تراث

الخواجة مصري.. صفحة من تاريخ الغرباء المتمصّرين

الخواجة.. ذلك الأجنبي الغريب وبخاصة الأوروبي.. يرتدي عادة زيًا مميزًا عن عموم المصريين "بدلة وبرنيطة". ارتبط لفظ الخواجة أو الخُوجَة بالمعلم الأجنبي تارة، وبالثقة المطلقة في كل ما ينتجه تارة أخرى.. فتكونت «عقدة الخواجة» عند المصريين بالميل إلى تقليد واقتناء كل ما هو أجنبيّ.. وربما كان الأصل لتلك الظاهرة أن بعض أولئك الغرباء تركوا بصماتهم في التاريخ المصري، وقدموا لبلاد النيل ما استحق تخليد ذكراهم، وكأن «الخواجة مصري».


الأمر العالي بتعين بيير لاكو مدير عام مصلحة الآثار


فتحت مصر ذراعيها على اتساعها للخواجات في عهد أسرة محمد علي خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، بعدما استعان بهم حاكم المحروسة الألباني الأصل،وأباح للكثير منهم القدوم إلى مصر للعيش والعمل، فنهلوا من خيرها، ونالوا من الرفعة والكرامة حظًا وافرًا.
تلك الفكرة هي موضوع كتاب «الخواجة مصري» الصادر في مطلع هذا العام للباحث في السياسيات الثقافية أحمد الفرّان، الذي طرح رؤية مغايرة في دراسته عن أوضاع الأجانب في مصر الحديثة، بعيدًا عن التناول التقليدي "الكوزموبوليتاني" الذي يناقش انفتاح مصر على العالم في تلك الفترة باعتبارها ملتقى الأجناس والأعراق، فالمؤلف يقدم رؤية جديدة لأوضاع الأجانب في مصر، ويقف على مسافة واحدة من الشخصيات الواردة في الدراسة، محيدًا أي حُكم مسّبق أو نزعة أيدلوجية بين الانحياز أو التعصب.

تثير المقدمة الوافية شهية القارئ لاستكمال سيرة أولئك الغرباء المتمصّرون؛ إذ تعالج بصورة موجزة مجمل أحوال الأجانب في مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين حتى قيام ثورة يوليو 1952، ويتضح خلالها كيف كانت مصر مسرح لتصارع القوى الأوروبية، تأرجحت خلاله سلطة الأجانب في مصر بين التضييق الخانق الذي مارسه والي مصر عباس حلمي الأول (1848 – 1854)والتفريط الفاضح في عهد الخديوي إسماعيل (1863-1879).

بلغة سهلة وجذابة يحكي الكاتب عن تسعة شخصيات من أقطار الأرض نعمت في ظل عرش الأسرة العلوية، ويعتمد في سرده على الجمع بين ما قدموه من إنجازات أو إخفاقات على أرض مصر وبين سيرتهم الشخصية في تقنية أشبه بالفلاش باك، متخذًا من تاريخ وصولهم لمصر نقطة البدء.
ما بين علماء وقادة ورجال أعمال، يسلط الكتاب الضوء بصفة خاصة على عدد من علماء الآثار الأجانب، حين كان علم الآثار أداة لفرض الهيمنة الأجنبية والسطوة الإمبريالية التي شهدتهابلاد الشرق بوجه عام. اجتمع أولئك "الخواجات" على المشاركة في نهضة مصر الحديثة،منهم من حاز المجد والشهرة أو عانى السخط والنكران، من أمثال المعماري المجري ماكس هرتز، والأثري الألماني هنريشبروكش، والصحفي السويسري جون نينيه، والدبلوماسي الأمريكي ألبرت فارمان، والمغامر السويسري فيرنر منزينجر، وعالم المصريات الفرنسي بيير لاكو، وغيرهم.
هذا هو "يوليوس فرانز باشا" حامي حمى الآثار الإسلامية في مصر، المعماري والعضو البارز في لجنة حفظ الآثار العربية؛ أول تنظيم قومي مؤسسي في العصر الحديث يهتم بالآثار العربية، وأول مدير لمتحف الفن الإسلامي الذي جاء لمصر مريضًا يحلم بالشفاء، فكتب اسمه بحروفٍ من نور في سجل النهضة العمرانية والمعمارية والحضارية في عهد إسماعيل.
 

نقل المسلة إلى نيويورك

هو صاحب الأيادي البيضاء على الآثار العربية والقبطية، الذي افتتن بجامع السلطان حسن، فاستكمل بناء آخر مساجد مصر الكبرى، جامع الرفاعي، فاستلهم المجري"ماكس هرتز بك"من روح المسجد الذي يجسّد جوهر العمارة المملوكية في مصر بناء الجامع المُشيد بالحجر الذي ضّم رفات الأسرة العلوية في مصر، وكأن مسجد السلطان حسن والرفاعي توأم يفصل بين ولادتهما مئات السنين!
وفي عصر مضى كانت أحلام إسماعيل في التوسع والترف ملأ السمع والبصر، بعد أن شرع الحاكمالأكثر جدلاً في تاريخ مصر الحديثة في توسيع رقعة بلاد النيل، فكانت تلك المهمة من نصيب المستكشف السويسري "فيرنر منزينجز" مخطط وقائد الحملة العسكرية المصرية إلى أثيوبيا، وهي الحملة التي لم يكتب لها النجاح وباءت بالفشل الذريع، وفي الوقت الذي لقى فيه "منزينجز" حتفه متأثرًا بجراحه في المعركة.. عاشت مؤلفاته الغزيرة علامة في مجال الدراسات الأفريقية. 

وعلى الرغم أن البريطاني السير "وليام ويلكوكس" وفد من الهند إلى مصرفي مهمة لإنشاء مشروعات الري العملاقة والهندسة المعمارية، على رأسها تصميم سد أسوان القديم، أكبر سد مُشّيد في العالم آنذاك، ومهندس قناطر أسيوط؛ فقد أثار جدلاً واسعًا في الأوساط الثقافية المصرية منذ قدومه إلى مصر، أفضى إلى محاكمته بسبب دعوته إلى نشر اللغة العامية والتأليف بها. واعترافًا بما قدمه في مجال الري وهندسة المياه في مصر، أطلق على أحد شوارع ضاحية الزمالك الهادئة اسمه، وهو الشارع الذي تم تغيير اسمه لاحقًا إلى اسم عميد الأدب العربي طه حسين، وكأن الجدل قدر هذا الرجل في مصر حيًا وميتًا، وهو الذي قضى عمره في محاربة اللغة العربية الفصحى!

وكان المؤرخ الصحفي "جون نينيه" متمصّرًا بقدر كبير، للحد الذي دعا المؤلف لتسميته بـ "المواطن المصري" بفضل دوره السري في إذكاء الحركة الوطنية المصرية الثائرة ضد سياسات الخديو إسماعيل وقوات الاحتلال البريطاني. كانت كلماته في طيات ٨٣ رسالة أرسلها “جون نينيه” من مصر لصحف فرنسية وإنجليزية وسويسرية تُقطر إعجابًا بالمصريين.وقبل أن يمارس عمله الصحفي الذي تغلغل من خلاله إلى المجتمع المصري؛ كان “نينيه” أول منأدخل آلات الحلج إلى مصر، وعهد إليه محمد علي بزراعة ألفي فدان من القطن بالدلتا، وعينه ناظر مخازن الحكومة بالمنصورة.
ومن المؤسف أن آثار مصر كانت ورقة تفاوض سياسية بين مصر والعالم الغربي منذ القرن الثامن عشر على أقل تقدير، تصدى لهذه المهمة القناصل والدبلوماسيين بصفة خاصة، وعلى رأسهم القنصل الأمريكي في مصر بين عامي (١٨٧٦-١٨٨١) "ألبرت فارمان" مهندس خروج آخر مسلة فرعونية من مصر بعد مفاوضات استمرت عدة سنوات.  
 

كارنارفون وأبنته وكارتر بعد اكتشاف المقبرة

 وعودٌ على علماء الآثار، استطاع الألماني "هنريشبروكش" فك رموز الخطالديموطيقي، الخط الشعبي من خطوط اللغة المصرية القديمة، ودفع تفوق "بروكش"الملحوظ في دراسة لغة المصريين القدماء الخديو إسماعيل إلى أن يصدر قرارا بإنشاء أول مدرسة للألسن «مدرسة اللسان المصري والحبشي» في أغسطس 1869، والتي تولى "بروكش" رئاستها. 
كما لعبت مفارقات القدر دور البطولة مرتان لصالح أشهر منقب مصري عن الآثار في القرن العشرين، "اللورد كارنافون"، الأولى بعد أصابته في حادث سيارة بألمانيا، وأقنعه طبيبه بالسفر إلى مصر للعلاج، والمرة الثانية حين دخل التاريخ من أوسع أبوابه عقب اكتشاف مقبرة الفرعون الصغير «توت عنخ أمون» سنة 1922. 

أما الشخصية الأخيرة في كتاب «خواجة مصر» فكان الفرنسي "بيير لاكو" رئيس مصلحة الآثار المصرية آنذاك، والذي خاض عبر 35 عامًا معركة شرسة في تمصير المصلحة وتغيير القوانين التي وضعها أقرانه من الأجانبلصالحإطلاق قبضة الدولة المصرية في تقنين أوضاع الحفر والتنقيب، فضلاً عن جهوده مع الألمان لأجل إعادة رأس نفرتيتي التي هربها عالم المصريات الألماني "لودفينجبورشاردت" والتي لم تعد إلى أرض مصر إلى يومنا هذا.
 هكذا رصد أحمد الفرّان سيرة أجانب أثّروا في تاريخ المصريين في مختلف المجالات، منهم من أضاف وأثرى، ومنهم من عمل لمصلحته الشخصية من الدرجة الأولى.. تاركًا للقارئ النابه مهمة التفريق بين الطائفتين دون تدخل، كمحاولة لإعادة قراءة التاريخ من زاويةإنسانية.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع