تراث

الأطفال.. ضحايا التنقيب عن الآثار وموءودة العصر الحديث

قال الله تعالى وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ " وقال تعالى فى موضع آخر " وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ".
في العصر الجاهلي كانت الطفلة توأد في أحيان كثيرة، وفى أحيان أخرى يمسكها والدها على هون لما يُعير به. أما في العصر الحديث، فيوأد الوالد ابنه أو ابنته أو يختطف ابن شخص آخر لأجل حلم الثراء السريع، وهو الحصول على الكنوز الفرعونية من باطن الأرض.
بدأت القصة بخرافة واستمرت ككابوس يلاحق السذج من العوام. والقصة لها شقان تختلط فيهما العلم بالخرافة. 
 


الشق الأول: ترجع أحداثه إلى اكتشاف مقبرة توت عنخ أمون، هوارد كارتر رسام إنجليزى شهير، جاء إلى الأقصر ليرسم بعض اللوحات ويبيعها لكسب رزقه، وكانت تلك الزيارة قدرا غير حياته إلى الأبد. وجد العديد من الأثرياء الإنجليز الذين اشتروا حق التنقيب عن الآثار من مصلحة الآثار آنذاك، فاستهواه الأمر، وقابل اللورد الإنجليزي كارنارفون الذي كان في زيارة إلى الأقصر للاستشفاء. أقنعه كارتر بتمويل حملة للتنقيب عن الآثار، فاشترى كارنارفون حق التنقيب من ثرى آخر كان فقد شغفه بالموضوع.
وبعد عدة سنوات من الإخفاقات...عثر كارتر على مقبرة توت عنخ أمون سليمة؛ وعندها ارتكب الغلطة الأشنع والتى كانت كصندوق أطلقت عنان الأساطير والخرافات...اقتحم مدخل المقبرة ودخل مباشرة ومعه اللورد كارنارفون ومن ثم بدأت القصة.
 
أخرج كارتر مومياء توت عنخ أمون لدراستها، فهبت عاصفة عاتية منعتهم من إكمال عملهم. مات اللورد كارنارفون فى غضون ستة أشهر بالحمي، ومات عدد من العمال المنقبين عن المقبرة بحوادث مختلفة، ثم مات كارتر نفسه بعد ست سنوات، فأطلقت الصحافة لقب "لعنة إيقاظ الفرعون النائم"!!
 
الشق الثاني، بعد اكتشاف مقبرة المدعو" أمونتفنخت" كاهن أمون رع بطيبة في عهد الأسرة 27 عُثر على سائل لونه بني يميل إلى الاحمرار أسفل المومياء لا يزال هذا السائل محفوظاً في زجاجة تحمل ختم وشعار الحكومة المصرية، وتوجد داخل متحف التحنيط في مدينة الأقصر. وعند فتح التابوت وجد بجوارها هذا السائل الذي به بعض المواد المستخدمة في عملية التحنيط وهي عبارة عن (ملح نطرون، ونشارة خشب، وراتنج صمغي، ودهون عطرية، ولفائف كتانية، وترينتينا). 
نتيجة إحكام غلق التابوت على الجسد والمواد المذكورة، حدثت عملية تفاعل بين مواد التحنيط الجافة والجسد، أنتجت هذا السائل الذي وضع في هذه الزجاجة، وبتحليله وجد أنه يحتوي على 90،86 % سوائل آدمية (ماء، دم أملاح، أنسجة رقيقة) و (7،36 %) أملاح معدنية (ملح النطرون) و (0،12 %) محلول صابوني و (0،01 %) أحماض أمينية، و(1،65 %) مواد التحنيط (راتنج يتكون من صمغ + مادة بروتينية).
هذا السائل أطلق عليه الدجالون الزئبق الأحمر المصري! (عزيزي القارئ الفقرة التالية علمية بحتة فإذا لم تكن من هواة الكيمياء فانتقل إلى الفقرة التي تاليها مباشرة).
يحضر الزئبق بواسطة تسخين كبريتيد الزئبق (HgS) في الهواء وثم تكثيف البخار الناتج. وإذا اطلعت على الجدول الدوري للكيمياء ستجد أن الزئبق عنصر كيمائي رمزه Hg عدده الذري 80، لونه فضي، كثافته (13.54 جم/سم3)، يتجمد عند (-38.9 درجه مئوية)، ويغلي عند (356.9 درجة مئوية). مما يجعله مستحيل الاندماج مع أي لون أخر تحت أية ظروف كيميائية. وحتى في حالة الصفر المطلق وهي درجة الحرارة التي ينعدم عندها ضغط الغاز المثالي،وتعني الحالة التي تكون درجة حرارة المادة فيها أقل ما يمكن أن تصل إليه إطلاقا، وتقضي بأن جميع ذرات أو جزيئات المادة تكون لها أقل طاقة في تلك الحالة. ودرجة حرارة الصفر المطلق هي -237.16 درجة مئوية، وبذلك يصعب تلوينه أو اندماجه بأي لون، مما يعنى أن لونه لن يكون أحمر. كما أنه شديد السمية، ويستخدم في محولات الكهرباء وفى خاصية التمدد الحراري.
 


تلقى الدجالون والمشعوذون تلك القصة وجعلوها طعما للعوام ممن يبحثون عن حلم الثراء، وخاصة الفقراء منهم!! فأشاعوا أن الزئبق الأحمر يوجد في رقاب المومياوات، وكذلك في أجهزة تلفاز من ماركة فيلبس القديمة، أو في ماكينات الخياطة من ماركة سينجر، وفي الثلاجات التي تعمل بالفحم!! وأن الجرام منه يساوى ملايين الدولارات.
فاخترعوا قصة مستندين فيها على أن المصريين القدماء كانوا بارعين في السحر، فادعوا أنهم سخروا جِنًّا قويًا أو ماردًا يحرس الكنوز، لا يتزحزح من مكانه إلا بعد قراءة طلاسم معينة يعرفونها دون غيرهم، أو بتقديم قربان بشرى من الأطفال حديثي الولادة!! 
يُسمى هؤلاء الدجالون بالشيوخ!، ويصنفونهم حسب قوتهم، فالشيوخ أو السحرة المغاربة هم الأقوى وتسبقهم شهرة كاسحة، لا نعلم لها دليل! ثم السودانيون وأخرهم المصريون. والعجيب أن هؤلاء الدجالين ليسوا أغنياء أو حتى ميسوري الحال، وإنما بعضهم يعيش تحت خط الفقر أو على خط الفقر. فلماذا لم يستعملوا براعتهم تلك في جعل أنفسهم أغنياء؟ ولماذا يرضوا بالفتات؟
 
أحيانا يأتي هذا الدجال إلى الضحية، يوهمه أن أسفل منزله آثارا يطلق عليها العامة اسم "لَقِيةْ"، ومن هنا يبدأ استنزاف الضحية. يتفق معه الدجال أن يحصل على ربع أو ثلث ما يخرج من باطن الأرض، ويستعين الضحية بالثقات من حوله، يبدأون التنقيب وهنا تبدأ المرحلة الثانية، يداعب الخيال رؤوسهم وما يوهمهم به الدجال من قرب الوصول إلى الأثر بتغير طبقات الأرض، ومن الممكن أن يلقي بشقفة فخار ليوهمهم بالقرب، فتبدأ المرحلة الثالثة، تنطبع في الصورة الذهنية لدى المنقبين بقايا خرافات عن الجن الحارس تتشابه في أغلبها مع قصص ألف ليلة وليلة، فيأمرهم الدجال تارة بالتوقف عن الحفر لبرهةٍ ليقرأ طلاسمه وتعاويذه بحيث تعلو وتنخفض نغمة صوته مرة بكلمات مفهومة وأخرى بهمهات، وقد يحرق البخور، ويتلاعب الخيال بعقولهم فيصور له وجود صوت أو شيء يتحرك، تستغرق هذه المراحل عدة أيام، يستنزف فيها الدجال ضحيته ببعض المال وإذا كان مغتربا يتحمل الضحية إقامته وإعاشته. ويصل الأمر لذروته فيخبرهم أن "الرَصَد" يحتاج إلى الأضحية البشرية ليترك الكنز، فالدماء تعويض مناسب، ويُشتَرط أن تكون دماء طفل صغير يذبح بلا شفقة ولا يعرف لماذا قُتل. وتأتى المرحلة الأخيرة مرحلة الهروب، وفيها يعلن الدجال أن الجن أعلن وجود خائن في المكان أو يختلق صراعا ما، ومع تدفق الأحداث يسكر الضحايا من خمر، فيدخل الشك في قلوبهم فيعلن الدجال أن الجن "الرصد" قد نقل الكنز لمكان آخر ويتركهم ويرحل.
 


كل الأحداث السابقة حقيقية، وعندما تتكلم بالعلم والعقل والمنطق مع الضحايا يتهموك بتهمة جاهزة ألا وهي الجهل وتلاحقك نظرات الازدراء منهم، وكيف لا تصدق أن هذا الدجال صادق وأنهم غير محظوظين، وحجتهم أن الكنز للموعودين وليس للحاسبين "أي الباحثين عنه". هذا من ناحية العامة، أما من الناحية العلمية فنفندها كالتالي:
أولا: اختيار المكان الذي تنقب فيه البعثات الأثرية يخضع لمعايير علمية وتقارير حفائر سابقة تشير إذا كان هذا المكان به أدلة أو شواهد يحتمل منها وجود آثار في المنطقة.
ثانيا: تضم البعثات الأثرية مجموعة من العلماء ودارسي الآثار، ينفقون مئات الألوف من الدولارات وقد لا يخرجون طول موسم كامل من الحفائر سوي بتقارير عما توصلوا له من نتاج علمية.
ثالثا: إذا كان هؤلاء الدجالون صادقين فلماذا لا تضمهم البعثات إلى فريقها ويوفروا على أنفسهم عناء البحث وينقدونهم مبلغا كبيرا لن يصل إلى 2 أو 3% من قيمة ما تصرفه البعثة فعليا.
رابعا: لماذا لا يقاوم الجن "الرصد" المزعوم البعثات الأثرية أم أنه يخاف ممن معه تصريح حكومي!
خامسا: لماذا لا تصيب لعنة الفراعنة البعثات المنقبة عن الآثار؟ ببساطة لأنهم يتبعون قواعد علمية عند فتح المقابر أو الأماكن المغلقة، وذلك بتهويتها لفترة تكفي لتغيير الهواء الفاسد من طول فترة الغلق.
سادسا: عند تشييد أي منزل يتكون من طابق واحد على سبيل المثال يتم حفر أساسات المنزل بعمق يقارب 2م، وإذا زادت الطوابق إلى خمسة فيكون عمق الأساسات 4 م تقريبا. وعند الحفر لم تظهر آثار، فكيف تظهر بعد ذلك في نفس المكان؟!
 
جميع تلك الأحداث حقيقة حدثت في مدينتي، والأغرب أن كل من استعان بالدجالين أخفق في مسعاه ,, ومع ذلك يتعللون بأسباب واهية لإقناع أنفسهم أنهم لم يُخدعوا.

 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع