أفكار

بيت هوارد كارتر...

3- قصة نهب 420 مليون مومياء مصرية

 
"المصريون هم أول شعب حفظ تاريخه، وهم المؤرخون الأوائل في العالم، لأن ماضيهم يتمثل أمام عيونهم في تلك الآثار الكثيرة"..



هيرودوت
 
والمصريون هم أقدم شعوب الأرض إيمانا بالبعث والعالم الأخروي. بنوا للموت أضخم أثر بشري على الإطلاق (الهرم الأكبر)، وبالغوا في الاستعداد لرحلة الروح في العالم الآخر، فاعتنوا بخلود الجسد، كي "ترتديه" الروح، يوم البعث. وزودوا مقابرهم بالثروات والكنوز التي قد يحتاجها الميت في العالم الآخر.
 غير أن لصوص الثروات وناهبي المقابر لم تردعهم حرمة الموتى، ولا لعنات الكهنة والأبناء، التي توعدت كل من يهتك حرمة الميت بالعذاب الأبدي. قال صامويل بيرش، الذي قدم أول ترجمة لكتاب الموتى، وكان أمينا للقسم المصري والآسيوي في المتحف البريطاني طيلة 19 عاما، إن المصريين حفظوا 420 مليون مومياء خلال 2700 عام من التاريخ المصري. 



إسبرين
إلا أن الضعف، الذي أصاب الدولة المصرية في الأسرتين الـ 20 والـ21 (حوالي سنة 1150 قبل الميلاد)، جعل العرش ضعيفا، وتهاون الحراس، ووجد اللصوص الفرصة لنهب المقابر. ولم يكتفوا بسرقة الكنوز بل سرقوا المومياوات أيضا. أطلق الناس عليها اسم المساخيط، في عصور تالية، وكانت تباع في الأسواق لاستخراج القطران، واستخدامه في إشعال القناديل. وكانت المومياوات تسحق في العصور الوسطى وتباع كدواء لعلاج الأمراض، يستعمل مثل الإسبرين، وأضاف رسامو القرن السادس عشر مسحوق المومياوات إلى لوحاتهم، كي يمنعها من التشقق عندما تجف الألوان. وكان الملك تشارلز الثاني ملك إنجلترا في القرن السابع عشر يحك جسمه بمسحوق المومياوات، كي تنتقل إليه عظمة القدماء. وفي القرن التاسع عشر استخدمت المومياوات كسماد. وقال ماك كون في كتابه "مصر كما هي"، الذي صدر عام 1877 إن المومياوات كانت أول صادرات مصر في عام 1872. وأنه يتم تصدير 10 آلاف طن سنويا منها، معظمها إلى بريطانيا.
ولم تنج الآثار أيضا، عبر تاريخها، من السرقات. استولى بعض الملوك المصريين على ما أنشأه سابقوهم، واستخدموا أحجار المعابد في بناء معابدهم الجديدة، أو طمسوا آثار السابقين ووضعوا أسماءهم فوقها. واستخدمت أحجار المعابد في بناء القصور والقلاع والمساجد، في العصور التالية. 

وصف مصر
غير أن أسوأ موجات سرقة الآثار المصرية ونهبها بدأت بعد أن أصدر العالم والرسام الفرنسي دومينيك فيفان دينوف كتاب "وصف مصر" في 24 جزءا. وكان نابليون بونابرت جاء مصر غازيا بـ328 سفينة، و1800 مدفع، في عام 1798، ومعه 175 عالما وخبيرا في الفلك والجغرافيا والجيولوجيا والفلسفة والنبات والرسم والشعر. وأطلق عليهم "جنود العلم" الذين يتطلع إليهم العالم لمعرفة التاريخ المصري. غير أن الإنجليز نقلوا حربهم ضد نابليون إلى مصر، فحاصر القائد البحري هوراشيو نيلسون أسطوله في "أبو قير" ودمره في أغسطس عام 1798، ما ترتب عليه فرار نابليون إلى باريس سرا، تاركا قيادة الحملة من بعده إلى الجنرال جان باتيست كليبر، الذي اغتيل على يد سليمان الحلبي في عام 1800.



الجنرال جاك فرانسوا مينو

غير أن الجنرال جاك فرانسوا مينو، آخر قادة الحملة الفرنسية على مصر، وقد خضع إلى شروط القوة البريطانية العثمانية المشتركة، التي أرغمت الفرنسيين على تسليم أسلحتهم قبل الانسحاب، أدهشه أن البريطانيين، الذين وافقوا على السماح للفرنسيين بالاحتفاظ بممتلكاتهم الخاصة، تمسكوا بأن يسلم الفرنسيون كل ما جمعوه من مقتنيات وآثار في المجمع العلمي المصري الذي أنشأه نابوليون. 
وبموجب المادة 16 من معاهدة الاستسلام التى وقعت عام 1801 عين الجنرال هاتشنسون لمهمة مصادرة القطع الأثرية التى جمعها الفرنسيون أثناء إقامتهم. ولكن علماء الحملة الفرنسية برئاسة جيفرى سانت هيلير رفضوا تسليم أعمالهم العلمية، وأصروا على أخذها معهم إلى فرنسا، وطلب مينو الاحتفاظ بحجر رشيد على أنه ملكية شخصية. إلا أن هاتشنسون وافق على ترك الأعمال العلمية لأعضاء الحملة الفرنسية وأصر على أخذ حجر رشيد، الذي تم تسليمه سرا في الأسكندرية.

من لا يملك يمنح من لا يستحق
وكما انفردت آثار مصر ببند خاص من بنود معاهدة استسلام جنود الحملة الفرنسية للبريطانيين في مصر عام 1801، عادت آثار مصر لتكون أحد بنود الاتفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا، والذي تم توقيعه في الحقبة الاستعمارية التالية، في 8 أبريل 1904، لإنهاء التنافس بين البلدين في البحر المتوسط. وتعلق الاتفاق بعدم مطالبة فرنسا بجلاء الإنجليز عن مصر، في مقابل إطلاق يد فرنسا في المغرب بدون تدخل بريطاني. غير أن البند الثالث من بنود الاتفاق نص على أنه "تم الاتفاق على أن يستمر إسناد منصب مدير عام الآثار في مصر، كما في الماضي، إلى عالم فرنسي." 


محمد على باشا

سرقات مشروعة
غير أن قصة "حماية آثار مصر" وتأسيس مصلحة الآثار بدأت قبل توقيع الاتفاق الودي بعقود. يقول أشرف العشماوي في كتابه "سرقات مشروعة"، إن ذلك كان بدءًا من حكم محمد على باشا، الذي بدأ استراتيجية سياسية جديدة كان أساسها أن تنفتح مصر علي العالم الغربي‏.‏ وفي عام ‏1835‏ أصدر محمد علي باشا مرسوماً يقضي بإنشاء مصلحة الآثار والمتحف المصري وقام بإسناد إدارة تلك المصلحة إلي يوسف ضياء أفندي بإشراف الشيخ رفاعة الطهطاوي‏، لكي يتولى مهمة إعادة إيقاظ الاهتمام بآثار الماضي‏.‏ ونجح في تنبيه الرأي العام لقيمة الآثار وأمر بإصدار قرار في‏ 15‏ أغسطس ‏1835‏ بمنع التهريب والاتجار في الآثار المصرية إلي الخارج‏,‏ بل ضرورة صيانتها والحفاظ عليها‏.‏ وكان المتحف المصري في ذلك الوقت يطل علي ضفاف بركة الأزبكية‏ ثم تم إلحاقه بمدرسة الألسن‏.
وفي عام‏ 1848‏ كلف محمد علي باشا لينان بك وزير المعارف بوضع بيان شامل عن المناطق الأثرية وإرسال الآثار المهمة إلي المتحف المصري، غير أن هذا العمل لم يكلل بالنجاح‏ بسبب وفاة محمد علي باشا عام‏ 1849، وما تلاها من اضطراب مرة أخرى، إذ عادت ظاهرة الاتجار في الآثار المصرية إلي الظهور‏,‏ وأخذت المجموعة التي كان يضمها المتحف الذي أقيم في الأزبكية في الانكماش شيئا فشيئا حتى تم نقلها إلي قلعة صلاح الدين في صالة واحدة بنظارة المعارف‏.‏ وزاد الأمر سوءا بما حدث أثناء زيارة الدوق مكسميليان النمساوي‏، إذ قام بزيارة قاعة
 الآثار بالقلعة وما إن ظهر اهتمامه بها حتي قام الخديوي عباس الأول بإهدائها بالكامل إليه‏. 


تمثال لفرانسوا أوجست فردينان مارييت

كنز إياح حتب
وفي عام‏ 1858‏ أقنع فرديناند ديليسبس الخديوي سعيد بإنشاء مصلحة للآثار المصرية، وتم تعيين أوجست مارييت مأمورا لأعمال الآثار في مصر وإدارة الحفائر في‏ 19‏ يونيو‏ 1858.‏ وبدأ مارييت في عمل برامج مكثفة للبحث الأثري.‏ لكنه واجه مشكلات عديدة، خاصة في المرحلة الأولي لإنشاء تلك المصلحة. وأنشأ مخزنا للآثار علي ضفاف النيل ببولاق‏،‏ تحول إلى متحف عند اكتشاف كنز الملكة إياح حوتب في‏ 5‏ فبراير‏ 1859‏ بمنطقة دراع أبو النجا في طيبة‏.‏ وكان من أهم القطع المكتشفة التابوت الذي وجدت بداخله مجموعة من الجواهر والحلي والأسلحة، التي كانت علي درجة عالية جدا من الروعة والفخامة‏، شجعت الخديوي سعيد على إنشاء متحف للآثار المصرية في بولاق‏.‏ وقد تم بناؤه في عهد الخديوي إسماعيل، وافتتح للزيارة للمرة الأولي عام‏ 1863‏.
وفي عام 1869، أصدر الخديو إسماعيل لائحة الأشياء الأثرية التي وضعت قواعد تنظيمية للحفائر، ثم صدرت لائحة الآثار الثانية في 2 مارس 1874 حيث وضعت، بدورها، قواعد جديدة لتنظيم الآثار المصرية، وإن كانت قد أقرت نظام قسمة الآثار. وفي 19 مايو 1880، أصدر الخديوي توفيق مرسوما بحظر تصدير الآثار، بالإضافة إلى المرسوم الخاص بحظر تصدير الأشياء التي تخص المقابر والمساجد، ثم صدر في نوفمبر 1891، الأمر العالي الذى يحظر الحفر بهدف البحث عن الآثار إلا بمقتضى رخصة، ثم جاءت لائحة "ديكريتو" بشأن الإجراءات الخاصة بحماية الآثار المصرية والتي صدرت بناءً على قرار الجمعية العمومية بمحكمة الاستئناف المختلطة.


فرانسوا أوجست فردينان مارييت

94 عاما من الإدارة الفرنسية
 ومنذ إنشاء مصلحة الآثار عام 1858 وحتى عام 1952 شغل ستة من الفرنسيين منصب مدير عام الآثار. كان أولهم فرانسوا أوجست فردينان مارييت، الذي وضع أول قاعدة في حماية الآثار المصرية، تمنع خروج أي أثر من مصر ما لم يكن له نظير في البلاد. ثم خلفه جاستون كامي شارل ماسبيرو في إدارة المصلحة على فترتين، الأولى منذ عام 1881 وحتى 1886، عندما اضطر للعودة إلى باريس بسبب مرض زوجته، والثانية منذ عام 1899 وحتى عام 1914. وقام ماسبيرو بنشاط كبير لمواجهة سرقات الآثار المصرية القديمة، وأشرف، بمساعدة العالم المصري أحمد كمال بك، على نقل المئات من الموميات والآثار المنهوبة إلى المتحف المصري بالقاهرة، وفي عام 1881 قبض ماسبيرو على عائلة عبد الرسول، وهم من أشهر تجار الآثار، واستطاع أجبارهم على الاعتراف بالسرقات، وحصل منهم على معلومات عن خبيئة في الدير البحري، التي عثر فيها على مومياوات الملوك سقنن رع وأحمس الأول وتحتمس الثالث وسيتي الأول ورمسيس الثاني وغيرهم، وهو الاكتشاف الذي خلدته رائعة المخرج الكبير شادي عبد السلام "المومياء"-1975م.

وفي عام 1889 تولى يوجين جريبو إدارة المصلحة، وأشرف على صياغة أمر عال أصدره الخديو محمد توفيق في 17 نوفمبر 1891 يمنع الحفر إلا برخصة من مدير عموم دار التحف والحفر. ووضعت شروط ونصوص محددة في كل ترخيص تذكر أن "كل الآثار تبقى ملكا للحكومة المصرية، تختار منها ما تريد، فإن بقي شيء يترك للقائم بعملية التنقيب، بشرط أن يقوم بدوره بإهداء القسم الأكبر منها للمتاحف العامة، بلا مقابل."  وتولى جان ماري دي مورجان إدارة المصلحة لمدة خمس سنوات (1892-1897)، وتلاه فيكتور لوريه في المنصب لمدة سنتين.



قانون ماسبيرو
عاد ماسبيرو لإدارة مصلحة الآثار عام 1899، حيث ظل في منصبه لمدة 15 عاما، واستطاع أن يقدم مشروعا لأول قانون متكامل بالمعنى المتعارف عليه اليوم، يتضمن تعريفا للأثر وضوابط تداوله، وعقوبات لمخالفة أحكامه. وينص على أن لا يسمح للأشخاص بالتنقيب، وأن يقتصر التنقيب فقط على البعثات العلمية بعد الموافقة على مشروعها. ولم يصبح من حق الحفارين الحصول على نصف ما يعثرون عليه، لكنهم يحصلون فقط على القطع التي لها مثيل مكرر بمتحف القاهرة. ولا يمنح القائم على الحفائر تأشيرة خروج من مصر إلا في حالة تركه الموقع الأثرى في صورة مُرضية. كما فرض مقابلا لمشاهدة المناطق الآثرية لمواجهة النفقات التي يحتاجها للتنقيب وأعمال الصيانة.

وافق إسماعيل سري باشا، وزير الأشغال، الذي تتبعه مصلحة الآثار، على مشروع القانون، وأقره مجلس الوزراء برئاسة محمد سعيد باشا، ووقعه الخديو عباس حلمي الثاني عام 1912. ونص المشروع على أن تؤول لمصلحة الآثار مومياوات الملوك والأمراء وكبار الكهنة وأعضاء البلاط الملكي وتوابيتهم وأكفانهم. وأن تؤول للمصلحة أيضا كافة محتويات المقابر السليمة التي لم تمس، ولم ينبشها الصوص. أما إذا وجدت مقبرة تسلل اللصوص إليها، ولم يسرقوها بالكامل، فإن مصلحة الآثار تحتفظ بالمومياوات والتوابيت ذات الأهمية الكبرى من الناحيتين الأثرية والتاريخية. ويقسم ما تبقى بعد ذلك من الآثار القابلة للنقل مناصفة بين المصلحة والمكتشف. وتقوم مصلحة الآثار بعملية القسمة إلى مجموعتين، يختار الكتشف إحداهما، أو يحصل على ثمن مجموعته من مصلحة الآثار. وإذا لم يقبل المكتشف نصف القيمة التي تحددها المصلحة، يكون لها أن تأخذ التحف أو تتركها بأن تدفع أو تأخذ نصف القيمة التي يحددها المكتشف بنفسه. وجرى العرف على أن يحصل المكتشف على معظم الآثار العادية، وأقل من نصف الآثار المهمة.



وبسبب المنافسة بين الإنجليز، الذين كانوا يحتلون مصر، وبين الفرنسيين، الذين كانوا يهيمنون على إدارة الآثار المصرية، قدم ماسبيرو استقالته عام 1892م، ولكن ممثل فرنسا في مصر طالب بعودته، وعاد فعلا إلى مصر في عام 1899م، حيث قام بتعيين هوارد كارتر كبيرا لمفتشي الآثار في مصر العليا، وكان هو أيضا من عرف كارتر إلى اللورد كارنافون عام 1905م. 
ومع تعيينه في منصب المستشار الدائم لأكاديمية الفنون والآداب، عاد ماسبيرو إلى باريس عام 1914م، وخلفه بيير لاكو في إدارة مصلحة الآثار، من 1914 وحتى 1936، ثم إتيان دريوتون من 1936 وحتى قيام ثورة يوليو في عام 1952.

تصريح كارنارفون
وفي عهد جاستون ماسبيرو حصل اللورد كارنارفون على أول تصريح للتنقيب عن الآثار في الضفة الغربية للأقصر، وبحث مع هوارد كارتر لمدة خمس سنوات كاملة، من عام 1907 وحتى 1912، ونشرا كتابا عنوانه "خمس سنوات من البحث في طيبة". ولكنهما ظلا عامين بعده بدون حفر، لحين انتهاء ترخيص المليونير الأمريكي تيودور دافيز.
 
 

(4 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع