تراث

إنه فى يوم..

عندما طردت "الخليل" أمريكا من اليونسكو

إذا كان التاريخ قد كتب إنه فى يوم الجمعة الموافق 7 يوليو الماضى صوتت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" بأغلبية 12 صوتا ورفض 3 أصوات على إدراج مدينة الخليل التى تقع فى الضفة الغربية المحتلة، على لائحة التراث العالمى لكونها تتمتع بقيمة عالمية استثنائية ويعيش فيها مئتا ألف فلسطينى مقابل أعداد محدودة من مئات المستوطنين الإسرائليين، فإنه سيكتب أيضا إنه فى يوم الخميس الموافق 12 أكتوبر2017 نجحت الخليل فى قهر الولايات المتحدة الأمريكية وإجبارها على الانسحاب من منظمة اليونسكو فى لحظة تاريخية كشفت أن لواشنطن مدلل واحد وقضية واحدة لا تنشغل بسواها وهى إخفاء فلسطين وحماية إسرائيل.
ومنذ ذلك الإعلان بدأت حملة إسرائيل الشرسة وبرعاية أمريكية للضغط على ( اليونسكو) واتهامها بمعاداة السامية والانحياز ضد إسرائيل والإضرار بمصالحها التى تسعى لتزييف الحقائق التاريخية ومحاولة السيطرة على الحرم الإبراهيمى.

 الحرم الإبراهيمى

فقبل ساعات مع اقتراب الجولة الرابعة لماراثون التصويت على مقعد رئاسة اليونسكو، بلغت الضغوط الأمريكية الإسرائلية ذروتها، لتعلن أمريكا انسحابها مؤكدة أن ذلك دفاعا عن إسرائيل ضد اليونسكو.  
"والخليل هذه المدينة التى أثارت كل هذا الجدل وأدت إلى الانسحاب الأمريكى الغير مأسوف عليه لم تكسب هذه الأهمية التاريخية من فراغ، فهى المدينة ذات النظام المعمارى الفريد، وأسلوب البناء غير المكرر عالميا، وأماكن تاريخية كانت شاهدة على أحداث غيّرت مجرى التاريخ، كلها عوامل كان من الطبيعى أن تؤهلها لتكون إحدى المناطق المدرجة على لائحة التراث العالمي.
فاختيار اليونسكو جاء واثقا غير متردد ولامرتجف من الهيمنة الأمريكية والابتزاز الإسرائيلى، لأنه وببساطة اعتمد على نقطتين واضحتين وضوح الشمس لانقض فيهما ولا إبرام.. الأولى أنه بالنظام المعمارى للحرم الإبراهيمى كبناء معمارى فريد، عمره يزيد على ألفى عام، وشاهد على مراحل تاريخية مهمة أثرت على البشرية، بالإضافة إلى نظام الأحواش داخل البلدة القديمة”، فالحوش فى حد ذاته هو نمط معمارى مميز يعكس الحالة الاقتصادية والاجتماعية، وهو عبارة عن ساحة تضم مبانى أو وحدات سكنية للعائلة الممتدة (الجد والأبناء والأحفاد).. وفيه تجمعت العائلات ذات الأصول الواحدة فى حارات محددة، وقد انعكس ذلك على التكوين العام للمدينة، حيث ظهرت على شكل تجمعات من النسيج المترابط الناتج عن اتصال وتداخل هذه الأحواش فيما بينها.


منظر لمدينة الخليل 

وما يميز هذه الأحواش العلاقة الاجتماعية بين السكان، مع العلم أن هناك أصولا مختلفة للعائلات بالخليل، منها أصول من العراق والحجاز والمغرب، وبثقافات مختلفة، ومع ذلك عاشوا بترابط اجتماعى قوى جدا، فلكل عائلة حوش يمثلها، والحارة تضم عدة أحواش، وتربط العائلات فيها علاقات مميزة، وهذا أعطاها جمالا ومزيجا اجتماعيا وخصوصية لبيوتها، ففى البيت الخليلى تتجلى الأصالة والبساطة والسماحة، فهو يؤمن لساكنيه الخصوصية من أعين الفضوليين، ويحافظ على أواصر الدم والقربى، والبيت بسيط فى خطوطه ونسيجه.
 
وفى البيت الخليلى الذى يتألف غالبا من طابقين رئيسيين يرتفعان فوق قاعات أو مخازن، ويحتوى الطابق الأرضى على فعاليات تجارية ومهن حرفية أولية. ويؤمن عدم وصول مياه الفيضانات إلى البيوت، ويؤمن الخصوصية، وفيه ما تسمى بالقاعة، وهى مخزن ذات باب عادى تستعمل لأغراض البيت، أو توضع فيها الحيوانات إن وجدت، وقد راعى التصميم الظروف المناخية واتجاهات الرياح السائدة فى توجيه الفتحات والأفنية الداخلية، بحيث تسمح بالتهوية والإضاءة مع كسر حدة أشعة الشمس الساقطة عليها مع بروزها؛ ما يسمح بإلقاء الظل إلى الداخل، بالإضافة إلى إيجاد الخصوصية اللازمة داخل الغرف.
 

             مدينة الخليل القديمة

وتميز المسكن الخليلى بقبابه التى أضفت على خط السماء فى المدينة طابعا جماليا أو بصريا مميزا، ولأنه كان مطلوبا من الخليل أن تحمى نفسها وبنفس الوقت أن تكون مفتوحة على العالم، ولذلك لا يمكن لها أن تكون محاطة بالأسوار، فاستطاع سكانها أن تكون مدينتهم مفتوحة على العالم وبذات الوقت لم يبنوا الأسوار، فحموا أنفسهم من خلال العمارة وجعلوا المبانى متلاصقة، لها أبواب ومداخل محدودة داخل البلدة القديمة، مما ساعد شعور أفرادها القاطنين فى البلدة القديمة بالأمان من الأعداء لأن جدران البيوت تشكل سورا حول المدينة القديمة، إضافة إلى تظليل المنازل على بعضها وعلى الناس المارة بجانبها، بل ممكن أن تذهب إلى حارة يسكنها 200 شخص، ويكون مدخلها عبارة عن باب صغير كأنه باب منزل أو مخزن، وهذا أسلوب معمارى تم تصميمه لحماية البلدة”.
 
وبالبلدة القديمة شارع عام واحد فقط، فإذا داهمها الخطر وبلحظة واحدة، فلن ترى شخص بالشارع فالكل قد دخلوا فى ممرات أبواب مختلفة، فى حين أن من يهاجمهم لن يستطيع معرفة المداخل أو المخارج، وهذا يعكس الإبداع بالعمارة والبناء داخل البلدة القديمة، والحرص على البقاء كمركز تجارى مفتوح، وهذا يعد منظومة فريدة غير مكررة بالعالم”.
وتعود بعض المبانى السكنية فى البلدة القديمة من الخليل إلى نهاية العصر المملوكي، على الأقل الطبقة الأرضية فيها، أو بعض أجزائها أحيانا، أما بقية المسكن فيعود فى غالبية أجزائه المعمارية إلى العصر العثمانى 1517-1917.
 

مبانى مدينة الخليل


أما مساكن المدينة فى العصر العثمانى وخاصة فى نهاية هذا العصر فقد تقاربت وتلاصقت، مما أدى إلى التوسع الرأسى على حساب التوسع العمرانى الأفقي، فكانت المساكن ملتصقة مشكلة سورا للمدينة، وتتكون من طبقات ثلاث وهى؛ سفلى ووسط وأحيانا يعلو الثانية طبقة أخرى تسمى القصر أو العلِّية.
ويبقى المعيار الثانى الذى استطاعت الخليل إثباته عالميا، ، وجود الحرم الإبراهيمى وأهميته الدينية وتأثيره على عادات وتقاليد وقيم أهل المنطقة للدخول ضمن القائمة”.
فالمسجد الإبراهيمى يتوسط البلدة القديمة ويشكل منارتها، وهو ثانى أهم المعالم الدينية للمسلمين فى فلسطين بعد المسجد الأقصى، وقد سمى بهذا الاسم نسبة لسيدنا إبراهيم عليه السلام، حيث يحتضن ضريحه إلى جوار ضريح زوجته سارة وأضرحة كل من إسحق ويعقوب وزوجتيهما رفقة ولائقة.
وحافظت الخليل على العادات والتقاليد والموروثات عبر المئات بل الآلاف من السنين، فالتكية الإبراهيمية لا تزال شاهدة على ذلك، وهى المقامة منذ عهد النبى إبراهيم، وتقدم الطعام للفقراء وعابرى السبيل والغرباء عن البلدة، حتى اشتهرت الخليل بأنها “المدينة التى لا يجوع فيها أحد”. كما كانت الخليل فى الفترة المملوكية مركزا للطريقة الصوفية، ومازالت البلدة القديمة تضم ما يزيد عن 15 من الزوايا الصوفية. ويقول شاهين “كان طلبة العلم من مختلف مناطق العالم يأتون للخليل لطلب العلم والمشاركة فى الزوايا الصوفية، عدا عن الروحانيات التى أكسبها الحرم الإبراهيمى للمدينة.محافظا على خصوصيته؛ لوحده يمكن أن يؤهل الخليل لتكون مدرجة فى لائحة التراث العالمي”.
وهنا لابد من الاشارة إلى أن هذا الملف لتقديمه لليونسكو إستغرق عامين ونصف العام، وتم تسليمه عام 2012.
وكانت فلسطين وقتها ليست عضوا فى منظمة اليونسكو، ولم يكن لديها الحق بتقديم الملف، ولكن بعد انضمامها تمكنا من تحقيق إنجاز وضع بيت لحم وبتّير على لائحة التراث العالمي، وبعدها جاءت مدينة الخليل”.

(71 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع