تراث

الأسرة الواحدة كانت تجمع أخلاطا متعددة من ألوان البشر .. مكة فى عيون المستشرقين

من بين الدراسات الاجتماعية الغربية عن مكة المكرمة فى الأعمال العلمية الاستشراقية، يجيء كتاب المستشرق الهولندى هرخرونييه عن المجتمع المكى فى أواخر القرن التاسع عشر "مكة فى أواخر القرن التاسع عشر"، الذى كتبه فى مجلدين ونشره باللغة فى جامعة لايدن بهولندا عام 1889، ثم أعادت الجامعة نشره مترجماً للإنجليزية فى عام 1931، ولأهمية هذه الدراسة نورد فى موقع "بوابة الحضارات" هذا المقال عنها بمناسبة موسم الحج وأداء الشعائر المقدسة.


سناوك هرخرونييه

حياة المؤلف:
يعد كرستيان سناوك هرخرونييه ( 1875 م – 1936 م ) أحد أشهر المستشرقين الهولنديين، نال درجة الدكتوراه من جامعة لايدن برسالة عنوانها "موسم الحج إلى مكة"، وفى سنة 1884 م حصل على إجازة دراسية للقيام برحلة إلى الجزيرة العربية لاكتشاف حقيقة الإسلام وطبائع وعادات المسلمين هناك، بعد أن لاحظ أن معرفة المستشرقين بالمجتمع الإسلامى تقتصر على ما ينقلونه من الكتب، وقد تمكن من الوصول إلى جدة برعاية القنصلية الهولندية وأمضى هناك خمسة أشهر (من أغسطس 1884 – فبراير 1885 م) يتعلم اللهجة المحلية ويتعرف على عادات السكان وثقافتهم. وبعد مدة من تهيئة الأجواء له استطاع دخول مكة تحت اسم مستعار ( عبد الغفار ) حيث أقام بها ستة أشهر استطاع أن يجمع فيها المادة اللازمة لكتابه قبل أن ينكشف أمره ويهرب من مكة. وعند عودته حظى بشهرة واسعة فى هولندا خاصة بعد ظهور كتابه سنة 1889 كما أشرنا، وعُين أستاذا بجامعة لايدن سنة 1906 ثم مستشاراً للشئون الشرقية والإسلامية للحكومة الهولندية سنة 1917، وانتقل إلى جزيرة جاوة بأندونسيا حيث أقام بها 17 سنة، وتوفى عن عمر يناهز الواحدة والثمانين عاماً.
 
عندما استقر هرخرونييه بمكة، صار يذهب فى بادئ الأمر إلى مجالس العلماء وحلقات الدراسة، ووطد علاقته بالكثير من علماء مكة وعلماء المستعمرات الهولندية فى جاوة وسومطرة ممن كانوا يعيشون فى مكة . وبفضل ذلك تمكن سنوك من الحصول على معلومات كثيرة عن تاريخ المدينة وعادات سكانها. وكان على رأس المكيين الذين زودوه بما يحتاج إليه الطبى عبدالغفار الذى التقط معظم الصور الفوتوغرافية التى نشرها هرخرونييه فى كتابه، ورَدان أبو بكر الجاوى الذى كان يقيم فى جدة 




يصف سناوك مقامه في مكة قائلا:
"لقد أقمت علاقات ومعارف مع علية القوم من أفراد المجتمع المكي. ولقد سمعت بأذنى ما يتعلمه سكان تلك المدينة العالمية وما يعلمونه لطلابهم، كيف يتحدثون فى أمور السياسة والفكر والثقافة. لقد درست النظم المثالية هناك والحياة الواقعية، كما درست أصول العقيدة الإسلامية والصراع من أجل البقاء، درست ذلك كله وخبرته وتعلمته فى المسجد والديوان والمقهى ومن واقع الحياة اليومية ".


الكعبة المشرفة من تصوير عبدالغفار مساعد هرخرونييه

نظرة هرخرونييه للمجتمع المكي في أواخر القرن التاسع عشر:
منذ بداية الجزء الثانى من كتابه، يسجل هرخرونييه ملاحظاته عن تنوع المجتمع المكي؛ فالناظر فى شوارع مكة يرى خليطاً متنوعاً من السكان من كل جنس ولون، فهناك الأتراك ذوو البشرة البيضاء والنوبييون ذوو البشرة السوداء وبينهما خليط من الأجناس الأخرى. كانت هذه الجاليات تندمج بسلاسة فى المجتمع المكى عن طريق رابطة الزواج، خاصة الزواج بأكثر من واحدة، فأصبحت الأسرة الواحدة تجمع أحياناً أخلاطاً عديدة من ألوان البشرة. وحصل نتيجة ذلك تفاعل بين العادات والأخلاق التى قدم بها هؤلاء من بلادهم مع عادات وأخلاق المجتمع المكى المحلي، ممثلاً فى السادة والأشراف، والعائلات المكية القديمة، بالإضافة إلى القبائل الحجازية.


خريطة مكة فى الكتاب

طبائع أهل مكة وتصحيح المفاهيم:
يقول سناوك واصفاً طبائع المكيين: "يغلب غلى أهل مكة الطيبة والكرم، فهم عذبوا المعشر، مولعون بالمرح، كرماء إلى درجة التبذير، أتقياء ذوو ورع وصلاح. ورغم وجود الرقيق فى المجتمع المكي، فإن العبودية لا تشكل سوى مظهر شكلى واسمى فقط، فغالباً يُعتق العبيد بعد سن العشرين لكى يتمكنوا من الزواج وتكوين أسر خاصة بهم". وقد اعتبر سناوك أن الرقيق فى المجتمع الإسلامى لا يختلف كثيراً عن الخدم والعمال فى المجتمع الأوربى ؛ فقد اندهش لمعاملة السادة لعبيدهم بأدب جم، حتى إنهم يعدونهم بعض أفراد الأسرة. ولذلك فقد انتقد بمرارة أولئك الرحالة الأوربيين الذين يقيمون فى الشرق أياماً معدودة ويصدرون أحكاماً سطحية وساذجة، لا تعتمد على المشاهدة، وإنما على ما هو موجود فى بطون كتب المستشرقين الذين سبقوهم.



مخطط الحرم المكى فى الكتاب

الأعمال في موسم الحج:
كان المجتمع المكى يضم عدداً من الطوائف الاجتماعية، فبالإضافة إلى التجار والحرفيين، كانت مكة تغص بالمتسولين الذين يقصدونها فى موسم الحج. وكان هذا الموسم يمثل شريان الحياة للمدينة، فحياة أهل مكة تعتمد اعتماداً مباشرا على خدمة ضيوف الرحمن، وأصبحت مهنة الطوافة من أكثر المهن أهمية فى مكة، حيث كان المطوفون من مختلف الجنسيات يقومون بدور الوسطاء والإدلاء لتسهيل قضاء مآرب الحج، محققين دخلاً يضمن لهم قضاء باقى العام فى سعة رزق. أما تأجير البيوت السكنية فى موسم الحج، فشكّل مصدراً آخر من مصادر الدخل لأهل مكة فى ظل غياب الفنادق بالمدينة.
 
وبعد انتهاء موسم الحج الذى يتجند فيه المكيون لإرشاد إخوانهم فى العقيدة لأداء الشعائر المقدسة، يتفرغون إلى شئونهم فيسارعون إلى البحث عن المسرات المريحة التى يجدونها فى المناسبات السارة وحتى فى المآتم، إذ يجتمعون ويتحدثون ويأكلون الطعام فى ولائم لا تنتهي. وكانت الموسم خارج مكة أكثر الأماكن التى يقصدها المكيون للهو والترويح عن النفس، مثل موسم السيدة ميمونة، زوج النبى صلى الله عليه وسلم، إلى الاحتفال بميلاد سيدنا عبد الله بن عمر بن الخطاب فى محلة الشهداء بمكة، ثم الاحتفال الكبير بالمولد النبوى فى الحرم المكي، وغيرها من المناسبات التى لا يكاد يخلو شهر من إحداهن .
ويعلق هرخرونييه على ذلك بأن علماء مكة لا يقرون ذلك ويعتبرونها بدعة أدخلها الفاطميون على مكة، مثلما أدخلوا الموالد على مصر .


غلاف الترجمة العربية للكتاب

ترجمات الكتاب للغة العربية:
كان المجتمع المكى يضم عدداً من الطوائف الاجتماعية، فبالإضافة إلى التجار والحرفيين، كانت مكة تغص بالمتسولين الذين يقصدونها فى موسم الحج. وكان هذا الموسم يمثل شريان الحياة للمدينة، فحياة أهل مكة تعتمد اعتماداً مباشرا على خدمة ضيوف الرحمن، وأصبحت مهنة الطوافة من أكثر المهن أهمية فى مكة، حيث كان المطوفون من مختلف الجنسيات يقومون بدور الوسطاء والإدلاء لتسهيل قضاء مآرب الحج، محققين دخلاً يضمن لهم قضاء باقى العام فى سعة رزق. أما تأجير البيوت السكنية فى موسم الحج، فشكّل مصدراً آخر من مصادر الدخل لأهل مكة فى ظل غياب الفنادق بالمدينة.
 
وبعد انتهاء موسم الحج الذى يتجند فيه المكيون لإرشاد إخوانهم فى العقيدة لأداء الشعائر المقدسة، يتفرغون إلى شئونهم فيسارعون إلى البحث عن المسرات المريحة التى يجدونها فى المناسبات السارة وحتى فى المآتم، إذ يجتمعون ويتحدثون ويأكلون الطعام فى ولائم لا تنتهي. وكانت الموسم خارج مكة أكثر الأماكن التى يقصدها المكيون للهو والترويح عن النفس، مثل موسم السيدة ميمونة، زوج النبى صلى الله عليه وسلم، إلى الاحتفال بميلاد سيدنا عبد الله بن عمر بن الخطاب فى محلة الشهداء بمكة، ثم الاحتفال الكبير بالمولد النبوى فى الحرم المكي، وغيرها من المناسبات التى لا يكاد يخلو شهر من إحداهن .
ويعلق هرخرونييه على ذلك بأن علماء مكة لا يقرون ذلك ويعتبرونها بدعة أدخلها الفاطميون على مكة، مثلما أدخلوا الموالد على مصر .

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع