن أخطاء علمية يرتكبها بعض المفتين. ومن أمثلة الرقابة العلمية موقف المفتي أبو المطرف المالقي الشعبي (ت497هـ/1103م) من بعض المفتين الذين صوبوا موقف رجل أنكر تحليف امرأة بالليل وقال: لو كانت بنت أبي بكر الصديق ما حلفت إلا بالنهار. فقال أبو المطرف: «ذكر هذا لابنة أبي بكر في مثل هذا يوجب عليه الضرب الشديد و السجن الطويل، والفقيه الذي صوب قوله هو أخص باسم الفسق من اسم الفقه فيتقدم إليه في ذلك ويزجر ولا تقبل فتواه ولا شهادته، وهي جرحة ثابتة فيه، ويبغض في الله».

   
وقد يشير ذلك إلى وجود نوع ما عن الرقابة ما يذكر عن تغريم المفتي في بعض القضايا المرتبطة بالنواحي المالية، وفي ذلك أفتى أصبغ بن خليل بقوله: «في العالم إذا أفتى بالباطل مثل أن يكون أوجب على أحد غرم مال للمساكين، ولم يكن ذلك عليه فحكم بما قال ومضى، فإنه يغرم من ماله لأنه تعمد إتلاف المال».

ويمثل التغريم عقوبة يتم تنفيذها على بعض المفتين، وهي ليست العقوبة الوحيدة التي تعرض لها المفتون؛ حيث وُجدت كذلك عقوبة العزل عن الإفتاء.
وكان العزل يتم لأسباب تستوجبه؛ إذ إن الأصل في تولي الإفتاء هو العلم والفقه وطالما أن العلم والفقه قائمان فلا مجال للاستغناء عن المفتي، إلا إذا استجد عامل آخر قُرر على إثره توقيع عقوبة العزل عليه. 
وقد تعددت الأسباب المؤدية إلى عزل المفتين من الإفتاء في الشورى ما بين أسباب سياسية أو فقهية وعلمية أو أخرى ربما تكون أخلاقية أو صمتت المصادر عن ذكرها بشكل تفصيلي. 
 أول هذه الأسباب وهي الأسباب السياسية نجدها واضحة في عزل المفتييْن أصبغ بن الفرج (ت397هـ/1006م) وأبي بكر بن وافد (ت404هـ/1013م) عن وظيفتيهما وذلك لعدم تجاوبهما وامتثالهما لإرادة المنصور محمد بن أبي عامر في التجميع بالزاهرة. وكذلك تتضح في عزل محمد بن فرج مولى ابن الطلاع (ت497هـ/1103م) الذي أسقطه المرابطون عن الفتيا عند دخولهم قُرْطُبَةَ لتعصبه عليهم. أي أن العزل هنا لم يتم لسبب يرتبط بالفتوى بل ارتبط على نحو أكبر بالسياسة.
     
أما الأسباب الفقهية أو العلمية فهي ترجع إلى أن بعض المفتين لم يكونوا أهلاً للإفتاء؛ وإفتائهم بأمور تخالف ما تم التعارف عليه، ومن ذلك ما يروى عن أحد المفتين الذي أعطى رخصةً في طلاق الثلاث، ولمَّا بلغ ذلك الفقيه أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم (ت352هـ/963م) أشار بمنعه من الفتيا والتكلم في العلم..."فبقي مسخوط الحال مهجور الباب ممنوعًا من الفتيا ومن الشهادات لأجل ذلك" وهو أشد عقاب يمكن أن يعاقب به المفتي.

     

وقد وصل بعض المفتين إلى بعض الوظائف الإفتائية الكبيرة مثل هيئة الشورى وهم غير جديرين بذلك، ومما يُمثل هذا الأمر ما يذكره ابن الفرضي عن قيام قاضي الجماعة محمد بن إسحاق بن السليم بترك مشاورة المفتي عيسى بن محمد بن إبراهيم بن حيويه الكتاني (ت374هـ/984م) والسبب في ذلك هو أنه «كان خارجًا من طبقة أهل العلم متشبهًا بأهل الدنيا، لم يؤخذ عنه، ولا كان لذلك أهلاً». ولهذا فإن البعض يقول بوجوب الحجر على المفتي الجاهل والمتلاعب بأحكام الشرع لما وراء تلاعبه من ضرر عام على الجماعة المسلمة، كما أن هناك تحذيرات شديدة لكل من يُفتي بغير علم. ويقول الإمام مالك (ت179هـ/795م) صاحب المذهب الشائع في الأَنْدَلُس: "لاينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلًا، ويرى هو نفسه أهلًا لذلك ويكون هو بيقين مطلعًا على ما قاله العلماء في حقه من الأهلية".
       
هذا عن الأسباب العلمية للعزل أما فيما يخص الأسباب المرتبطة بالنواحي الأخلاقية فتتمثل في حادثة عزل المفتي محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة (ت330هـ/942م)، وقد سجل القاضي الحبيب أحمد بن محمد بن زياد (ت312هـ/924م) ذلك، ورفع الأمر إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر بأنه قد رصدت أشياء قبيحة عن ابن لبابة فأمر الناصر بإسقاط منزلته وإلزامه بيته ومنعه من الفتوى فأقام على ذلك فترة من الزمن. 
     
وهكذا نرى أن أمر الرقابة على المفتين لم يكن غائبًا عن الحضارة العربية الإسلامية، وأنه لم تكن تُترك الأمور لأي أحد لا يمتلك مقومات الإفتاء أن يتصدى لهذه المهمة الثقيلة، بل إن الأمر قد تخطى ذلك إلى وجود العقوبات العديدة لمن يتجاوز في فتاويه، وذلك إدراكًا كبيرًا بالآثار السيئة والسلبية التي يمكن أن تُحدثها بعض الفتاوى على المستويات الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع