تراث

بعضها تم إحراقه وإغلاقه وأخرى تشكو العبث والإهمال..

مدارس قصور مصر

ـ الآثار تجاهلتها ولم تسجل إلا 6 قصور.. و"بوابة الحضارات" بالأهرام تقترح أطلس لإعادة إحيائها وتعريف الأجيال بها 
ـ خبراء: أنقذوا شامبليون من الناصرية.. وعشرات من القصور تاهت فى زحام الإهمال والفوضى 
 
يقول: ابني حصل على شهادة الثانوية من هذا القصر التراثى العظيم، وتقول: الأم كم كنا ننتظر استدعاء من إدارة المدرسة لأولياء الأمور حتى نستمتع بهذا التراث المعمارى البارع ونحكى لابننا كم هو فى مكان عظيم.. ويقول الابن: كل الذين حصلوا على شهادة إتمام المدرسة الثانوية من هذا القصر الذى تحول إلى مدرسة عشقوا تراث مصر وعمارتها، ولو كل طالب فى مدرسة كانت قصرا وعرف تاريخ هذا الأثر العظيم الذى عاش فيه وأنها من أجمل مراحل حياته التعليمية حتى آخر يوم فى حياته، لظل يحافظ علي هذا المكان ويتفاخر به ويحكى عنه لأولاده حتى آخر يوم فى حياته، فهى قصور تعبر عن عصور مختلفة توالت على المحروسة، قصور شاهقة ارتسمت عليها معالم البراعة والفن المعمارى، لكنها مع مرور الزمن ارتدت الزى المدرسى، وفى فنائها كل صباح تصدح أصوات الطلاب بنشيد بلادى بلادى لك حبى وفؤادى فى أرجائها كل صباح. 


 
عدد غير قليل من مدارس القاهرة التى اتخذت من القصور التاريخية مقرا لها، وعلى الرغم أن الفكرة في بدايتها لم تكن مألوفة، لكن مع الوقت أضحت مألوفة حتى أن معظم مبانى المدارس الكبرى العريقة المشهورة هى فى الأصل كانت قصورا، وتعتبر أحياء الدقى ووسط البلد والزمالك ومصر الجديدة، من أكبر المناطق التى تضم عددا كبيرا من مدارس القصور المشهورة على مدار التاريخ.
 
الغريب، أن وزارة الآثار لم تهتم كثيرا بهذه الظاهرة مما أسفر عن إخفاقها فى التسجيل الأثرى لهذه الأماكن اللهم عدد قليل لم يتجاوز 6 مدارس، وبزيارة مدرسة "قصر الدوبارة التجريبية الرسمية" واحدة من مدارس قصور مصر، يتبين لك بمجرد رؤيتها أنها كانت قصرا لأحد الملوك وتم تحويله إلى مدرسة، خلافا عن المبنى الذى يجاور القصر ويبدو عليه معالم البنايات التعليمية، أما عن مدرسة الخديوية فى شارع بورسعيد التى تخرج فيها عدد كبير من عظماء مصر، فقد كانت فى سراي مصطفى باشا بدرب الجماميز، ومعها مدرسة "الترجمة" و"المهندسخانة"، بل و"وزارة المعارف" ذاتها، وهى "السراي".
 


قصر مجهول.. وطابور الصباح
وأما وسط البلد التى تعج بالمبانى التراثية، إذا مررت بشارع "ريحان" ستلاحظ مبنى تراثى عريق عبث به الإهمال وتهشمت بعض أجزائه، إلا أنه مازال يحتفظ بزخرفة ونقوش عثمانية، وعلى الرغم من ذلك مازال يحتفظ بفخامته الإبداعية، لكن ما يلفت الانتباه أكثر فى "مدرسة القربية الإعدادية بنين" وهى واحدة من هذه القصور ستكتشف أنها تنقسم إلى حقبتين الأولى قصر يدل على العصور القديمة أما الثانى فهى مبنى تعليمى على الطراز المعروف له.
 
والمثير للانتباه أن نقوش الطابق الأول من القصر إسلامية، وأخرى خليط إسلامي متمدن، أما الطابق الثانى فتتميز نقوشه بالطابع الأوروبي، ويعود القصر إلى عشرات الأعوام، وكان قد تحول فى فترة من الزمن لمدرسة لتعليم القابلات "والقابلة أى السيدات اللاتى يقمن بعمليات التوليد" كبديلات للأطباء الذكور فى عمليات التوليد، معروف أنه توقف العمل بالمدرسة وفقا لمرسوم من وزارة التعليم الأساسي، بسبب تجدد الاشتباكات فى ذكرى أحداث محمد محمود من عام 2012.
 


 حريق الحوياتى وسلطان الضفائر.. 
وبطبيعة الحال عندما تأتى سيرة الإغلاق والتوقف عن العمل، كان لابد أن أذكرك بذلك المبنى الأثرى الجميل ذات الأعمدة الفسيفسائية، والذى تجلت فيه كل معالم الأصالة والبراعة المعمارية، قصر الحوياتى الذى تحول إلى مدرسة ثانوية للبنات فى عام 1944، هذا القصر أو المدرسة الذي كان يحتفظ ببعض مظاهره التاريخية، من سياج السلالم الحديدية المُطعمة بالنحاس على شكل جذوع أشجار، وشبابيك من الفسيفساء الملون تعكس ضوء الشمس حتى وقت قريب، للأسف الشديد أنها تعرضت للحرق أثناء أحداث محمد محمود، ما أدى لانهيار السقف المزين بالزخارف اليدوية، المطلية باللون الذهبي، وسياج السلالم الحديدية.



وما بين ضفائر الفتيات وأحلامهن، مازالت تتردد حكاية إنشاء قصر السلطانة ملك الذى أصبح مدرسة مصر الجديدة الإعدادية الثانوية للبنات "حيث إن فكرة إنشائه جاءت من انبهار السُلطان حسين كامل زوج الأميرة "ملك" بقصر البارون خلال حفل افتتاح القصر السبب في إنشائه، حيث أرسل رسالة إلى البارون لكّي يشتري منهُ القصر ولكنه اعتذر له، وقام بإنشاء قصرًا آخر أمام قصرُه عام 1911 م وأهداه إلى السُلطانة ملك زوجة السلطان حسين، التى ظلّت تعيش داخل القصر حتى وفاتها ليتم تحويله بعد ذلك إلى مدرسة مصر الجديدة الثانوية للبنات.
 
ومثلما فعلها السلطان حسين لزوجته السلطانة ملك، بنى في عهد الخديو توفيق سراي أمينة هانم عام 1886م، وكانت عبارة سراي للحريم وسلاملك للرجال، وملحقات ومنافع للخدم، ولا تزال بقايا السراي موجودة بعدما تحولت إلى مدرسة ثانوية للبنين سنة 1930، ثم مدرسة ثانوية تجارية للبنات، وما تبقى الآن منها تحول إلى مخزن لحفظ مخلفات المدرسة.
 


خطأ تاريخى..
وأما المفاجأة المحزنة كانت عندما سألنا الدكتور ضياء جاد، مدير عام البحوث والدراسات الأثرية بقطاع الآثار الإسلامية والقبطية عن تسجيل هذه المبانى أثريا ومدى اهتمام وزارة الآثار بها، فهل تتخيل أن الوزارة لم تكلف خاطرها أكثر من تسجيل 6 قصور فقط من بين مبان أثرية وقصور تاريخية أخرى تم تحويلها إلى مدارس "قصر السلطانة ملك"، وقصر الأميرة فريال "مدرسة الأزهار الابتدائية المشتركة"، أما وزارة التعليم العالى " قصر السلطانة الزعفرانة مقر جامعة عين شمس، قصر الملك فؤاد بكفر الشيخ، القصر الملكى بإدفينا، معهد الموسيقى العربية".
وأفاد جاد فى تصريحاته لـ"بوابة الحضارات "، أن القصور الأخرى غير مسجلة وربما تعود ملكيتها إلى أصحابه ويتم وهبها إلى جهة محددة، لافتا أنه منذ 1952 تم مصادرة جميع أملاك الباشاوات ومن ضمنها القصور ومنذ ذلك الوقت وهناك عدد قليل يتم تسجيله بالوزارة كأثر.
 


ونوه مدير عام البحوث والدراسات الأثرية بقطاع الآثار الإسلامية والقبطية، بأن الوزارة كانت تتولى الصرف على كل أثر حتى عام 2011 فقد نصت المادة "30" من الدستور المصري أن المكان الأثري المشغول من قبل جهة ما يتم الصرف عليه من موارد الجهة الشاغلة.
ومن جانبه أكد بسام الشماع، عالم مصريات، أنه من المفترض أن يتم تحويل جزء من القصور القديمة التى تشغلها مبان لأهداف أخرى إلى متاحف فى مجالات مختلفة مثل الطب والهندسة، ويتم تخصيص العائد منها لإنشاء المدارس تمهيدا لإخلاء هذا المبنى وتخصيصه للسياحة فقط.



ولفت الشماع، إلى أن احتلال المدارس للقصور أضر بالعديد منها وعلى سبيل المثال ما حدث بقصر شامبليون عندما تم تحويله إلى المدرسة الناصرية، مطالبا بضرورة إخلاء القصور التى يتم استغلالها لأهداف غير التى شيدت من أجلها.
وأوضح، أن أكبر غلطة تاريخية إهدار هذه القصور وتحويلها إلى مدارس، فبحكم العبث والإهمال بدأت تتلاشى، فالقصور أصلا ليست مؤهلة لهذا الغرض من حيث عدد الغرف وعدم جاهزيتها لاستقبال أعداد الطلبة لأنه تم إنشاؤها لأغراض السكن فقط .
 


وأشار باسم حلقة، نقيب السياحيين إلى أن مدارس القصور الغير مسجلة بوزارة الآثار بعضها زال ملكيتها من أصحابها وتحولت لإشراف وزارة التربية والتعليم والبعض الآخر بعد تعرضه لأعمال الحرق تم إعادة بنائه وخضع لإشراف الوزارة خلافا عن الأخرى التى تشرف عليها وزارة الأوقاف.



وشدد حلقة، على ضرورة إخلاء تلك القصور وإعادة ترميمها وتشغيلها كمتاحف أو قصور ثقافية تساعد فى عملية السياحة، وذلك بعد نقل الطلبة إلى مبان مدرسية مخصصة يتم تشييدها اعتمادا على صندوق "تحيا مصر" على أن يتم تشكيل لجنة قومية للنظر فى أوضاع تلك القصور وإعادتها مرة أخرى من جانب الدولة.

(4 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع