تراث

اكتشاف ورشة فى سقارة تفك شفرة علم التحنيط

مصر القديمة أرض المعجزات والأساطير، لم يبهر ويشغل خيال المختصين وعلماء الآثار مثل ما فعلته آثار مصر فأصبحوا أسرى أمام أصولها ومعابدها وهندسة صروحها، هذا وتظهر إنجازات الحضارة المصرية القديمة فى ابتكارهم للكتابة الهيروغليفية والديموطيقية وفى الريِاضيات والهندسة المعمارية وابتكار أساليب حديثة للزراعة والري، كما اشتهِر المصريون القدامى بِفن المقابر والجداريات حيث كانوا يعتقدون أن الروح والجسد شيئان متلازمان للوجود الإنسانى سواء فى الحياة أو الموت لذا لجأوا إلى عملية تحنيط الجسد، وأقاموا المقابر وزينوها وجهزوها بالصور والأثاث ليتمتع الميت بالرفاهية بعد الموت، كما كانوا يضعون فى الأكفان التعاويذ والأحجبة حول المومياء ويكتبون نصوصا سحرية على جدران المقبرة وأوراق البردى لتدفن معه لتحميه وتكون مرشدا له فى العالم السفلي. 



فى يوليو من هذا العام شهدت منطقة سقارة بالجيزة مؤتمراً صحفياً عالمياً أعلنت فيه وزارة الآثار المصرية عن نجاح البعثة الأثرية المصرية الألمانية التابعة لجامعة توبنجن فى الكشف عن ورشة كاملة للتحنيط ملحق بها حجرات للدفن بمنطقة مقابر العصر المتأخر بمنطقة سقارة حيث عثر فى حجرات الدفن على مومياوات وضعت لها أقنعة مزينة بقطع ذهبية وفضية تعود إلى عصر الأسرتين الـ 26 و27 أى بين 664 ق.م و404 ق.م، بالإضافة إلى قناع ذهبى من المرجح انه يخص كاهنا من العصر المصرى المتأخر وأوان مدون عليها بالخط الهيراطيقى والديموطيقى أسماء لمواد وزيوت التحنيط بالإضافة إلى عدد من التماثيل الجنائزية.

وورشة التحنيط المكتشفة ذات تخطيط معمارى مستطيل لها مدخل فى الركن الجنوبى الغربي، ومشيدة من الطوب اللبن وأحجار جيرية غير منتظمة الشكل، إلى جانب عدة مبانى منها بئر خبيئة التحنيط بعمق 13 متراً وتنتهى بحجرة أسفل الأرض وضعت داخلها أوان فخارية مدون عليها بالخط الهيراطيقى والديموطيقى أسماء لمواد وزيوت التحنيط، كما تضم الورشة أيضاً حوضين محاطين بجدران من الطوب اللبن، أغلب الظن أن أحدهما خُصصَ لوضع ملح النطرون والآخر لإعداد لفائف المومياء الكتانية.



هذا وتحوى ورشة التحنيط بئراً فى منتصفها تبلغ أبعادها حوالي3 م× 3.50م، وتصل إلى عمق 30 م، وعدة حجرات دفن منقورة فى الصخر على أعماق متباعدة، ومومياوات وجدت فى منتصفها ومن المنتظر أن يفصح الكشف الأثرى الجديد بالجيزة عن معلومات تخص التحنيط الذى يعتبره علماء آثار أحد أسرار الحضارة المصرية القديمة.
إن التحنيط هو فن الاستعداد للحياة الأخرى – حسب اعتقاد المصريين القدماء- ويعتبر علم التحنيط من أهم العلوم التى برع فيها المصرى القديم واهتم بها اهتماماً شديداً فهى كانت وسيلته الأساسية للحفاظ عل جسد المتوفى سليماً حتى ساعة البعث والحساب فى العالم الآخر، حيث كان يعتبر الموت فترة من النوم والراحة يستيقظ بعدها ليزاول نشاطه لذا كان يتم دفنه فى وضع القرفصاء كوضع الجنين فى بطن أمه على أمل أن يولد مرة أخرى.
وقد أحيط علم التحنيط بكثير من الغموض والأسرار نظراً لقلة المعلومات عن الطرق التى اتبعها المصرى القديم لكن المصادر التاريخية أشارت إلى أن أولى محاولات التحنيط بدأت منذ الأسرة الأولى حيث تم العثور على أذرع آدمية عليها أساور وملفوفة بلفائف كتانية فى مقابر نقادة وأبيدوس ونجع الدير وفى عام 1891 عثر فى ميدوم على مومياء لرجل ملفوفة بلفائف عديدة من الكتان مشبعة بمادة الراتنج وبفحص تفاصيل الوجه اكتشف انها ترجع الى عصر الأسرة الخامسة وقد عثر أيضا على مومياوات من عصر الدولة القديمة إلا أن تحنيطها تم بطريقة مختلفة فقد كان الجسد كله مغطى بطبقة من النسيج الكتانى الرقيق ثم وضعت عليه طبقة من الجص تم تشكيلها على حسب تفاصيل الجسم كله.



أما بالنسبة للدولة الوسطى فقد أكتشف الأثرى "نافيل" بالقرب من معبد الدير البحرى مقابر لأميرات ترجع إلى الأسرة الـ 11 حيث لاحظ أنه فى إحدى المومياوات تم استخدام الحنة فى اظافر اليدين، كما لم يعثر على الفتحات التى تشق فى جانب الجسد لاستخراج الأحشاء مما دفع العلماء للاعتقاد أنه قد تم حقن الجسد بمادة راتينجية للحفاظ عليه، كما عثر الأثرى "جارسينج" فى بنى حسن على مومياوات ترجع إلى عصر الدولة الوسطى ولاحظ أنه قد تم ربط الأظافر بواسطة خيط رفيع لتثبيتهم فى أماكنهم على الأصابع.
ومما سبق يتضح أن التحنيط لم يظهر فى الدولة الحديثة بهذه الصورة الجيدة من فراغ بل سبقته عدة محاولات استمرت لآلاف السنين حتى تطور ووصل إلى أوج قمته فى الدولة الحديثة.
 
 
  
طرق التحنيط.. 
كل معلوماتنا عن التحنيط وخطواته مبنية على ما ذكره المؤرخ اليونانى هيرودوت، الذى زار مصر نحو 500 قبل الميلاد، حيث كان يقوم أهل المتوفى بجلب الجثمان إلى مكان التحنيط ويعرض عليهم المحنطون ثلاث نماذج خشبية لمومياوات يختار منها أهل المتوفى النوع الذى يناسبهم من حيث الشكل والثمن ثم يترك ليقوم المحنطون بعملهم و قد ذكر صلاح الصادق الأثرى المصرى ثلاثة أنواع للتحنيط هي:
1ـ تحنيط الملوك:
يبدأ بإزالة الأعضاء التناسلية واستخراج المخ عن طريق الأنف وتملأ الفراغات بالطيب والصمغ والصنوبر ويستعملون لهذا الغرض أداة خشبية وخنجراً من المعدن ومقراضاً صغيراً وتوضع الجثة على مائدة خشبية ويوضع ماء ويبدأ فى شق الجنب الأيسر إلى نهايته وكان يستعمل فى هذا قطعة حجر تسمى حجر إثيوبيا وقالوا عنه حصاة إثيوبيا وبعدها يستخرجون الأحشاء وكل الاجزاء اللينة والقلب والكلى فى اوانى ثم يغسلون الجوف بنبيذ البلح الممزوج بكمية من المر والخيار والشنبر والطيب ثم يخيطون الجلد ثانية ويغسلون الجثة ويضعون فوقها كميات من الأملاح ويغطونها بمسحوق النطرون.
وعقب استخراج المخ يملأ بلفائف بها صمغ لمدة سبعين يوماً وبعدها يدهنون الجثة بزيت شجر الأرز والعطر وتملأ البطن بالقرفة والصمغ ويدهنون غطاء الوجه ويرسمون فوقه صورة الميت وكانت اللفائف التى يلف بها مطرزة برسوم ونقوش هيروغليفية ثم يأتى أهل المتوفى ويضعونه فى صندوق خشبى مصنوع على شكل آدمى ويوضع فى قاعة مخصصة لهذا وهذا النوع من التحنيط كان مكلفاً جداً لذلك أقتصر على الملوك والعظماء والمشاهير.



2- الطبقة الوسطى:
كان يكتفى بتحنيط يحافظ على الجثة من التلف عن طريق حقن الجثة بكميات من الدهن السائل المستخرج من شجر الأرز بدون شق الجسد وبدون إخراج شيء من المحتويات والأمعاء ويسدون منفذ الحقن منعاً لسقوط السائل ثم يضعون الجثة مدة سبعين يوماً فى محلول ثم بعد هذا يجففون العظام بمسحوق النطرون ثم توضع فى لفائف معقمة ويدهن الوجه بلون أحمر ثم تسلم لأسرة المتوفى لاستكمال إجراءات الدفن.




3- تحنيط الفقراء:
ينحصر فى إيداع الجثة مدة سبعين يوماً فى محلول قلوى من النطرون وتستخرج منه بعد ذلك وتجعل فى لفائف بسيطة وتسلم إلى أهلها، أما الفقراء جداً فكانت توضع الجثة فى لفائف ممزوجة بمركبات تقيها من التعفن والتلف زمنا محددا ثم تدفن فى مكان رملى على عمق متر تقريبا. 
 
وهكذا حافظ المصرى القديم على أجساد أبائه وأجداده حتى وصلت إلينا بعد آلاف السنين تحمل الكثير من الغموض إلى فك بعضه عن طريق فحص المومياوات ودراسة البقايا البشرية وتحليل ما تبقى من مواد التحنيط.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع