تراث

أين القائمون على التراث؟

فى مقدمته لكتابه "المخطوطات نفائس وحكايات" الصادر عن الهيئة العامة للكتاب حديثًا، يقول الكاتب صلاح حسن رشيد إن كان فن تحقيق التراث فى العصر الحديث غربى الوجهة والطريقة، فهو عربى الأرومة والسلالة والتاريخ والولادة. على حد قول الكاتب أخذ الغرب فن تحقيق التراث من المخطوطات العربية، ومن طرائق المؤلفين العرب القدماء، كالرواة والوراقين، والنساجين، وعلماء الجرح والتعديل، واللغة والأدب والأنساب والتاريخ.غير أنهم أضافوا إليه إضافات باهرة، جعلت منه علمًا قائمًا بذاته، بعد أن كان مُهْملاً وتائهًا بين العلوم والفنون ولا يجد التقدير اللائق من أهله فى العصور الأخيرة.
 


فكرة قومية
الكاتب يرى كذلك أن فكرة تحقيق التراث وذيوعه كانت من أجل مقاومة الاحتلال الجاثم فوق صدر البلاد العربية، وإثبات مدى تفوق الذات العربية، وقدرتها على إحداث النهضة من جديد.هنا يورد الكاتب ما قاله عبد السلام هارون فى كتابه التراث العربى من أن فكرة إحياء التراث والنشاط فيه كانت فكرة قومية قبل أن تكون فكرة علمية، خاصة وأن طغيان الثقافة الأوروبية والنفوذ التركى وضغطه كان يأخذ بمخنق العرب فى بلادهم، فأرادوا أن يخرجوا إلى متنفس يحسون فيه بكيانهم المستمد من كيان أسلافهم، فى الوقت الذى ألِفوا الغرباء من الأوروبيين يتسابقون وينبشون كنوز الثقافة العربية، فانطلقوا فى هذه السبيل ينشرون ويحيون، إذ كانوا يرون أنهم أحق بهذا العمل النبيل وأجدر.
من هنا يرى الكاتب أن مدرسة تحقيق التراث فى العصر الحديث رائدة فى بابها، وجديرة بالحفاوة والتنويه، فقد اضطلعت بمهمة كشف وإخراج وإحياء أمهات كتب التراث فى شتى الفنون والعلوم والمعارف، فى كل العصور والأقاليم التى أشرقت بضياء الإسلام.إلى جانب كل هذا يطرح المؤلف عددًا من الأسئلة تهتم بقضية تحقيق التراث منها هل ماتت مدرسة التحقيق العربية التى أرسى دعائمها فطاحل المحققين؟ وما السبيل لمعاودتها إلى الحياة من جديد؟ وأين القائمون على التراث فى المجامع اللغوية وكليات دار العلوم واللغة العربية الآداب ومعهد المخطوطات العربية من هذه الظاهرة الخطيرة؟ والسؤال الأهم هو: كيف يمكن الارتقاء بالتحقيق مرة أخرى خاصة وأن ما هو دفين ومحجوب وخبئ من المخطوطات أكثر بكثير مما تم إخراجه حتى الآن؟ كذلك يتساءل الكاتب متى تعود للمحقق كرامته ومكانته ودوره الحيوى فى المجتمع؟ وكيف نجذب أبناءنا إلى حب التراث فى عصر يتيه عُجبًا وخيلاء بعشق ما هو أجنبى ويتندر من كل ما هو عربى الوجه واللسان؟ 
 


وجبة فكرية حضارية
هذا ويستنكر الكاتب اهتمام العرب بكرة القدم والتمثيل والطرب وإهمالهم للتراث ومخطوطاته حتى إن مَن اهتموا به ليسوا منا ورغم ذلك يبذلون كل غالٍ ونفيس من أجل نشره وذيوعه بين الناس.وحرصًا من الكاتب على كشف عظمة موروثنا وما ضمه من مخطوطات نادرة ونفيسة فى مختلف المجالات وكان لها عظيم الأثر فى الداخل والخارج، فقد ارتأى جمع طائفة من المخطوطات والتعريف بها وبأصحابها وبأنواعها وما تحتويه من علوم وآداب وشرائع وفنون، وقد كان همه الأول، من هذا الكتاب، أن يقدم وجبة فكرية وثقافية وحضارية متعددة الرؤى والمشارب، كى يفيد منها القارئ العادى قبل المتخصص، ولكى يقترب أكثر من ضميره الحضارى وإرثه الثقافى بعد أن غاب عنه لأسباب خاصة به ولأمور لا قِبل له بها.
 
الكاتب يؤكد كذلك أن كتابه هذا هو كتاب تعليمى تعريفى هدفه تقديم نماذج من عيون المخطوطات العربية فى مناحى العلوم والمعارف، كى يعرف العرب المعاصرون عظمة موروثهم، وما قدّمه العرب قديمًا فى حقل العلم من إسهامات اعترف بها أرباب الفكر والمعرفة فى الغرب.الكاتب يذكر كذلك أن المكتبات فى بلاد الغرب تضم بين جنباتها ثلاثة ملايين مخطوط عربى وإسلامى وشرقى لم تخرج إلى النور بعد.هنا وإلى جانب حرصه على التشويق فى العرض والتناول، مال إلى الطريقة التى تُلخص فكرة المخطوطة وتقوم بالتعريف بصاحبها ودراستها من الجوانب كافة.وإضافة إلى هذا يقدم الكتاب مجموعة من القضايا والإشكالات التى واجهها العلماء الأفذاذ وتغلبوا عليها بفراستهم وألمعيتهم.
 
هنا أيضًا يعرض لمخطوطات تُرِى كيف كان الأسلاف متسامحين وأكثر انفتاحًا على الفنون والسماع، وليس كما يتوهم بعضهم الآن الذين يصادرون ما أباحه الشرع باسم التطرف والتضييق والمنع بلا دليل ولا نَص.كما يرى المؤلف أن كتابه هذا قد جمع بين العلوم النظرية والعلوم التطبيقية، بين مطالب النفس والروح، وبين مطالب الحياة والواقع، بين علوم الدين وعلوم الدنيا فى لوحة فنية، كما يدعو إلى التأليف فى هذا المجال الذى يُقرب التراث وعالم المخطوطات من القارئ العادى حتى يعرف قيمة ما خلّفه له السابقون من مجد ورفعة ويكشف اللثام عن روائع المخطوطات.فى المخطوطات نفائس وحكايات يتناول صلاح حسن رشيد مخطوطة مصحف ابن البواب ويتحدث عن العثور على النسخة الوحيدة من مخطوطة السماع للقيسراني، وما تتضمنه من آراء الصحابة والتابعين وكبار الفقهاء حول إباحة السماع الذى لا يتضمن الفحش، وعن مقامات السيوطى الأدبية الخلابة، وعن العثور على أول مخطوط فى أدب الطفل لابن الهيتمي.
 


هل آن الأوان؟
كما يتحدث عن رحلة مخطوطة طوق الحمامة للإمام ابن حزم بسماع الأغانى وحديثه عن الطرب، وعن مخطوطات علوم التفسير فى الأندلس، وعن قصة مخطوطة كتاب الفوائد فى أصول البحر والقواعد لأسد البحار أحمد بن ماجد، وكيف أن كولمبس عرف أمريكا عن طريقه.كذلك نقرأ فى الكتاب عن مخطوط الرحلة العيّاشية إلى البقاع الحجازية، وعن ظهور مخطوطة سحر المزامير للنبى داود عليه السلام، وعن مخطوطات الفقه الأكبر للإمام أبى حنيفة النعمان، وعن مخطوطة باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس لابن الفركاح، وعن العثور على نسخة نادرة لمخطوطة طبقات القراء لابن السلار الدمشقي.
 
هذا وبعد أن يطوف بنا المؤلف فى عالم المخطوطات ورجالها الأفذاذ وكنوزها التى لا تُقدر بثمن، يتحسر على ما وصل إليه حال العرب متسائلاً هل آن الأوان لدق ناقوس الخطر والنفخ فى البوق من أجل إنقاذ ذاكرة الأمة التى غشيها الإهمال والتجاهل والنسيان؟ 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع