تراث

بشهادة بريطانية وتراث إسلامى..

إعلان براءة الحب عند العرب من تهمة الشهوة الجنسية

من بين الغربيين الذين لا يرون في العربي إلا الشخص الشهواني الذي ليس له إلا الجري وراء النساء والانغماس في الزواج كلما اشتهى امرأة أو الطلاق كلما ملَّ من أخرى، نجد رائد مدرسة الاستشراق البريطانية إدوارد ويليام لين في كتابه "المجتمع العربي في العصور الوسطى"، الصادر في لندن عام 1882 م، يدافع عن العربي بخصوص هذه النقطة، ولما وجدتُ تبحُّره في مصادر التراث الإسلامي ليقنع القارئ الغربي بتغيير الصورة النمطية للعربي بأنه شخص فارغ وشهواني، رأيتُ ترجمتها وسردها في هذا المقال على موقع "بوابة الحضارات".
 


يقول لين في الفصل الثامن من كتابه المذكور:
"لا يمكن التشكيك في أن العاطفة الجنسية الشهوانية تعد مهيمنة بشدة على العرب، ولكني أعتقد أنه من الظلم أن نفترض أنهم - بصفة عامة - غير مؤهلين للإحساس بالشعور البريء الصافي، الذي يستحق أن يُطلق عليه " الحب الصادق"، إذا كان الوفاء اختباراً كافياً لإثباته. وكَوْنهم ليسوا كذلك يظهر جليًّا لكل شخص يختلط بهم في المجتمع العائلي ؛ حيث إن مثل هذا الشخص يجب أن تتاح له الفرص للتعرف على العديد من العرب المرتبطين بإخلاص بزوجاتٍ زالت جاذبيتهن وجمالهن الشخصي منذ وقت بعيد، واللاتي لا يملكن ثروة ولا نفوذاً، وليس لهن أقرباء ذوو مال وسلطان ليستميلوا أزواجهن فيحجموا عن طلاقهن. وكذلك كثيرا ما يحدث أن يُخلص رجل عربي في علاقاته بالزوجة التي في عصمته، حتى عندما تكون ذات جمال محدود في أفضل فترات عمرها، وأن الزوجة المفضلة دائماً لديه – من بين زوجتيه أو أكثر– هي أقلهن جمالاً. 
وقد عزَّزَت رأيي هذا العديدُ من الحقائق التي ذكرها مؤلفون عرب أفاضل ( ولذلك فإنهم لا يعتبرونها طبيعةً لا تـُصدَّق ) كما تؤكدها الحالات التي وقعت في إطار ملاحظاتي الخاصة. 


ادوارد ويليام لين بالملابس المصرية

إن قصة ليلى والمجنون - جولييت وروميو العرب - مشهورة جدًّا بحيث لا تحتاج إلى إعادتها هنا، لكن من بين العديد من قصص الحب القوي الراسخ الأُخرى، ينبغي أن نذكر منها ما يلي: 
كانت للخليفة "يزيد بن عبد الملك" جاريتان، أولاهما تسمى حُبابة والأخرى سلّامة، وكان شديد التعلق بالأولى غيّوراً عليها، وكان قد اشتراها بمائة ألف درهم، واشترى الثانية بعشرة آلاف. وكان أحياناً ما يحتجب عن الناس بالثلاثة أشهر، منصرفًا إلى صحبتهما مهملاً تمامًا أمور الرعية. حتى أنـَّبه أخوه مَسلمة على سلوكه هذا، فوعده يزيد أن يتوب ويعود إلى عمله، لكن هاتين المَحْظـِيَّتـَيـْن صَرَفتاه عن غرضه. وفي صباح اليوم التالي، أثاره غناؤهما و ملاعبتهما، و شَرِب الخمر معهما حتى صار منتشيًا، وأخذ يرقص ويغني كالمجنون، حتى وقع الحادث المشئوم الذي وضع حدًّا لسروره. .. فقد أكلت حبابة رمّانة، فشرقت بحبَّة من حبّاتها فماتت على الفور. 
كان حزن يزيد شديدًا جدًا لدرجة أنه لم يفارق جثتها، بل استمر يقبّلها ويعانقها حتى تغيرت وأَنْتنت. وقد نبهه خَدَمُه بأن أفضل احترام لها أن يأمر بدفنها، فرضي بعد ذلك أن يودِعها الأرض. إلا أنه بعد خمسة أيام اشتاقت نفسه مرة أخرى أن يرى حبيبته فأمر بفتح قبرها، ورغم بشاعة جثتها فقد قال أنه يراها كأحب ما رأت عيناه. فطلب أخوه مسلمة بحزم أن يغلق القبر ثانية، فاستجاب يزيد له. ولكنه لم يكن قادرا أن يظل محروما من النظر إلى رفات جاريته، والتي هي سيدته في الوقت نفسه.... فسقط في الفراش لا يتكلم. وبعد مضي سبع عشرة ليلة، لفظ أنفاسه الأخيرة ودُفن بجانب حبابة. يقول الراوي في كتاب " الاحتراز من مكائد النسوان ": " رحمة الله عليهما ". 
 
وفي نفس الكتاب المقتبس منه الخبر السابق، رواية مفادُها أن هارون الرشيد زار سليمان بن أبي جعفر - أحد عمّاله - فرأى عنده جارية شديدة الجمال اسمها "ضعيفة" فوقع في قلب هارون الرشيد حبُّها، فقال لسليمان: " هبها لي ". فأجابه سليمان لذلك، فلما أخذها هارون منه مَرِض سليمان من شدة محبته لها. وكان صراخه يُسمع خلال مرضه، قائلا: 
 
أشكو إلى الله ما ألقاهُ من أمرِ الخليفة
سمع البريةُ عدلَه ويريد يظلم في " ضعيفة "
علِقَ الفؤادُ بحبها كالحبر يعلقُ في الصحيفة 
فلما علم الرشيد بسبب مرضه ردَّ إليه معشوقته التي بها راحة باله. 
وتلك القصة تُساق دليلاً على الحب الصادق القوي، ولكن قد يُعتقد أنها لا تفي كثيراً بهذا الغرض. 
 

عازفه الرق 1866 المرأة والرق
تعد القصة التالية من الكتاب نفسه أوفـَى بالغرض :
"كان الخليفة معاوية بن أبي سفيان- خلال أكثر الساعات حرارة في يوم شديد القيظ - جالساً في حجرة بها فتحات في كل جانب لتسمح بدخول النسيم، فرأى رجلا بدوياً حافي القدمين يمشي نحوه. فتساءل معاوية ما الذي يدفع هذا الرجل لتحمل ذلك الحر الشديد، وقال لأعوانه لئن كان هذا الأعرابي قد جاء لطلب أي فضل منه أو مساعدة أو إنصاف من ظالم ،لأحققنَّ له مطلبه. فلما مَثـَل البدوي بين يديه، أنشده قصيدة يتظلم فيها من جوْر مروان بن الحكم ( الذي صار فيما بعد رابع خليفة لمعاوية من الأمويين )، الذي فرَّق بالإكراه بينه وبين زوجته المحبوبة سُعدى. فسأله الخليفة أن يدلي بما حدث له بمزيد من التفصيل، فقال الأعرابي الوقائع التالية:

كانت بنتُ عمه زوجةً له، وكان مغرماً بها، وكان يمتلك بعضاً من الإبل خوَّلته أن يعيش بها في بحبوحة وراحة ؛ إلا أن سنةً من الجدْب جرَّدته مما يملك و حوَّلت حاله إلى العوْز الشديد، وهجره أصحابه، وأخذ حماه زوجته منه وحال بينه وبينها. فذهب إلى مروان – حاكم حيِّه في المدينة المنورة – طالباً التعويض والإنصاف، فأرسل إلى عمه وابنته، فلما وقفت بين يديه ونظر إليها و إلي حسنها وقعَت منه موقع الإعجاب والاستحسان، فعزم على أن يتزوج منها. ولكي يحقق ذلك، أمر بالزوج إلى السجن، وعرض على أبيها ألف دينار وزيادة عشرة آلاف درهم نظير قبوله الزواج منها، ووعده أنه سيجبر زوجها على طلاقها، فحقق مروان هذا الغرض بتعذيب الأعرابي التعيس بقسوة. وكان من العبث أن تحاول المرأة المقاومة، وهكذا أصبحت زوجة لمروان. 

وبعد أن روى البدوي المظلوم ما حدث له، سقط مغشيا عليه، واستلقى على الأرض ملتفاً حول نفسه كأنه حية ميتة. فلما استعاد البدوي وعيه، كتب معاوية رسالة في قصيدة شعر إلى مروان يوبخه بشدة على دناءته، ويأمره أن يطلق المرأة ويرسلها مع رسوله وإن لم يفعل فسيكون جزاؤه الموت. فطلقها مروان وأرسلها مع قصيدة على وزن وقافية قصيدة معاوية، مؤكدا له أن نظرة إلى سُعدى ستقنعه بأن جمالها لا يمكن مقاومته، وقد ثبُت لمعاوية مدى صحة ذلك، فإنه لما رآها معاوية اشتهاها وطمع فيها أكثر مما فعل مروان، فعرض على البدوي إن وهبها له أن يعطيه ثلاث جوار أبكار من جواريه، مع ألف درهم ونفقة سنوية كبيرة. فلما أتم معاوية كلامه غشى على الأعرابي وشهق شهقة ظن معاوية أنه قد مات منها، فلما أفاق رفض عرض معاوية ساخطاً عليه وعلى ما قال. فقال له معاوية: " يا أعرابي، إنك مقرٌ أنك قد طلقتها، و تزوجها مروان وأقر أنه قد طلقها، ولذلك فإننا سنخيِّرها بيننا ؛ فإن رغبت في الزواج برجل آخر غيرك فسنزوجها له، وإن رغبت في العودة إلى عصمتك، رددناها لك ". لكن سعدى اختارت البدوي المُعدَم، فردها معاوية إليه ووهبهما عشرة آلاف درهم". 

إلى هنا انتهى كلام لين عن الحب الصادق لدى العرب. وتلك الأمثلة نسوقها للقارئ للدلالة على أن من المستشرقين من يُنصف في ذكر آرائه، ولا يتخذ الشطط مجالاً لكتاباته لمجرد الأفكار المغلوطة التي يعمل على تقويتها إرضاءً لفكر استعماري أو تعصب ديني مغلوط. 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع