تراث

الأبعاد التاريخية لظاهرة البلطجة

يرجع أقدم استخدام لكلمة بلطجى إلى العصر العثماني، إذ تشير كتابات المؤرخين إلى أن كلمة "البلطجي" تعنى صاحب البلطة، والبلطجية كانوا فرقة من حرس القصور مهمتهم بالأصل مرافقة مواكب نساء القصر وحمايتهن، وكانوا يمسكون بأزمة دواب العربات ويصحبونها فى الطرقات، وفى آخر العصر العثمانى انصرف هذا اللقب على الرجال الذين لا عمل لهم، ويعيشون عالة على حساب النساء، وبالرغم من هذا الأصل الواضح للكلمة، إلا أنه حدث تغيير طفيف فى دلالاتها - خاصة عند العامة - وأصبحت تُطلق على من يعترض طريق الناس محاولا التسلط عليهم وتهديدهم، بل وارتكاب العديد من الجرائم فى حقهم، والتى قد تصل إلى السرقة والضرب والقتل والترويع والتخويف وتعريض الأرواح والممتلكات للخطر وإشاعة الخراب والدمار. 
 
والملفت للنظر أن الاستخدام التاريخى لكلمة البلطجة جاء كتعبير واحد عن مسميات كثيرة كانت تُطلق على من يقوم بالأفعال نفسها الصادرة عن (البلطجية). وفى ضوء كتابات المؤرخين المصريين أمثال: المقريزى (ت 845هـ/ 1441م)، وابن تغرى بردى (ت 874هـ/ 1469م)، وابن إياس (ت 930هـ/ 1524م), والجبرتى (ت 1237هـ/ 1822م). وغيرهم يمكن القول أن الجماعات التى عُرفت بعد ذلك بالبلطجية كانت موجودة خلال التاريخ المصرى وإن حملت أسماء أخرى. ومن أبرز هذه المسميات التى نجدها كثيرة الورود بالمصادر التاريخية: الأحداث، والأراذل، والأشقياء، والأوباش، والأوغاد، والأوغاش، والبطالون، والبطحجية، والجعيدية، والحثالة، والحرافيش، والزعار، والسراق، والسفلة، والشطار، والعصبجية، والعواطلية، والعيارين، والعياق، والغوغاء، والفتوات، والمشاديد، والمناسر، والنهابة، والهباشة...وغيرها. والعامل المشترك بين هذه المسميات أنه كان يتشكل من بينها أحيانًا جماعات شعبية مسلحة تقوم بأعمال اللصوصية والنهب، وهو ما يتفق مع أبرز صور البلطجة المعروفة الآن. 
 


 وهناك ملاحظتان على هذه المسميات: 
• الملاحظة الأولى هى التداخل الكبير بين هذه المسميات؛ فلا يمكن وضع الحدود الصارمة بين كل جماعة من هذه الجماعات، رغم أنها تشترك جميعًا فى أنها تمثل الأساس الذى انطلقت منه الجماعات الشبيهة بالبلطجية فى عصرنا الحاضر. 
• أما الملاحظة الثانية فهى أنه يُفهم ضمنيًا من منطوق هذه المسميات أنها كانت فى مجملها تعد توصيفًا (أو تصنيفًا أو وصمًا) من الآخرين لهم، ومعظمها يحمل دلالات واضحة على التوصيف السلبى لأعمالهم، وكأنها تعنى سبابًا لهم أكثر من كونها مسمى لهم. 
والطابع الغالب الذى يمكن أن نستشفه من الروايات التاريخية المختلفة أن البلطجة نمط من أنماط عنف الشارع داخل المدن، فلم نجد فيما تحت أيدينا من مصادر ما يؤكد انتشار هذا النمط داخل الريف مثلًا إذ أن البلطجية يكثرون فى الأحياء الحضرية الفقيرة وخاصة تلك التى تضعف فيها منظومة الأمن .
 
 ومن الأوقات التى ظهر فيها النهب والسطو كمظهر واضح من مظاهر البلطجة أوقات المجاعات والأزمات خلال العصر العثماني. وأيضًا كثُر ظهور البلطجية زمنيًا فى تلك الفترات الانتقالية، ويتمثل ذلك فى الفترة التى أعقبت خروج الفرنسيين من مصر سنة 1801، وقبل تولية محمد على سنة 1805، والتى شاعت فيها الفوضى والاضطراب وانتشر بها القتل والتشريد والترويع. ويفهم مما سبق أن البلطجة كظاهرة تاريخية شاع وجودها فى ظل غياب الأمن وعدم قيام الأجهزة الأمنية بدورها، وهو الأمر الذى يعنى غياب دور الدولة والسلطة مما أتاح لهذه الكيانات أن تظهر بل وأن يشتد عودها لدرجة تكوين كيانات أو ما يمكن تسميته بالعصابات الإجرامية كبيرة العدد والعتاد وهى صورة وجدناها تحققت تاريخيًا خاصة فى العصرين المملوكى والعثماني.
 


 ولا تُهمل المصادر التاريخية الحديث عن بعض أسباب انتشار ظاهرة البلطجة ومنها الفساد السياسي، فتجدر الإشارة إلى أن المؤرخين أمثال ابن تغرى بردى وابن إياس والجبرتى وغيرهم لا ينكرون أن لصوص مصر الحقيقيين آنذاك هم هؤلاء الأمراء والمماليك وسلاطينهم ومن بعدهم العثمانية وولاتهم. ويمثل ذلك قيام بعض سلاطين المماليك بغش العملة وتزييفها لتحقيق أرباح غير مشروعة أدت إلى ارتفاع الأسعار وضعف القوة الشرائية لعامة الناس، فضلًا عن زوال كثير من الحرف والمتاجر داخل الأسواق مما أوجد حالة من عدم التوازن فى البناء الاجتماعى ساعدت على شدته سلسلة الأوبئة والمجاعات التى تعرضت لها البلاد فى القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادى وكان من الطبيعى أن ينتج عن ذلك تحول كثير من الناس إلى قاع المجتمع فى شكل جمهور من العاطلين والمتسولين أو من يقال عنهم بلغة المؤرخين الزعر والشطار الذين تحولوا إلى عناصر إجرامية تقاوم شبح الفقر، والمرض، والموت. وهذا هو الوسط المناسب لظهور البلطجة وأعمالها.
 


 وأيًا كانت الأسباب أو التسمية التى حملها من عُرفوا بالبلطجة بعد ذلك، إلا أن ما يظهر من قراءة المصادر التاريخية أنه لم يكن هناك اختلاف كبير فى طبائعها وسماتها العامة التى يمكن تلخيصها فى مظهرين أساسيين:
• أولهما- كثرة المشاجرات: إذ تُخبرنا بعض المصادر التاريخية أنه أحيانًا ما كانت تحدث المشاجرات بين مجموعات البلطجية ومن ذلك ما يروى فى العصر الفاطمي، وتحديدًا سنة390هـ/ 999م إذ نشأت فى القاهرة مشاجرة عظيمة بين فئتين من البلطجية أو ما كانوا يعرفون آنذاك بالأحداث حملوا السلاح...واقتتلوا اقتتالًا شديدًا، وقُتل من الفريقين جماعة كثيرة. أو كما حدث سنة 891هـ/ 1486م فى العصر المملوكى إذ اقتتلت طائفتان من الزعار ووقع بينهما كما يقول ابن إياس "أمور وشدائد يطول شرحها، وصار يقتل بعضهم بعضًا جهارًا حتى أعيا الوالى أمرهم". 
• وثانيهما- كسر السجون: والمقصود بذلك حوادث الفتن والاضطرابات وما يتبعها من هجوم على السجون وتكسير أبوابها لإطلاق سراح المساجين على يد البلطجية. فيروى المؤرخ ابن تغرى بردى فى أحداث الفتنة الكبيرة سنة 802هـ/ 1399م: "كسرت الذعار حبس الديلم وحبس الرحبة وأخرجوا من كان بهما من أرباب الجرائم وصارت القاهرة فى ذلك اليوم غوغاء من غلب على شيء صار له".
 


 أما بخصوص تعامل السلطات والحكومات مع البلطجة تاريخيًا فإن المصادر تُفصح عن عدة طرق فى هذا الصدد، منها:
• اعتقال البلطجية: حدث ذلك حين لجأت السلطة إلى القبض على الكثيرين من البلطجية أو مرتكبى حوادث النهب والسلب الذين زادت أعدادهم بدرجة واضحة خلال ثورة العامة فى مصر سنة 742هـ/ 1341م وقامت بتوقيع العقوبات الرادعة ضدهم، وتسميرهم على باب زويلة. وكذلك لما اندلعت حوادث النهب والقتل فى سنة 907هـ/ 1501م قام والى القاهرة بالقبض على جماعة من الزعار والعبيد. باعتبارهم المتسببين فى تلك الحوادث.
• الاستعانة بالبلطجية فى الصراعات السياسية: ظهر ذلك واضحًا عندما قام بعض الحكام باستخدام هؤلاء البلطجية كقوات متطوعة بجانب القوات النظامية فى صراعاتها وهو ما نقرأه فى حوادث سنة 635هـ/ 1237م, أثناء الصراع الذى نشب بين أبناء البيت الأيوبى بين الكامل والصالح حيث استعان الصالح بالحرافشة. وهذا ما نراه أيضًا من استعانة السلطان المملوكى طومان باى - آخر سلاطين المماليك - بأشباه البلطجية من الزعار والشطار والعياق فى مواجهته للعثمانيين إبان زحفهم على مصر. وفى ذلك يقول ابن إياس: "تزايد أمر الإشاعات بأن..عسكر ابن عثمان زاحف على مصر، وأن الأحوال غير صالحة. فلما تحقق السلطان من هذه الأخبار أشاع أنه سيخرج إلى لقاء ابن عثمان بنفسه، ونادى فى ذلك اليوم بأن الزعار والصبيان الشطار والمغاربة وكل من كان مختفيًا على قتل قتيل أو عليه دم يظهر وعليه أمان الله والعرض لهم فى الميدان، وأن السلطان يصرف لهم الجوامك والمركوب، ويكونون صحبة الزردخاناة [السجن] إذا سافر السلطان، فلم تعجب الناس هذه المناداة لقوله: ولو كانوا قد قتلوا القتلاء يظهرون وعليهم أمان الله، فكان السكوت عن هذا أجمل. فاضطربت الأحوال فى ذلك اليوم وارتجت القاهرة...". ومن طرق السلطة فى التعامل مع البلطجية الاستعانة بهم فى العديد من الأعمال خاصة فى أوقات الاضطرابات، وتشير بعض المصادر إلى أن بعض القوى السياسية كانت تستأجر بعض ممارسى أعمال البلطجة فى الدفاع عن مصالحها السياسية والاقتصادية وهو ما وجدناه عند بعض الأمراء والمماليك فى حوادث فتنة سنتى 769-770هـ/1367-1368م التى حدثت بين المماليك واستعان فيها طرفى النزاع من المماليك بالزعار والعوام وبأيديهم المقاليع والحجارة.
 
وفى نهاية هذا المقال يمكن القول إن البلطجة ظاهرة اجتماعية قديمة بغض النظر عن المسمى الذى حملته هذه الظاهرة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن معدلات هذه الظاهرة تظهر بشكل واضح فى ظل الأزمات التى يمر بها المجتمع خاصة الاقتصادية منها، كما تظهر فى فترات التحول التاريخية.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع