تراث

أبي آدم يدق رأس الأفعى الإسرائيلية

نحن نخطئ أحيانًا حين ننظر إلى الحياة فلا نرى منها غير ذواتنا.. نحن الأناسيّ، أما الطير والحيوان والحَشَر، وما ضمه عالم البحار، فكل ذلك مجرد كائنات متحركة، تظل تتحرك حتى يخمدها الإنسان لينتفع بها، أو تلقى مصيرها المحتوم فتبيد بمشهد من غطرسة الإنسان الذى يتربع على عرش السيادة على غيره من الكائنات. هذا ما يقوله الراحل د. عبد الصبور شاهين فى كتابه " أبى آدم.. قصة الخليقة من الأسطورة إلى الحقيقة" الصادر فى طبعة جديدة عن دار رؤية للنشر والتوزيع. فى "أبى آدم" يرى شاهين أن وجود الخليقة البشرية هى المشكلة الكبرى التى تواردت عليها الرؤى، وتواترت الاجتهادات بدءًا من الرؤية الإسرائيلية التى انتشرت وتفردت على الساحة الفكرية حتى إن أكثر المفسرين للقرآن يرددون ما ذكرته الإسرائيليات ترديدًا حرفيًّا، دون أدنى محاولة تعرض مضمونها على العقل، وتغربل ما حفلت به من خرافات وأساطير. شاهين الذى يذكر أن كتابه هذا قد استغرق تأليفه خمسة وعشرين عامًا أو أكثر، يؤكد أن بضْع ساعات تنقضى فى قراءته لا تكفى للتحاور معه ومناقشته، للخروج من المأزق العقلى والثقافى الذى جرّتنا إليه الإسرائيليات، كما يثبت أن كتابه قائم على ركيزة الآيات المُنزَّلة ولم يخرج قيد أنملة عن المعنى القرآني، مثلما لا يتناقض فى نتائجه مع أى حديث صحيح فى السُّنة المحمدية، أكان ذلك نصًّا أم تأويلًا. وهكذا يهدف شاهين، من وراء كتابه هذا إلى انتزاع العقل المسلم من براثن النقول الإسرائيلية المحشوة بالخرافات المنافية لكل ما هو عقل وعلم ونور. 
 
أساطير خرافية.. 
فى مقدمته للطبعة الثانية لـ "أبى آدم" يقول شاهين إن صدور الطبعة الأولى منه أحدث من الدوى ما يُحْدثه سقوط صخرة ضخمة فى بركة آسنة، مما جعل كثيرين يتصدون للكتاب ولمؤلفه ظانين أن بوسعهم أن يُخفتوا صوته ويخفوا أثره بالتشويه والتجريح، غير أنهم لم يكونوا ذوى فكر قادر على استيعاب مضمون الكتاب. لقد أراد شاهين أن يكون كتابه هذا بمثابة الصخرة التى أراد أن يدق بها رأس الأفعى الإسرائيلية اللابدة فى الثقافة الإسلامية القديمة مُمثلة فى ما يسمى بالإسرائيليات التى لا تعدو أن تكون أساطير خرافية تسللت إلى الفكر الإسلامى وإلى عقل الإنسان المسلم، فاعتمدها أئمة أهل التفسير. هنا يُلفت شاهين النظر أن ثمة غارة إسرائيلية تحاول استخدام كل الوسائل لتخريب العقل المسلم المعاصر، وهى لا تكف عن ترديد الأساطير فى محاولة لزعزعة يقين المسلمين، ويكفى أن رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق مناحم بيجين وقف أمام "الأهرام" يردد أن أجداده من بنى إسرائيل هم الذين بنوا هذه الآثار الخالدة، وهي، على حد قول شاهين، عملية اغتصاب فاجرة يريد بها بيجين تجريد الأجيال المصرية من كل ميزة أو فضيلة. هؤلاء، كما يصفهم شاهين، مجرد لملمة تناثرت فى العالم قبل عشرات القرون، وتجمعت فى شكل مجموعات من الشذاذ لتحقيق خطة استعمارية هى ضرب الإسلام بواسطة هذه الجيوش المرتزقة.
 
الخرافية والحرفية
أيضًا يَعْجب شاهين من سطو هؤلاء على التراث الإسلامي، ليؤلفوا ملحمة إسرائيلية تتكامل مع العهد القديم كى يبنوا لأنفسهم وجودًا ثقافيًّا مؤثرًا فى العقل المسلم وتاريخه، وهذا هو شأن الغارة الإسرائيلية المستوطنة الآن فى فلسطين. ويؤكد المؤلف أنه لزامًا علينا أن نجاهد تلك الغارة الإسرائيلية على قلب عالمنا العربى فى فلسطين، نجاهدها ماديًّا وأدبيًّا، نجاهدها استيطانًا واحتلالاً وتأثيرًا فكريًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، ولابد من القضاء على هؤلاء الغزاة قبل أن يقضوا علينا. فى كتابه هذا، أو فى بحثه كما يسميه، يرى شاهين أن العقل المسلم المعاصر قد اُبْتلى من قبل بمدرستين توجدان على الساحة ولهما ضجيج مزعج، وقد آن أوان إخماد هذا الضجيج: الأولى هى المدرسة الخرافية التى تتبنى الحكايات والإسرائيليات، والثانية هى المدرسة الحرفية والتى تتشبث بالمأثور حتى ولو كان خرافيًّا، وهى المدرسة التى ترفع السيف فى وجه أى اجتهاد، بدعوى الخروج على قواعد اللعبة السلفية، والسلفية الحقة براء من كل أشكال الأساطير والخرافات، وإذا أردنا للإسلام أن يتبوأ مكانته فى عالم الغد فلا مناص من القضاء على هاتين المدرستين وآثارهما. كذلك يؤكد المؤلف على أن الإسلام يشجع على الاجتهاد ويَعِد كل مجتهد بالأجر ما دام لا يخالف ثابتًا من ثوابت العقيدة، وما دام لا ينكر معلومًا من الدين بالضرورة، حاضًّا على الاجتهاد، ولتذهب الخرافية والحرفية إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم. إذن الهدف الجوهرى لكتاب أبى آدم هو الدعوة إلى الاجتهاد، كما يرى المؤلف، وقد حقق صدوره نتيجة قيّمة حيث نشط بعض الكُتّاب للرد عليه وكتبوا مقالات وهو أثر جيد يُحسب للكتاب. أبى آدم الذى تتكون الطبعة الجديدة منه من بابين مقسمين إلى خمسة عشر فصلاً، إضافة إلى مقدمتين وخاتمة وتقرير لمجمع البحوث الإسلامية عن الكتاب، يناقش فيه د. عبد الصبور شاهين قصة الخليقة متحدثًا عن نظرة القدماء إلى وجود الخليقة والنظرة العلمية، والإنسان بين العلم والقرآن وعن الإنسان والملائكة واللغة والأسماء القديمة، خاتمًا كتابه بتأملات فى المسألة الخَلقية. 
 
العقل والروح
فى كتابه هذا يذكر شاهين أن بعض العلماء اتفقوا على أن آدم هو أول الخليقة وأول ما خُلق من تراب، وأن بعضهم ذهب إلى أن لهذه الخليقة وجودًا ممتدًا فى أعماق الزمان، أى قبل آدم ربما بملايين السنين، وقد عاش هذان الرأيان المتناقضان جنبًا إلى جنب. شاهين يرى أن الأقدمين لم يعتمدوا على شواهد مادية، بل هى محض تخيلات هداهم إليها تأملهم المنطقى فى أحوال الدنيا. لقد تصور الأقدمون أن ثمة أشكال من المخلوقات كانت تعمر الأرض قبل آدم، ورغم هذا يرى شاهين، ووفقًا لما قرره بعض العلماء أن آدم لم يكن أول مخلوق عاقل على هذه الأرض. وعلى حد قول شاهين تأثرت آراء الأقدمين من العلماء بما ورد فى العهد القديم من أساطير عن الإنسان القديم، ولا سيما قصة عوج بن عنق، وهى أحد معالم الحياة القديمة التى كانوا يتسلون بروايتها، وقد كان المستمعون يبهرون بتفاصيلها ويتصورون أنها تعبّر عن واقع شهدته الأجيال القديمة. 
 
وفى موضع آخر من أبى آدم نجد المؤلف يتساءل لماذا أغرق العلماء أنفسهم فى البحث عن ماهية النفس دون أن يصلوا فيها إلى شيء، مع أن الحقيقة واضحة بين أيديهم، وهى فى غاية الوضوح بقدر ما هى فى منتهى الغموض؟ ويجيب بأنها غيب من غيب الله، وسر من أسراره، وهذا هو الوضوح الذى نقصده، كالكهرباء لا تعرف حقيقتها إلا بآثارها، والعقل والروح والنفس قُوَى أودعها الله كيان الإنسان، لا تُدرك حقائقها، وإن اُستدل على وجودها بآثارها، ومن آثارها أن تنبثق منها زوج الرجل التى يسكن إليها.
 
وفى الأخير علينا أن نقر بأن " أبى آدم " كتاب مهم ولابد من قراءته، لكن بوعى شديد وبتركيز وتأمّل، حتى نصل إلى ما أراد المؤلف أن نصل إليه، وحتى يُصحح بعضنا بعض المعلومات المغلوطة التى كان يراها صحيحة قبل أن يقع الكتاب فى يديه. ولأننا فى الأخير أمام ما يندرج تحت الغيبيات التى لا يمتلك أحد أن يجزم برأى قاطع فيها، ومن رحمة الله العظمى، كما يقول المؤلف، أنه غيّب عنا تسعة وتسعين جزءًا من العلم، وسمح لنا بجزء واحد نتعامل به ونتراحم ونتعايش لأنه سبحانه علم أن كيان الإنسان لا يتحمل أكثر من ذلك، وإلا انسحق تحت وطأة الفيض المعرفي، نتساءل مع شاهين: أهنالك فى الكون كله أسمى جلالاً من علم الله؟
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع