أفكار

"نبع الينابيع".. ثلاث رحلات لأفريقيا..

7- فقراء "الشلوك".. ونهر "العسل"

بدا "النيل الأبيض" بالنسبة للكاتب والأديب عبد الله الطوخي، مؤلف "نبع الينابيع" خلال رحلته إلى "أعالي النيل" ومنطقة المنابع، ممتدا في وهج الشمس لامعا يبرق، وخيل إليه أن لونه أبيض بالفعل، وعلى الجانبين كانت مساحات طليقة من الخضرة، وبعض طيور في الفضاء، وهنا فقط شعر أن الرحلة إلى الجنوب بدأت، قائلا لنفسه: "من الآن سنواصل السير بالليل وبالنهار، لن نتوقف إلا في المحطات، حيث ستكون فرصة للنزول إلى الشاطئ والتجوال ورؤية المجتمعات والبشر، وكيف يحيا أهل الجنوب على الطبيعة".

كانت الرحلة مقسمة، كما تشير الخريطة، إلى قسمين رئيسيين: القسم الأول: مرحلة النيل الأبيض، بدءا من "كوستى" إلى ما بعد "ملاكال" الواقعة على ضفاف النيل الأبيض قبل التقائه بنهر السوباط، حيث تمر على ست أو سبع محطات، وتستغرق أربعة أيام، وهي مرحلة هادئة ناعمة. والمرحلة الثانية: مرحلة بحر الجبل، وتبدأ من التقاء النيل الأبيض ببحر الغزال، حتى "جوبا" قرب حدود السودان وأوغندا ومنطقة البحيرات، وتمتد على مسافة 1435 كيلو  مترا.


 رجل من قبيلة الشلوك

ينابيع النهر والإنسان..
تخيل "مؤلف نبع الينابيع" أنه يسير على نفس الطريق الذي سار عليه من قبل "السير صمويل بيكر"، أحد مكتشفي منابع النيل، الذين عملوا مع الحكومة المصرية في عهد الخديو إسماعيل. وتذكر الأهوال والأمراض التي لاقها هو وزوجته وقافلته، والضحايا التي سقطت، متسائلا: "لقد انتهت مسيرتهم بهذه الكشوف العظيمة لمنابع النيل، أما أنا فأي منابع سأكتشف؟"، ليتنبه وقتها أن بإمكانه اكتشاف "المنابع الإنسانية" التي سبق وأهملها هؤلاء.

يقول الطوخي: "إذا كان هؤلاء قد اكتشفوا المنابع الجغرافية، فهم لم يكتشفوا المنابع الإنسانية. بالعكس. كان آخر شيء ينظرون إليه هو الإنسان، وتلك هي النقطة التي أغضبتني من صمويل بيكر، عواطفه المتشامخة على الزنوج، واعتبارهم جنسا توقف عن التطور. لا يبشرون بأي ازدهار أو نضوج"، ثم يستطرد: "لربما كان اكتشاف منابع النهر أسهل ألف مرة من اكتشاف إنسان. فإن كان النهر شريانا واحدا وعدة روافد، فالإنسان آلاف الشرايين وملايين المسارب والدهاليز والانحناءات والذبذبات والانفجارات. كون تجمعت فيه قوانين العالم الأكبر".

هنا استعاد "قصة "مارجريتا"؛ الراكبة الغامضة غريبة الأطوار على ظهر الباخرة، التي سمعها من "حامد الأمين"، المشرف على خدمة الدرجة الأولى، في سهرة على ظهر الباخرة، وهي القصة التي دارت على خلفية الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان، ومات فيها طفلها بقذيفة بينما كانت تحاول أن تهرب به على ظهر باخرة من الجنوب إلى الشمال، ومن يومها تاه عقلها وهي رائحة غادية في النيل على أمل أن تجده، ما دفعه لأن يعتبرها "إيزيس الزنجية".

وجد الطوخي نفسه أمام "خطوط ملحمة مأساوية طويلة وعميقة العنف.. ليست ملحمة مرجريتا وحدها والطفل الضائع، إنما ملحمة السودان كله، عبر سنين وسنين. نكسة الهزيمة بعد انتصارات المهدي، وضرب القوى الوطنية بوحشية، وسياسية الإنجليز المستعمرين الخبيثة لفصل جنوب السودان عن شماله. والصراع الدموي الضاري بين الداعين للانفصال، والداعين للوحدة، وضحايا التعصب والانتقام، وحلقة الدم المفرغة"، وهو الصراع الذي ظلت أصدائه تتردد إلى اليوم، بعد رحلة الطوخي، وحتى بعد الانفصال الرسمي لجنوب السودان عن شماله.


السير صمويل بيكر

فرصة إطعام ملايين البشر..
بينما كانت الباخرة (القطبي) تمخر عباب النهر، لمح مؤلف "نبع الينابيع" عن بعد قطيعا من الأبقار لا يتجاوز عدده المائة سارحا في مراعي شاسعة لا نهاية واضحة لها، واتضحت له حقيقة أن هذه المراعي يمكن أن تقدم الطعام لملايين الأبقار، وهو ما يمكن أن يجعل الجوع يختفي من العالم، متسائلا: لماذا أيها المتشدقون بالقومية العربية: لم لا تأتي ملايينكم الراقدة في البنوك الأوروبية، وتتحرك هنا، تُنشئ خطوطا وسككا حديدية وأساطيل نهرية، ومراعي وحظائر ومصانع وعالما يبسط فيه الرخاء على الإنسان، وتكسبون أيضا ملايين أيها السادة!، وهو السؤال الذي ربما لايزال يبحث عن إجابة حتى الآن.

ولاحقا عندما كان على سطح الباخرة لمح سحبا من دخان عالية تتصاعد من حرائق ونيران تشمل مساحات واسعة من المراعي، كان منظرها غريبا ومخيفا، وصعد مسرعا على السطح واتجه إلى كابينة القيادة ليعرف من ريس الباخرة "أنهم يحرقون القش القديم الجاف، حتى ينبت مكانه عشب جديد تأكله البهائم"، وهنا عاد السؤال: لو كانت هناك أعداد هائلة من القطعان لأجهزت على هذه المساحات الشاسعة من الأعشاب الفطرية، وأكلتها وهي في عز خضرتها وحيويتها، قبل أن تبلغ مرحلة الجفاف وتصبح قشا"، وتجسدت له أحد مآسي البلاد التي يطلقون عليها "النامية"؛ "مواد أولية هائلة، ولا قدرة  على استغلالها"، وهو الأمر الذي يكاد يكون هو واقع الحال في كل بلاد أفريقيا، حتى بعد عشرات السنوات من رحلات الطوخي.


مشاهد الحرب الأهلية في السودان

فنانو "الشلوك" الفقراء..
كان طبيعيا أن تتماشى الخلفية السابقة مع بشر فقراء من قبائل شتى بينهم قبيلة "الشلوك" التي تمتد من منطقة "جيجر" (نهاية "مديرية النيل الأبيض" وبداية مديرية "أعالي النيل") حتى "تونجا"، وقبائل "النوير" من منطقة "واسكيك" حتى "أدوك".. ثم بعدها قبائل "الدنكا" أكثر القبائل عددا وقوة في الجنوب. وجد الطوخي نفسه وجها لوجه مع بعض من هؤلاء، عندما صعد تجمع من قبيلة "الشلوك" على سطح الباخرة في إحدى نقاط توقفها، يعرضون بضائعهم وصناعاتهم وفنونهم اليدوية على الركاب، حيث كانوا جميعا، حتى الباعة الفنانين منهم، "فقراء مجهدين".

فوجئ بشاب منهم يحمل على ذراعه طفلا عاريا، ويقترب منه باسما ويهمس له طالبا خبزا، إن كان عنده، فصعد جريا إلى غرفته، وأخرج علبة "بسكويت" وعاد إليه جريا ووضعها في يد الطفل المحمول على ذراعه، فبرقت عيناه بالسعادة، وشكره بهزة من رأسه ثم مضى بالطفل والبسكويت إلى رفاقه، ليتسائل الطوخي رغم سعادته بما فعله: ما الضامن أن الطفل هو الذي سيأكل البسكويت؟، قائلا لنفسه: "لاشك سيناله نصيب".

هذه المشاهد هي ما دفعت مؤلف "نبع الينابيع" لأن يسمي نهر النيل بـ"نهر العسل المر"، وهي العبارة التي راح يرددها في السر والعلن بينما الباخرة تمضي به، حيث القانون الرئيسي الواضح الذي يحكم الحياة فوق النهر، هو ذلك التناقض الصارخ الدامي بين روعة الطبيعة وجمالها وغناها، وبين بؤس الإنسان وهوانه وفقر إمكاناته.
 
 

(43 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع