تراث

فى رحاب المحبين

أبويزيد البسطامى.. سلطان العارفين

أُريدُكَ لَا أُريدُكَ للثَّوَابِ.. وَلكِنِّي أُريدُكَ للعِقَابِ
وَكَل مَآرِبي قَدْ نِلتَ مِنهَا.. سِوَى مَلذُوذِ وَجدِي بِالعَذَابِ
إنه المحب أبو يزيد البسطامي، طيفور بن عيسى بن شروسان، سلطان العارفين، وشيخ الزُّهاد، المفارق للخلق الموافق للحق، أُيّد بأخِلَاء الخير، عارفٌ ظهر ضياؤه، علمه مقرون بالإخلاص، لسانه مداوم على الذكر، شيخ أمين، ناصح مكين، ناطق بالعقل الرصين.
ولد البسطامي في بسطام من بلاد "خراسان"، ويُعدّ أبو يزيد البسطامي من أعلام التصوف في القرن الثالث الهجري، وقد روى البسطامي عن إسماعيل السديّ وجعفر الصادق، كان جدُّه شروسان مجوسيًّا فأسلم، وكان لعيسى ثلاثة أولاد أبو يزيد؛ وهو أوسطهم، وآدم وهو أكبرهم، وعلي وهو أصغرهم، وكانوا كلهم عُبَّادًا زُهادًا.

 

وصفه العلماء فقالوا..
أُثِرَ عن أبي يزيد البسطامي أقوالًا اختلف العلماء فيها كثيرًا فبعضهم يرى أنَّ بعضها منسوبٌ إليه، إلى جانب ما اشتهر عنه من مقامات وكرامات وزُهدٍ ومُجاهداتٍ، وبعضهم يرى فيها شطحات صوفيَّة لم تخل من الغرابة التي أثارت عليه بعض معاصريه حتى أنهم أخرجوه من بلده "بسطام"، فنرى العلماء قد وقفوا متحيرين في أمره فمنهم من نعته بالزهد والتصوف، ومنهم من اتهمه بالابتداع وخطَّأه، فقال فيه مُؤرِّخ الإسلام الذهبي (أعلام النبلاء: 13\86): "أبو يزيد البسطامي، سلطان العارفين، طيفور بن عيسى بن شروسان البسطامي، أحد الزهاد...، قلَّ ما روى، وله كلام نافع". وقال في موضع آخر (أعلام النبلاء: 13\88): "وقال لله خلق كثير يمشون على الماء لا قيمة لهم عند الله، ولو نظرتم إلى من أعطي من الكرامات حتى يطير فلا تَغترُّوا به حتى تروا كيف هو عند الأمر والنهي وحفظ الحدود والشرع. وله هكذا نُكتٌ مَلِيحَة، وجاء عنه أشياء مُشكِلَة لا مَسَاغ لها، الشأن في ثبوتها عنه، أو أنّه قالها في حال الدهشة والسُّكر، والغيبة والمحو، فيُطوَى ولا يحتج بها إذ ظاهرها إلحاد، مثل: سُبحَانِي، وما في الجُبَّةِ إلا الله. ما النّار؟ لأَستَنِدنَّ إليها غدًا، وأقول: اجعَلنِي فداءً لأهلِهَا، وإلا بلعتُهَا".
وقال عنه الإمام المؤرخ ابن كثير في (البداية والنهاية: 11\35): "طيفور بن عيسى بن علي، أحد مشايخ الصوفية، وكان جدُّه مجوسيًّا فأسلم، وكان لأبي يزيد أخوات صالحات عابدات، وهو أجلهم،... وقال ابن خلكان: وله مقامات ومجاهدات مشهورة، وكرامات ظاهرة،... قلتُ وقد حكي عنه شطحات ناقصات قد تأوَّلَها كثيرٌ من الفقهاء والصوفيَّة، وحملوها على محامل بعيدة، وقد قال بعضهم إنّه قال ذلك في حال الاصطلام-الوَلَه الغالب على القلب-، والغيبة، ومن العلماء من بدَّعه وخطَّأه، وجعل ذلك من أكبر البدع، وإنها تدل على اعتقاد فاسد كامن في القلب ظهر في أوقاته والله أعلم".
ووصفه شيخ الإسلام ابن حجر (لسان الميزان: 3\214): "شيخ الصوفية، له نبأ عجيب، وحال غريب، وهو من كبار مشايخ الرسالة، وما أحلى قوله: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتفع في الهواء! فلا تغترُّوا به حتى تنظروا كيف هو عند الأمر والنهي، وحفظ حدود الشريعة. وقد نقلوا عن أبي يزيد أشياء الشكُّ في صحتها عنه، منها: سبحانى. وما في الجبّة إلا الله...، ومن الناس من يُصحِّح هذا عنه، ويقول: قاله في حال سُكرِه -شوقه وَولَه بالله-، وقال أبو عبد الرحمن السلمي: أنكر عليه أهل بسطام، ونقلوا إلى الحسين بن عيسى البسطامي أنّه يقول له معراج كما كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فأخرجه من بسطام فحَجَّ ورجع إلى جرجان، فلما مات الحسين رجع إلى بسطام".
 


حاله مع ربِّه..
يقول أبو يزيد البسطامي عن بداية أمرِهِ وسلوكِهِ طريق ربِّه: "غلطتُ في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمتُ أنّي أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه؛ فلما انتهيتُ رأيتُ ذكره سبق ذكري، ومعرفتُه سَبَقَت معرفِتِي، ومحبته أقدم من محبتي، وطلَبُه لي أولُا حتى طلبتُهُ". ويقول عن فرحه وشوقه لربِّه: "هذا فرحي بك وأنا أخافك!، فكيف فرحي بك إذا أمنتُك؟!". ويتعجب البسطامي، فيقول: "ليس العجَبُ من حبي لك وأنا عبد فقير! إنّما العجبُ من حبِّك لي وأنت ملك قدير". وقال: "دعوتُ نفسي إلى الله فأبَت عليَّ واستصعَبَت؛ فتركتُهَا ومضيتُ إلى الله". وكان يناجي ربَّه، فيقول: "اللهم إنّك خلقتَ هذا الخلق بغير علمهم، وقلَّدتهم أمانة من غير إرادتهم، فإن لم تُعِنهُم فمن يُعينَهُم؟".
وعن ترك الدنيا خلف ظهره وسيره في طريق الله يقول أبو يزيد: "طلَّقتُ الدنيا ثلاثًا ثلاثًا بتاتًا لا رجعة فيها، وصِرتُ إلى ربِّي وحدي، فناديتُهُ بالاستغاثة: إلهي أدعوك دعاء من لم يبق له غيرك، فلما عَرِفَ صدق الدعاء من قلبي والإياس من نفسي كان أول ما ورد عليَّ من إجابة هذا الدعاء، أن أنساني نفسي بالكليَّة، ونصب الخلائق بين يديَّ مع إعراضي عنهم". وقال: "لم أزل ثلاثين سنة كلما أردتُ أن أذكر الله أتمضمض وأغسل لساني إجلالًا لله أن أذكره". وقال: "إنّ الله تعالى أمر العباد ونهاهم فأطاعوه، فخَلَعَ عليهم خُلعَة من خُلَعِهِ فاشتغلوا بالخُلَعِ عنه، وإني لا أريد من الله إلا الله".
 
وسُئِل أبو يزيد البسطامي بماذا يُستَعانُ على العبادة؟ فقال: "بالله إن كنت تعرفه". ويقول: "قعدتُ ليلةً في محرابي فمددتُ رجلي، فهتف لي هاتف من يجالس الملوك ينبغي أن يجالسهم بِحُسنِ الأدب". وسُئِل أبو يزيد: بِمَ نالوا المعرفة؟ فقال: "بتضييع مالهم، والوقوف على ماله". وقال: "اطلع الله على قلوب أوليائه فمنهم من لم يكن يصلُح لحمل المعرفة صرفًا فشغلهم بالعبادة". وسمعوه يومًا وهو يقول: "لا يحمل عطاياه، إلا مطاياه المُذلَّلة المُروَّضة". وسأله رجل من أصاحب؟ فقال: "من إذا مرضتَ عادَكَ، وإذا أذنبتَ تابَ عليك". وكتب يحيى بن معاذ إليه يومًا، فقال: "سَكِرتُ من كثرة ما شَرِبتُ من كأس محبته"، فكتب أبو يزيد في جوابه: "سَكِرتُ وما شربت من الدُّرَرِ، وغيري قد شرب بحور السماوات والأرض وما روي بعدُ ولسانُهُ مَطرُوحٌ من العطش، ويقول: هل من مزيد!".
 
"العارف بالله" كما وصفه البسطامي..
وصف أبو يزيد البسطامي العارف بالله، فقال: "العارف فوق ما يقول، والعالم دون ما يقول، والعارف ما فرح بشيءٍ قط، ولا خاف من شيءٍ قط، والعارف يلاحظ ربه، والعالم يلاحظ نفسه بعلمه، والعابد يعبده بالحال، والعارف يعبده في الحال، وثواب العارف من ربه هو، وكمال العارف احترافه فيه له". وسُئِل أبو يزيد ما علامة العارف؟ قال: "ألَّا يَفتَر من ذِكرِه، ولا يملّ من حقِّه، ولا يَستَأنِس بغيره". وقال: "إنّ الصادق من الزاهدين إذا رأيته هبته، وإذا فارقته هان عليك أمره، والعارف إذا رأيته هبته، وإذا فارقته هبته".
 
من بديع كلامه..
جاء رجل إلى أبي يزيد، فقال: أوصني، فقال له: "انظر إلى السماء فنظر صاحبه إلى السماء، فقال له أبو يزيد: أتدري من خلق هذا؟ قال: الله، قال أبو يزيد: "إنّ من خلقها لمطلع عليك حيثُ كنتَ فاحذَرهُ". وحذَّر أبو يزيد من التكبر ووصفه، فقال: "ما دام العبد يظن أنّ في الخلق من هو شرٌّ منه فهو مُتكبِّر". وعن النفس ومعالجتها، قال: "عالجتُ كل شيءٍ فما عالجتُ أصعب من معالجة نفسي، وما شيء أهون عليَّ منها!". وقال أبو يزيد عن النفس أيضًا: "لا يعرف نفسه من صحبته شهوته". 
وسُئِل عن قوله تعالى: {إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِليهِ رَاجِعُون} [البقرة: 156]، فقال: "إنا لله" إقرار لله بالملك، و"إنا إليه راجعون" إقرار على اليقين بالملك. وقال رجل لأبي يزيد: عَلِّمنِي اسم الله الأعظم، فقال: "ليس له حدٌّ محدود إنَّما هو فراغ قلبك لوحدانيته، فإذا كنتَ كذلك فارفع إلي أيّ اسمٍ شئتَ فإنَّك تَصيرُ به إلى المشرق والمغرب ثم تجيء وتصف". وقال أبو يزيد: "من سمع الكلام؛ ليتكلَّم مع الناسِ رزقه الله فهمًا يُكلِّمُ به الناس، ومن سمعه ليعامل الله؛ رزقه الله فهمًا يُنَاجِي به ربّه". وقال: "الجوع سحابٌ؛ فإذا جاع العبدُ مطَّرَ القلبُ الحِكمَة".
 
وفاته..
ظلّ البسطامي يُقدِّمُ علمَهُ ومواعظه إلى مُريِدِيهِ إلى أن وافته المنيّة سنة (261هـ)، وقيل سنة (234هـ)، ويُعرَف أتباعه بالطيفورية أو البسطامية، وما يزال ضريحه في الرستن بـ"سوريا" إلى يومنا هذا محل تقدير الصوفية وإجلالهم.

(71 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع