تراث

لا يعرفها المصريون إلا قليلا.. واحات مصر الخمس بالصحراء الغربية

قليلون جدا هم الذين يعرفون الفرق بين الواحات البحرية التابعة إداريا لمحافظة الجيزة، التى عطرتها الدماء الذكية لـ 16 شهيدا من ضباط وجنود الشرطة البواسل عصر الجمعة الماضى الموافق 20 أكتوبر 2017، فى معركة شرسة مع الإرهاب الأسود الغادر، وبين واحات الوادى الجديد الثلاثة " الداخلة والخارجة والفرافرة " وسيوة "واحة" مطروح، فالغالبية وحتى اللحظة تعتقد أنه طالما يسكن أهلها جميعهم الصحراء، فلا فرق فكلها واحات، وظهور الإنسان الأول. 


معبد آمون بواحة سيوة

لكن الباحث العاشق للتراث والمأثورات الشعبية عبد الوهاب حنفى وعقب دراسات ميدانية استغرقت ما يناهز الأربعين عاما اتخذ من سكان الصحراء "بدو وواحات " محورا لها، راح يعكف على العديد من المصادر البحثية وينقب عن هذه الفروق وأصل هذه الواحات وبدايات ميلادها التى تتناول التاريخ الاجتماعى والثقافى ونشأة جغرافية هذه الواحات الخمس ليخرج لنا فى النهاية بكتاب رائع زاخر بالتفاصيل والدراسات "الواحات الداخلة – دراسة فى التاريخ ثقافى والمأثورات الشعبية " الصادر عن سلسلة الثقافة الشعبية بالهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2012"، حيث يكشف لنا عن نتائج مبهرة ومذهلة يكفى أن تقول بأن ظهور الإنسان لأول مرة فى مصر، كان فى هذه الواحات بالصحراء الغربية تحديدا فى زمن العصر المطير الثانى بنحو 120 ألف سنة، وقد كانت نهايته منذ حوالى عشرة آلاف سنة مضت حين بدأ عصر الجفاف والتصحر غرب مصر.

ومنذ نشأتها لم تلق الصحراء الغربية وواحات مصر الخمس "الواحات البحرية، الفرافرة، الخارجة، الداخلة، سيوة" ماتستحقه من اهتمام سواء من الناحية البحثية والتاريخية أو السياسية والاقتصادية أو من جانبى الأرض والبشر المصريين العاديين، حتى حينما اتجهت الحكومة المصرية إلى واحاتها الجنوبية الثلاث "وفكرت فى تنميتها لم تقم ولو بعمل دراسات لازمة وواجبة مكتفية بالتعامل الجغرافى، دون دراسة لتاريخها الثقافى الذى لو تم لساعد ذلك كثيرا على تفادى الكثير من المشكلات التى واجهها جهاز تعمير الصحارى ودفعته للتراجع والانسحاب وفشل خطة التعمير بالوادى الجديد بعد عشر سنوات فقط من بدايتها ( 1962 – 1971 ) وقالوا عنها حلم عبد الناصر الذى لم يتحقق . 
لذلك ظلت هذه الواحات الخمس بعيدة تماما عن أعين الجميع "باحثين وحكومة ومواطنين" والساعين إلى الكشف عن التاريخ الثقافى لأول بقعة عاش فيها الإنسان المصرى منذ حوالى 180 الف سنة، ليكتفى البعض برصد سطحى لقليل من عناصر الفلكلور الشعبى من باب ذر الرماد فى العيون .
 
حائط صد الغزوات الخارجية.. 
وإذا كانت الصحراء الشرقية التى تعد بوابة مصر لعبور الغزوات التاريخية، التى اتخذت من سيناء مسرحا لمواقف الكر والفر فى الحروب، وعليها نالت سيناء كل الحظوظ وقناطير مقنطرة من اهتمامات الباحثين والدارسين للأرض والبشر، "فحسب الباحث عبد الوهاب حنفى مؤلف الكتاب" فإن الكثيرين ظلوا على تجاهلهم ولم يفطنوا إلى ذلك التميز والثراء الثقافى الذى تتسم به الواحات، يعود بالمقام الأول إلى ديناميكية التاريخ فى الصحراء الغربية – على مدى تاريخها – حائط الصد الغربى لمصر فيما كان يطلق عليها غزوات وهجمات البدو التى لا تتوقف، منذ بدء صراع قبائل التمحووالتحنو ( الليبية ) فى محاولات متتالية لغزو مصر "حسب مؤلف الكتاب".

والزائر والمتردد إلى هذه الواحات لاسيما الوادى الجديد سيلاحظ جيدا برؤى العين انتشارا واضحا ملموسا للقلاع والحصون فى غالبية أرجاء الواحات الخمس (فرعونية ورومانية) حيث كانت تعهد فى إدارتها إلى أقوى القادة المصريين، فقد كانت هذه الواحات دائما مقصدا ومعبرا "بتسكين الباء" لحركات الجوار مثل تيار المهدية من السودان جنوبا، والتيار السنوسى من الغرب الليبيى 


الواحات البحرية

ولم تكن جغرافية الواحات أقل تأثيرا من تاريخها، فقد شهدت أهم طريقين فى تاريخ مصر، الأول هو درب الأربعين الذى يربط بين مصر وأفريقيا مار بالواحات الخارجة إلى دارفور بالسودان، ثم الطريق العرضى الذى كان يطلق عليه الدرب الطويل، وهو طريق يقطع الخريطة المصرية عرضا من ميناء ( عيذاب) بالبحر الأحمر إلى الواحات غربا، ومن الداخلة يتجه شمالا ليمر بالواحات البحرية ثم سيوه إلى المغرب العربى، وهو الطريق الذى يعرفه المغاربة بطريق الحج، مما كان له بالغ الأثر فى إحداث التلاقح الثقافى والبشرى بين سكان الواحات والقبائل الأمازيغية الوافدة من الغرب، وستلاحظ ذلك بوضوح فى واحة سيوة. 
 

بئر ماء رومانية فى واحة الفرافرة

أرض القمح والملاذ الآمن للمسيحيين.. 
كذلك كانت الواحات الخمسة دائما مقصدا محمودا للهجرات الجماعية للمسيحيين على اثر اضطهاد الرومان لهم، ومن يزور كنائس البجوات فى الخارجة سيعرف جيدا ما كان يتمتع به المسيحيون من حماية منحتهم الطمأنينة والقدرة على إبراز مهارتهم فى الإنتاج الزراعى والحرفى والقدرة على خلق مجتمعات جديدة وبؤر إنتاجية داخل هذه الكنائس والأديرة جعلتها تعتمد فى حياتها على الاكتفاء الذاتى.
 وربما يكون ذلك سببا واحدا من الأسباب التى جعلت "الواحات الخمس" أرض زراعة القمح ( خاصة فى العصر الرومانى ) وما شهدته هذه الحقبة من تطوير هائل لأساليب وطرق حفر الآبار الجوفية ( خاصة فى الفرافرة ) التى تعتمد زراعة العشرة آلاف فدان ضمن المليون والنصف فدان على بعض منها، ولعل بقايا الصوامع فوق الهضاب المرتفعة التى كان يخزن فيها المحصول الهائل للقمح تمهيدا لنقله إلى روما خير شاهد على ذلك.
وهنا يستحضرنى مثل شعبى نردده دوما ولكن نفسره بالخطأ على أنه يقصد به الفوز بوظيفة حكومية وهو "اللى مايلحقش الميرى يتمرمغ فى ترابه" والميرى هنا يعنى تراب القمح حيث كان يلقب القمح بالميرة، وبأمر الإمبراطور الرومانى كان ممنوعا على المصريين الحصول ولو على حفنة قمح من هذا المخزون، ونتيجة لذلك كانوا ينتظرون حتى ينتهى الرومان من نقله ويقومون هم بالتمرمغ والتنقيب فى ترابه بحثا عن القمح، وبطبيعة الحال لايمكن أن ننسى ماذكره المؤرخون أيضا أن الواحات البحرية كانت المصدر الأهم لإنتاج النبيذ فى العصرين الرومانى والفرعونى، ويقال فى ذلك أن الملوك الفراعنة كانوا يقضون أوقاتهم الترفيهية فى الواحات البحرية. 
وعلى ذلك تكمن الإجابة على السؤال الذى يروق للبعض طرحه.. ماهى الفروق بين هذه الواحات الخمس؟
 

الصحراء البيضاء فى واحة الفرافرة

تبدأ من الشمال ولكل واحة صفات.. 
تقول المفاهيم الجغرافية إن الواحة تعنى الأرض المنخفضة بدرجة يقترب فيها مستوى سطح الأرض من منسوب المياه الجوفية العذبة مما يسمح بقيام حياة بشرية ونباتية، ولمن لايعلم قد تكونت هذه الواحات فى عصور بدء جفاف البحيرات الشاسعة تحديدا ( بحيرة بير طرفاوى ) الواقعة جنوب الواحات الداخلة وحتى هضبة العوينات فى الجلف الكبير أقصى الخط الجنوبى الغربى للحدود المصرية التى كانت تغطى مساحة كبيرة من الصحراء الغربية إبان العصر المطير الثانى. 
والواحات المصرية الخمس تبدأ (من الشمال إلى الجنوب ) كما قلنا هى واحة سيوه، الواحات البحرية، واحة الفرافرة، الواحات الداخلة، الواحات الخارجة.



قلعة شالى بواحة سيوة


سيوة.. 
تقع واحة سيوة فى أقصى شمال غرب مصر وهى الأقرب من الواحات المصرية إلى خط الحدود الليبية، أحد المراكز الإدارية التابعة لمحافظة مرسى مطروح وتبعد عنها فى الاتجاه الجنوب الغربى بمسافة 300 كيلو، يعتمد نشاط سكانها على أشجار النخيل والزيتون والعمل السياحى حيث تعتمد الحرف التقليدية فيها على التسويق السياحى، وتعتمد الزراعة فيها على العيون الفرعونية المتدفقة ذاتيا ولايوجد بها آبار، ويتحدث أهالى سيوه اللغة الأمازيغية كلغة أولى، ولايتحدثون العربية إلا مع الوافدين عليهم فقط، أشهر الوقائع التاريخية المرتبطة بالواحة هى زيارة الإسكندر الأكبر لها، انضمت إلى السيادة المصرية فى عهد محمد على 1820، تسكنها 11 قبيلة، 10 قبائل من سكان الواحة الأصليين، بينما القبيلة الأخيرة هى بطن من قبيلة الشهيبيات من بدو أولاد على بمطروح، ويبقى أن تعرف أن واحة سيوه أكثر الواحات المصرية تأثرا بالتيار الدينى السنوسى، حيث ينقسم فيها السكان إلى نصفين، نصف يتبع الطريقة الشاذلية والآخر يتبع الطريقة السنوسية. 


الباويطي في الواحات البحرية

الواحات البحرية.. والشيخ الباويطى 
أما الواحات البحرية التى تعد هى الأقرب لواحة سيوة وتبعد عنها 200 كم جنوب شرقها، تتميز بعدد من الواحات الفرعية وهى "الحارة ومنديشة والحيز الزاخرة بالآثار الرومانية، أشهر مدينة بها اسمها الباويطى ويقال إنها سميت على اسم الشيخ الباويطى" أحد الحجاج المغاربة كان ذاهبا إلى رحلة الحج ومات فيها "لاتوجد بها حرف تقليدية سوى عصير الزيتون وتتسم بمناجم الحديد ولذا توجد بها الصحراء السوداء وتقترب من الصحراء البيضاء التى تعتمد عليها بعض الأنشطة السياحية، بها مخارج ومداخل كثيرة وهى أقرب الواحات إلى القاهرة (360 كيلو مترا) تابعة إداريا لمحافظة الجيزة.
 

الصحراء السوداء فى الواحات البحرية

 الفرافرة "أرض البقر"..
 يطلقون عليها أرض البقر نظرا لخصوبة أراضيها وهى الأكثر إنتاجا وزراعة، واحة الفرافرة التى تبعد عن البويطى عاصمة الواحات البحرية جنوبا بمسافة 180كم, وهى أقل الواحات اتصالا بالعالم الخارجى, لم يعرفها المواطنون المصريون فى الدلتا والصعيد إلا منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضى حيث بدأت الهجرة الزراعية من قرى ( كفر الشيخ والدقهلية ) و(أسيوط وسوهاج ) من الوجه القبلى فى عدد من التجمعات المستحدثة على طريق الداخلة، يقال إن اسمها نسبة إلى راهب يسمى فرفورون لذا شهدت ازدهارا نسبيا فى العصر المسيحى والرومانى، تنتشر بها حرف النسيج اليدوى وزراعة النبق والمشمش والزيتون هى واحدة من الواحات الثلاثة التى تتبع محافظة الوادى الجديد.


مدينة بلاط الإسلامية فى الواحات الداخلة

وتعد الواحات الداخلة هى الواحة الثانية التابعة للوادى الجديد وتقع جنوب شرق الفرافرة بمسافة 320 كيلو، وهى الأكبر فى الواحات المصرية من حيث عدد السكان وحجم النشاط الزراعى والإنتاج الحيوانى وبها قرى ومدن التراث الإسلامى (بلاط والقصر الإسلامية ) والأكثر تعميرا وتنمية وحرف تقليدية أشهرها السجاد وصناعات البناء والعمارة، تعد المركز الثانى فى الوادى الجديد بعد الخارجة.
 

مقابر البجوات فى واحة الخارجة

الطريق إلى إفريقيا.. 
والواحات الخارجة (عاصمة الوادى الجديد) تبعد عن واحة الداخلة شرقا بمسافة 180 كيلو مترا، هى الأقرب لمحافظة أسيوط ووسط صعيد مصر بمسافة 225 كيلو وأقل، ظلت لعصور طويلة معبرا لمصر إلى إفريقيا عبر طريق درب الأربعين، هى الواحة الأكثر اختلاطا بالثقافات المتعددة بحكم كونها مقرا للإدارة، بها أهم كنائس لجوء المسيحيين وهروبهم من الرومان، معروفة بواحاتها وقراها التى أطلقت عليها تقريبا غالبية مسميات الدول العربية وأحياء فى القاهرة مثل السعودية والسودان وتونس وبولاق وغيرها، معروف أنها الأقرب لقلعة الفوسفات ففيها جبل فوسفات أبو طرطور الذى يؤكد أن الحياة كانت هنا.

(71 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع