تراث

"الحناء" على الحدود.. موروث شعبى لإثبات الوجود

إن إنتشار ثقافة "الحناء" كما نراها الأن فى الكثير من المجتمعات والبلدان، أياً كانت بدائية أم متحضرة، عربية أو أجنبية، لم تكن هباءً أو جاءت إلينا من فراغ، بل عٌرفت فى الماضى البعيد لدى شعوب العالم القديم، ثم إنتقلت عبر الأجيال المتعاقبة وصولاً الى عصرنا الراهن، فإنتشرت بين عامة الناس كفعل إجتماعى يمارس بطريقة جماعية لا يقتصر على فرد بعينة، مما أصبحت عنصراً ثقافياً يتم إستخدامه طبقاً لطقوس خاصة لازمت تلك الليلة المعروفة بـ "ليلة الحنة"، ونظراً لإستمرارية هذة الطقوس لفترات طويلة من الزمن، جعلت إن ما يتم فيها من سلوكيات وممارسات موروثاً ثقافياً يعبر عن الإنسان وثقافته التى ينتمى إليها وتنتمى إليه، على الرغم من إختلافها من مجتمع الى أخر ومن بيئة الى أخرى، وذلك طبقاً لإختلاف ثقافة كلاً منهما عن الأخر. 



وهنا نجد أن إستخدام مسحوق "الحناء" فى عملية تخضيب الجسد أو بعض من أجزاءه كعنصر ثقافى، جعلها تحمل بين جيناتها خصائص العادة الشعبية، فى كونها سلوكاً متوارثاً يرتكز الى تراث قديم راسخ يدعمها ويغذيها، حتى وإن طرأ عليها بعض التغيرات سواء بالحذف أو بالإضافة، أى إنها تتحرك كعادة شعبية بين الناس وفق إرادة واعية بأهمية التشبث بها أو التنازل عن بعض مفرداتها(1 )، وهذا ما يجعلها أن تتخذ أشكالاً مختلفة وصوراً متعددة على مر العصور، إلا إنها ترتبط بلا شك بزمن معين ومكان محدد، أى تسير وفقاً لطبيعة حركة الزمان(2 )، وهذا ما يدل على تمتعها بقيمة وظيفية عالية فى المجتمع(3 ).



فعندما نتحدث عن طقوس "ليلة الحنة" ومراسمها المختلفة فى مجتمع من المجتمعات، فإننا نكشف بالطبع عن مرحلة هامة من مراحل حياة الإنسان فى ذلك المجتمع، حيث تمثل هذة الليلة أحد المراحل الإنتقالية التى يعبر من خلالها الفرد من مرحلة الى أخرى، أى إنتقالاً من مرحلة العزوبية الى عيش الزوجية، كما إنها تندرج فى الأساس تحت مظلة (عادات دورة الحياة) المرتبطة بمرحلة الزواج(4 )، وربما قد يرجع تسميتها بهذا الأسم، نسبةً لإستخدام مسحوق هذا النبات (نبات الحناء) بغرض التزين والتجميل لكل من العروسين فى حفل الزفاف، حيث يتم وضع عجينة الحناء بعد تجهيزها فى بعض الأماكن المراد تخضيبها، إلا أن طريقة وضعها ووصولها الى شكلها النهائى بعد إجراء عملية التخضيب تختلف عند الجنسين، حيث توضع عجينة الحناء بالنسبة للعروس على هيئة نقوش مختلفة تحتوى على مجموعة من الأشكال الهندسية أو الرسومات الجميلة التى تحاكى الطبيعة، أما بالنسبة للعريس فيتم تخضيبه فى الأيدى والأرجل فقط(5 )، وهذا ما يتم ممارسته أثناء "ليلة الحنة" عند أبناء مجتمعات الحدود الجنوبية، وخاصةً فى كلاً من هاتين المنطقتين (النوبة - حلايب وشلاتين)، إلا أن بعض مفردات هذة العادة قد إنتشرت فى وقتنا الحالى بشكل أكبر فى مختلف أنحاء محافظات الجمهورية.



وإذا نظرنا الى ما يتم ممارسته فى هذة الليلة من طقوس، فضلاً عن الوصف الدقيق لما يحدث فيها من مراسم إحتفالية، نجد أنها تحتوى على الكثير من الموضوعات الرئيسية التى تضمها "الثقافة الشعبية" ذلك المٌصطلح العربى الذى يقابل المٌصطلح الإنجليزى "Folklore" 
 (6 )، سواء من عادات ومعتقدات وفنون وخبرات ومعارف، تتصف جميعها بصفة الشعبية، لآنها تعبر عن رأى الجماعة الشعبية المنتجة والمتلقية لهذة الثقافة، وهى تلك المفردة الدالة على حصيلة الخبرات والمعارف التى حصلت عليها جماعة من الجماعات البشرية، حيث تتجلى فيها سلوكاً فى الحياة، وتتحدد إنساقها القيمية والمعتقدية والمعرفية والجمالية، التى تعبر عن نظرتها للوجود الإجتماعى والطبيعى، كما حدد الدراسات الإنسانية المعاصرة الموضوعات التى يشملها ذلك المصطلح بإنها القيم والمعارف والخبرات والتصورات والمعتقدات و الأعراف والتنظيمات، والتغيرات الفنية، وأساليب العمل والإنتاج وأدواته وعلاقاته، وأى قدرات أخرى يكتسبها الفرد بوصفه عضواً فى المجتمع (7 )، فهى ليست مجرد طقوس عادية عابرة فحسب، بل إنما طقوس تراثية ومتوارثة فى نفس الوقت، أى إنها تجمع بين التراث والموروث، لتعكس صورة حية واضحة لثقافة ذلك المجتمع فى الماضى والحاضر، فقد جمعت بين عناصر الثقافة المادية "الملموسة" واللامادية "المحسوسة"، مما يعنى أن الواقع الميدانى للثقافة الشعبية يبين ذلك الكل الذى يتكامل فيه المادى واللامادي، كأنه الروح للجسد، فالجانب المعنوى يحقق وجوده بمظهره المادى، والجانب المادى يحقق وجوده الثقافى بواسطة المعانى والقيم التى تٌسبغ عليه (8 ).  



ومن خلال هذة السطور سنعرض بعض عناصر التشابة والإختلاف أثناء ممارسة هذا الموروث الثقافى فى كلاً من هاتين المنطقتين الجنوبيتين، مع الوضع فى الإعتبار أن طبيعة البيئة سواء النيلية أو الصحراوية قد تؤثر بشكل أو بأخر على حاملى تلك الثقافة، حيث أن المناطق الثقافية الجنوبية التى تتمثل فى الإقليم الواقع بأقصى جنوب مصر يشترك مع إقليم شمال السودان فى ثقافة واحدة، وهذة الثقافة تعتبر مزيجاً بين الثقافتين، نتجت عنها وجود جماعة شعبية ذات تميز وتفرد شديد الخصوصية، حيث إستطاعت أن تخلق لنفسها ثقافة متميزة تعرف بـ «ثقافة الحدود»، وهذة الثقافة تمثل خليط متنوع من عناصر ثقافية شديدة التجانس(9 )، فأصبحت تمثل حلقة الوصل والصلة بينهما، مما جعلت هذة المناطق تزخر بحركة دائبة منذ القدم. 



فمن حيث عناصر التشابة من حيث (الأزياء)، نجد إن أبناء النوبة وأفراد قبائل البشارية يشتركون فى عنصر "الزى التقليدى الموحد"، وهذا الزى لا يقتصر إرتدائه فى هذة المناسبة فحسب، بل إنما يتم إرتدائه بصفة دائمة، فهو يتكون من الجلباب "جلابية" والسروال والعراقى والصندل والعمامة والشال والصديرى، واللون السائد فيها هو "الأبيض"(10 )، وهذا يدل على أن العوامل المناخية فى هذة المنطقة الجنوبية قد أثرت بشكل مباشر على تحديد نوعية أقمشه الملابس وألوانها السائدة لدى سكان هذة المناطق على الرغم من إختلاف طبيعة البيئة فى كلاً منهما(11 )، أما من حيث (الأدوات والخامات) المستخدمة فى عملية التخضيب نفسها نجد كلها واحدة، بالإضافة الى أن طريقة وضعها لكل من العروسين متشابهة بصورة كبيرة الى حد ما كما ذكرنا سابقاً، كما أن جميع الرسومات والأشكال التى تتزين بها العروس تحاكى البيئة والطبيعة المحيطة، أما من حيث (الآلات الموسيقية) المستخدمة كأحد العناصر الأساسية فى الإحتفال ضمن هذة الطقوس، حيث نجد ألة (الطنبورة) فى النوبة وهى كذلك تٌعرف لدى هذة القبائل بـ "الباسنكوب"، وهى من أقدم الآلات الموسيقية الوترية ذات الإيقاع الخماسى "الهارمونى"، والتى عٌرفت فى مصر القديمة فى عصور ما قبل التاريخ، وكانت تسمى "كنر" و "كنارة"، ولا زالت تصنع بنفس الشكل حتى يومنا هذا(12 ) بالإضافة الى إستخدام "الدٌف" عند النوبيين، أما من حيث (المعتقدات الشعبية) قد نراها متشابهة أيضاً على هيئة صورة مكملة لزينة العريس، حيث نلاحظه يرتدى شريطة حمراء اللون على جبهته يتوسطها هلال يشبة لون الذهب، وكذلك حريرة أخرى تحمل نفس اللون يرتديها فى يداه وبها خرزة زرقاء، وهذة الألوان بالطبع لها مدلولات غيبية أو ما وراء الطبيعة "ميتافيزيقى" وذلك لصد قوى الشر أو لمنع الحسد، إعتقاداً بأن إرتداء هذة الأشياء قد تساعد على حماية العريس من هذة الأمور الإعتقادية، أما من حيث ميعاد ممارسة هذة الطقوس فهى تتم فى أغلب الأحيان فى المساء وتظل مستمرة الى أوقات متأخرة من الليل، وهذا قد يرجع أيضاً لطبيعة العوامل المناخية فى هذة المنطقة الجنوبية، مما لا يتيح لها ممارستها فى أوقات النهار.



أما من حيث أوجة الإختلاف، فإننا نجد على رأسها (اللغة) التى يتحدثون بها كلاً منهما، فالنوبيون يتحدثون باللغة النوبية، أما أفرد هذة القبائل "البشارية" فهم يتحدثون باللغة "البداويت أو التبداوية"(13 )، إلا أن اللغتين ينتمون الى اللغات الحامية الكوشية، وهذة اللغة تستخدم بالتالى فى الكثير من الأغانى المصاحبة والمخصصة أثناء ممارسة هذة الطقوس، بالإضافة الى (الرقص الشعبى) فإننا نجده بلا شك يحاكى البيئة والطبيعة، فالنوبيون فى رقصهم يتقمصون حركات الطيور التى تحوم بيئتهم الطبيعية، وكذلك أمواج النيل المتدفقة الذى يجرى من بين قراهم يميناً ويساراً، ويستخدمون فى هذة الحركات الراقصة السوط "الكرباج" والسيف، أما أفراد هذة القبائل فهم يتقمصون حركات "الإبل" التى تمثل شعار البيئة الصحراوية، وقد يرجع ذلك لإرتباطهم الشديد بهذا الحيوان فى كافة أمور حياتهم اليومية، كما نجد إستخدام السيف والسوط "الكرباج" والدرقة "الدرع"، مما يدل على تأثرهم بطبيعة البيئة الصحراوية القاسية وما تحتوية من حيوانات شرسة وطيور جارحة وزواحف سامة، قد يتعرض أفرادها الى الأذى إذ لم يحمل معه هذة الأدوات، فإستخدامهم لهذة الأسلحة الحالية حتى وإن طرأ عليها بعض التغيرات عن الماضى، فإنهم يعتمدون عليها بصفة أساسية فى كافة مظاهر الحياة، وهذا ما نراه بوضوح عند أدائهم لكافة رقصاتهم الشعبية التى تشبة الرقصات القتالية أو رقصات الحرب.   
وهنا يمكننا القول بوجود عناصر تشابة بين هاتين الثقافتين أثناء ممارسة طقوس الحناء فى ليلة الحنة. 
إستند الباحث أثناء كتباته لهذة المقالة الى المصادر التالية:
_______________________________________________
(1) سميح شعلان. العادات والتقاليد الشعبية.- القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والإجتماعية، 2007.- ص 9.
(2) سميح شعلان. العادات والتقاليد الشعبية، مرجع سابق، ص 9.
(3) محمد الجوهرى. علم الفولكلور الأسس النظرية والمنهجية.- القاهرة: مركز البحوث والدراسات الإجتماعية، 2016.- (المجلد الأول، ص35).
(4) محمد الجوهرى. علم الفولكلور الأسس النظرية والمنهجية، مرجع سابق، ص37.
(5) محمد أبو شنب. الحناء فى ليلة العمر.. تطريف وتقميع ونقش بديع.- الجمهورية.- 18/9/2015.
(6) صلاح الراوى. فلسفة الوعى الشعبى.- القاهرة: درا الفكر الحديث، 2001.- (ط 1، ص 14).
(7)عبد الحميد حواس. المادى وغير المادى فى الثقافة الشعبية (رؤية عربية)، س 3،ع 9 (ربيع 2010).- ص 10.
(8) عبد الحميد حواس. المادى وغير المادى فى الثقافة الشعبية (رؤية عربية)، مرجع سابق، ص 15.
(9)جيهان حسن مصطفى. الزواج والبيئة فى منطقة الشلاتين.- القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2009.- 173 ص.- (الطبعة الأولى، ص 95).
(10) مصطفى عبد القادر. عادات الزواج فى بلاد النوبة.- س 6، ع 23 (خريف 2013).- ص 209.
(11) سوزان يوسف. الحياة الشعبية جنوب البحر الأحمر.- القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والإجتماعية، 2002 (ط1، ص 34).
(12) محمد شبانه. أغانى الضمة فى بورسعيد.- القاهرة: المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.- 2006.- ص 191 – 192.
(13) محمد عوض محمد. الشعوب والسلالات الإفريقية.- القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1965.- ص 250.
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع