تراث

حاور غاندي وتتلمذ على يديه التابعي وشيع جنازته أباظة..

"الحضارات" تكشف حقيقة المتحدث الرسمى للملك فاروق الذي أسقطته نقابة الصحفيين من جداولها

هو واحد من عمالقة الصحافة الذين طويت صفحات حياتهم فى النصف الأول من القرن العشرين دون أن يكون له من الذكرى والتكريم مكان بيننا الآن، بل أن الكثيرين ومنهم أبناء المهنة لا يعرف أى شيء عن مشواره وإسهاماته وانفراداته المتعددة رغم أن الملك فاروق اختاره متحدثا رسميا للقصر الملكى، وتتلمذ على يديه العديد من الصحفيين أبرزهم محمد التابعى "أمير الصحافة".. ومنحه "غاندى" الزعيم الروحى للهند، خاتمه الخاص هدية بعد قيامه بإجراء حوار سياسى معه.
 
الصحفى عزيز طلحة محرر جريدة البلاغ
 
إنه الصحفى "عزيز طلحة" صاحب التاريخ الكبير.. الذى سقط اسمه وتاه رقم عضويته فى دواليب نقابة الصحفيين وخرج موظف بها ليؤكد أنه غير مقيد فى جمعيتها العمومية ولا يوجد شخص بهذا الاسم ضمن صفوفها!! فى حين أن النقابة ذاتها قد كرمته عقب وفاته عام 1945 وأسرعت ببناء شاهدا للقبر على مدفنه الخاص فى مقابر الوزير أشارت فيه إلى أن هذا التذكار لأحد أعضائها تقديرا لجهوده الصادقة فى خدمة الرأى العام، وقد قامت جريدة البلاغ بنشر خبر الوفاة وتفاصيل الاحتفال بتشييع جنازته فى عددين متتاليين يوم 21، 22 فبراير عام 1945 ونكتف بذكر ما جاء فى العدد الثانى من البلاغ كما هو بالكلمة والنص حتى ينتبه ويعلم الصحفيون المكانة اللائقة التى كانوا يحظون بها فى الماضى:
"احتفل أمس احتفالا كبيرا بتشييع جنازة فقيد الصحافة المغفور له الأستاذ عزيز طلحة المحرر بالبلاغ وقد تقدم موكب الجنازة ثلة من رجال البوليس المشاة والركبان وحملة باقات الزهور المهداة من أصدقاء الفقيد من رجال الصحافة وغيرهم ثم نعش الفقيد وخلفه أشقاؤه وأعضاء أسرته والمشيعون وفى مقدمتهم الأستاذ حسن النحاس بك السكرتير العام لمجلس الوزراء نائبا عن صاحب الدولة أحمد ماهر باشا رئيس الوزراء والأستاذ حسن فؤاد طوب صقال نائبا عن صاحب المعالى محمود فهمى النقراشى باشا وزير الخارجية وحضرات الأستاذ فكرى أباظة بك نقيب الصحفيين وأعضاء مجلس النقابة وأعضاء أسرة البلاغ يتقدمهم الأستاذ محمد عبدالقادر حمزة وكثير من زملاء الفقيد رجال الصحافة اليومية والأسبوعية وكثير من حضرات المستشارين ورجال القضاء والنيابة واللواء محمد صادق باشا قومندان البوليس فى القصر الملكى والاميرالاى حسين زهدى بك حكمدار بوليس مصلحة السكك الحديدية والاميرالاى محمد شكرى بك مدير إدارة المرور والدكتور محمد صلاح الدين بك والاميرالاى على حلمى بك قومندان كلية البوليس وغيرهم وسارت الجنازة من جامع قيسون إلى جامع الرفاعى ثم تقبل أشقاء الفقيد الكريم يتقدمهم الأستاذ شكرى طلحة بك المستشار عزاء المعزين ثم وضع نعش الفقيد على سيارة تبعها كثير من المشيعين حتى مدافن الأسرة فورى الفقيد مبكيا عليه مذكرة شمائله، وفى المساء أقبل المعزون على سرادق المأتم الذى أقيم فى دار الفقيد بمصر الجديدة فكرروا تعزيتهم لأسرته وقد امتلأ السرادق بكثير من الكبراء ورجال الصحافة ورجال القضاء وغيرهم وقد تقبل وفد من نقابة الصحفيين تعازى المعزين مع أفراد أسرة الفقيد رحمه الله رحمة واسعة والهم آله وزملاءه وأصدقاءه الصبر، هذا وقد أبلغنا الأستاذ مصطفى القماشى سكرتير نقابة الصحفيين أن أعضاء النقابة سيجتمعون قبل ظهر يوم الجمعة 2 مارس القادم فى نادى النقابة ليقصدوا بعد ذلك إلى قبر الفقيد لزيارته ولينثروا عليه الزهور والرياحين ويقرأون الفاتحة ويوزعون الصدقات .
 
شاهد القبر 
 
 
 
الصحفى عزيز طلحة مع سعادة حسن نشأت باشا رئيس حزب الاتحاد 
خارجا من مجلس الوزراء بعد زيارته لرفعة الرئيس يوم 12 / 4 / 1931
 
 
ولد "عبد العزيز رفعت طلحة "الشهير بعزيز طلحة فى حى الدرب الأحمر عام 1893 وعمل فى بداية حياته ملاحظ بوليس فى قسم "الأفرنج " ببورسعيد" ثم ضابطا فى قسم الخليفة عام 1920 ومن بعده قسم "الدرب الأحمر" ثم انتقل للخدمة فى قسم "ببا" بمحافظة بنى سويف عام 1921 وقسم مدينة بنى سويف عام 1924 لكنه ترك الخدمة وقدم استقالته عام 1928 من أجل التفرغ لمهنة الصحافة التى كان يعشقها حتى أنه رفض الزواج أيضا لأنه سوف يتعارض مع مواعيد عمله إلى منتصف الليل حيث تولى العمل فى جريدة البلاغ مع محمد عبد القادر حمزة باشا، كما أسس صحيفة المعلم مع الشيخ محمد حسن الفقى المفتش العام بوزارة المعارف عام 1930 وخاض معارك عنيفة من أجل إصلاح أحوال المعلم الذى كان يعانى الإهمال الشديد ويأخذ طريقه نحو الانحدار بسبب سياسة الحكومة التى دعت إلى إلغاء المصروفات دون تقديم أى دعم للمدارس أو العاملين فيها، وقد توالت أعداد صحيفة المعلم رصينة وقوية وجذابة، واستقطبت أقلام العديد من رجال الدين والسياسة والفكر والأدب من أمثال الدكتور محمد حسين هيكل والشيخ يوسف الدجوي والدكتور يحيي أحمد الدرديري والشيخ طنطاوي جوهري وإبراهيم عبد القادر المازني والسيد محمد رشيد رضا وأحمد فؤاد الأهواني والشاعر محمد الخفيف وكامل كيلاني والآنسة زينب الحكيم.
 
مع محمد محمود باشا رئيس الوزراء فى مطار الإسكندرية
 
 
وتتلمذ على يديه أيضا الصحفى الكبير محمد التابعى الذى طلبت منه السيدة روز اليوسف أن يشارك فى تحرير المجلة التى ظهر العدد الأول منها عام 1925 لكنه حرص على أن يتعرف أولا على بعض الأمور الفنية فى الصحافة مثل التوضيب والتصحيح والشطب ولجأ إلى عزيز طلحة الصحفى بجريدة البلاغ لكى يكتسب هذه الخبرات.. 


 
كما عمل مع " توفيق دياب " فى جريدة الجهاد سنة 1931، و"على عبدالرازق" فى جريدة السياسة الأسبوعية التى كانت لسان حزب الأحرار الدستوريين وتبنى منذ اليوم الأول لصدورها مشكلة قضية الخلافة التى لم تكن قضية دينية بقدر ما كانت قضية سياسية وظهرت على صفحات سنتها الأولى مجموعة من أهم المقالات التى عرفها تاريخنا الثقافى المعاصر عن العلاقة بين العلم والدين وهى المقالات التى أسهم فيها عزيز طلحة وطه حسين ومحمد حسين هيكل والشيخ عبد ربه مفتاح وغيرهم من الذين حاول أغلبهم تحرير إشكال العلاقة بين العلم والدين وتحطيم القيود المفروضة على الحرية المتاحة للمثقف فى المجتمعات التقليدية والعمل على توسيع رقعتها إلى أبعد مدى، كما كانت له معارك أدبية عديدة مع أصدقائه المجددين عباس العقاد وطه حسين والمازنى ومحمد حسين هيكل وزكى مبارك وسلامة موسى وقد دارت هذه المعارك مع معسكر المحافظين من أمثال الرافعى وأحمد ذكى باشا وفريد وجدى وشكيب أرسلان ورشيد رضا . وفى عام 1937 استعان به الملك فاروق ليكون المتحدث الإعلامى عن سياسة القصر والحكومة نظرا لثقافته الواسعة وإجادته للعديد من اللغات الأجنبية حيث كان مترجما ومتحدثا فصيحا للغة الألمانية والانجليزية والفرنسية وظل دائما فى مقدمة المستقبلين لكبار الزوار..
 

عزيز طلحة مع بعض رجال السياسة والصحافة فى دولة اليابان عام 1940
 

مع الشيخ حافظ وهبة المستشار الخاص للملك عبد العزيز أل سعود
 
أما أشهر مغامراته الصحفية فكانت نجاحه فى اختراق كل الحواجز والحشود والعقبات التى فرضت على رحلة الزعيم السياسى الشهير "المهاتما غاندى" أثناء مروره من مصر متوجها إلى انجلترا لحضور مؤتمر المائدة المستديرة عام 1931 حيث رفض الانجليز نزول غاندى من الباخرة "راجبوتانا " عند قدومها ومرورها على مدينة السويس ثم بورسعيد وذلك خوفا من أن يثير وجود غاندى بين الجماهير الغضب والانقلاب عليهم وخاصة أنه كانت هناك حشود ضخمة سواء من المصريين أو أبناء الجاليات الهندية والأسيوية فى انتظار غاندى وأيضا على طول الطريق لكن عمله السابق بالبوليس جعله يتوقع كل هذه الصعوبات ورسم خطة نجح من خلالها إلى الصعود على ظهر الباخرة مع اثنين من زملائه هما الأستاذ عبد الحميد الغمراوى ومحمد لطفى جمعة المحامى حيث قضى الثلاثة 8 ساعات مع غاندى وخرجت البلاغ يوم 7 سبتمبر 1931 بعنوان رئيسى: مع "غاندى من السويس إلى بورسعيد".. "غاندى يحيى مصر على يد البلاغ.. " رأى غاندى فى الزعيمين سعد والنحاس".. "تحية إلى المرأة المصرية". 
 

وقد حمل مندوبو البلاغ الثلاثة رسالة من لجنة الوفد وزعيمها دولة النحاس باشا إلى الزعيم غاندى والذى تناول ورقة كتب عليها بيده اليسرى رسالة صغيرة إلى الشعب المصرى عن طريق جريد البلاغ وهذه الرسالة هى "تمنياتى الطيبة لبلادكم العظيمة والقديمة" كما وجه رسالة إلى الوطنيين المصريين طالبهم فيها باستمرار العمل لإدراك حريتهم الصحيحة، وقد أدلى غاندى لمندوب البلاغ عزيز طلحة بتصريحات على أعظم جانب من الخطورة أعرب فيها عن يأسه من نجاح مؤتمر المائدة المستديرة ووجه إنذارا إلى الاستعمار البريطانى بأنه إذا فشل المؤتمر فستكون العاقبة استئناف حركة العصيان المدنى مهما تعرض الناس فى سبيلها لأذى يفوق ما لقوه فى العام الماضى، وقد بلغ عدد ممثلى الصحف الكبرى الذين حضروا لاستقبال غاندى 14 صحفيا من بينهم الصحفى الكبير محمود أبو الفتح مندوب الأهرام ومستر مورفن مراسل الديلى تلغراف، ومستر ليفى مراسل نيويورك تايمز وعندما طلب منه أخذ مجموعة من الصور قال غاندى: أنه على استعداد لأن يقف للمصور على شرط ألا يكون فى الصور معه إلا المصريون ثم دعا مندوب البلاغ إلى الجلوس بجواره بعد الانتهاء من حواره السياسى المهم قام بإهدائه خاتمه الخاص الذى كان يحمل نسر صغير تقديرا له وقال: "إن هذه هى المرة الرابعة التى يمر فيها بمصر وكانت المرة الأولى سنة 1881 وهو ذاهب إلى انجلترا فى طلب العلم وقد كان فى ذلك الوقت يبلغ من العمر 18 عاما وكانت المرة الثانية فى سنة 1901 وهو راجع إلى الهند من أوروبا بعد أن سافر إليها من إفريقيا الجنوبية وكانت المرة الثالثة سنة 1914 عند عودته من أوروبا إلى الهند وقد زار في هذه المرة مدينة بورسعيد.
 

عزيز طلحة مع صاحب المقام الرفيع محمد محمود باشا رئيس الوزراء خلال اجتماع للزعماء الفلسطينيين للتحدث فى شئون القضية الفلسطينية والمرحلة التى انتهت إليها.
 
 
ثم انتقل بحديثة عن مصر وعندما جاء ذكر المغفور له سعد باشا، قال غاندى إنه كان رجلا عظيما وهو أحد الذين أنشأوا مصر الحديثة وأن هذا هو اعتقاده أيضا فى الزعيم النحاس باشا.. وبعد أن أقلعت الباخرة من السويس قام غاندى من مكانه وذهب ليطل على بحر مصر وبرها وكان بجواره عزيز طلحة الذى أخذ يحدثه عن التربة المصرية فقال غاندى: لقد قرأت عن مصر كثيرا وخصوصا تاريخها القديم وأعرف أنها هبة من النيل ثم ابتسم وقال ليتكم تعطونا شيئا من خصوبة أرضكم فأننا نريد أن نزرع عندنا قطن البذرة الطويلة وقد أخذنا بذرتكم من عندكم وزرعتها بنفسى فى مزرعتى المعروفة باسم "الاشرم" ولكن المحصول لم يكن مرضيا وقد سأله مندوب البلاغ عن عدد ساعات عمله فأجاب بأنه يعمل 16 ساعة فى أغلب الأيام، كما سأله عن أحب أنواع الرياضة إليه فقال: "الغزل على مغزلى" وكانت الآنسة "سليت" قد أحضرت (للمهاتما) مغزله وفرشت له قطعة من القماش بنية اللون للجلوس عليها فجلس واضعا رجله اليسرى فوق رجله اليمنى وقد وضع المغزل أمامه من الناحية اليسرى وبدأ العمل فى حضور مندوب البلاغ الذى سأله أيضا عن الوقت الذى يقضيه فى الغزل كل يوم فقال أنه يقضى ساعة يوميا وأنه يغزل فى اليوم 214 ياردة. 


كانت هذه الرحلة بداية الشهرة الكبيرة التى حققها عزيز طلحة فى مشواره مع صاحبة الجلالة ورغم حبه وانشغاله الدائم بعمله إلا أن ذلك لم ينسيه الاهتمام بأفراد عائلته وطرق كل الأبواب من أجل إنقاذ حياة خالته التى أصيبت بمرض خطير وسانده الفريق الطبى للملك حيث أمده بعلاج البنسلين الذي كان علاجا حديثا وغير متوافر وقتها لكنه دفع هو ثمن إصابته بمرض التيفود الذى كان سببا فى موته ليرحل عن الحياة فى عز شهرته ومجده عام 1945 عن عمر يناهز 52 عاما.








تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع