أفكار

العلماء العُزّاب..

3- جار الله الزمخشري

 
تَصفَّحتُ أَولادَ الرِّجَال فَلمْ أكَدْ أُصَادِفُ مَن لَا يَفْضَحُ الأُمّ وَالأَبَا
 
رَأَيتُ أبًا يَشْقَى لِتَربِيةِ ابنِهِ وَيسْعَى لِكَي يُدعَى مُكْيسًا وَمُنجِبًا
 
أَرَادَ بِهِ النَّشءَ الأَغَرَّ فَمَا دَرَى   أَيُولِيهِ حِجْرًا أَمْ يُعْلِيهِ مَنكِبًا
 
أَخُو شِقوَةٍ مَا زَالَ مَركِبَ طِفلِهِ فَأصبَحَ ذَاكَ الطِّفلُ للشِّرِ مَركِبًا
 
لِذَاك تَرَكتُ النَّسلَ وَاختَرْتُ سِيرَةً مَسِيحيَّةً أَحسِنْ بِذَلكَ مَذْهَبًا
 
 
 
إنّه جار الله، الإمام الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد، أحد أئمتنا العُزّاب، أفصح في أبياته المتقدمة عن أسباب عزوفه عن الزواج؛ مبررًا ذلك بأعباء التربية، ومخافة ضلال الأبناء وانحرافهم، فيقول: نظرتُ إلى أبناء الرجال فلم أجد إلّا ما يفضحُ أمّه وأباهُ؛ أي: في تصرفاته!، ويؤكّد: رأيتً الأبّ يشقى في تربية ابنه ويسعى في إصلاحه بكلّ غالٍ ونفيس، حتى أنّه من تدليله له لا يدري أيجلسه على حجره أم يرفعه على منكبه!، فيُتعب أباهُ من كونه مركبًا له، فإذا شبّ هذا الولد نراه قد اتخذ الشرّ بعد الكبر مَركِبًا؛ أي: يسير في طريق الضلال مما يُشقِي أباه وأمه ويؤدي إلى فضيحتهما؛ ومن أجل ذلك يُعلنُها الزمخشري صريحةً واضحةً؛ لذلك تركتُ الزواج والإنجاب، واخترتُ سُنّة المسيح قاصدًا "الرهبانية".
ونراه في موضعٍ آخر يُعلِّل عزوبيته ويهاجم الأبناء، فيقول:

كَأنَّكُم لَم تَسمَعُوا أَنّ مَن لَهُ عِيَالٌ شَقِيُّ دَهرَهُ لَيسَ يُفلِحُ
 
قَبِيحٌ بِمِثلِي والبَنُونَ كَمَا أَرَى جُنودُ فَسَادٍ لَيسَ فِي الأَلفِ مُصلِحُ
 
أَذَا ارتَكَبَ الابنُ الخَلِيعُ فَضِيحَةً فَذَاكَ لعمرُ اللهِ للأبِّ أَفضَحُ
 
وَكُلّ صَنيعٍ لَيسَ للَّنفعِ جَالِبًا وَجَرّ وُجُوهَ الضُّرّ فَالتَّركُ أرْوَحُ
 
وقد اعتبر الزمخشري علمه ومؤلفاته أبرُّ عليه من الأبناء، وأفضل له من الذريّة والأولاد، حيث قال:

وَحَسْبِي تَصَانِيفِي وَحَسْبِي رُوَاتُها بَنِينَ بِهِم سِيقْت إليَّ مَطَالِبِي
 
إِذِا الأبُّ لَمْ يَأمَن مِن ابْنٍ عُقُوقَه   وَلَا أَن يَعُقَّ الإبن بَعضُ النَّوائِبِ
 
فإنِّي مِنُهم آمِن وَعَليهَم وَأَعْقَابَهُم أَرجُوهُم للنِّوَائِبِ
 
وعندما سًئِل في موطنٍ آخر عن عدم زواجه كرَّر الرد بنفس المعنى السابق، ولكن بأسلوب آخر، فقال:

بَنيَّ – فَاعْلَم – بَنَاتُ فِكْرِي حَصَانُهُم أُمُّهُ الدِّراسِه
 
أَبْنَاءُ صِدْقٍ لَهُم نُفُوسٌ وُصِفنَ بِالفَضلِ والنَّفَاسَه
 
حُمَاةُ عِرضِى مُحصِّنوهُ فِي كَنَفِ الصَوْنِ والحِرَاسَه
 
بِرُّ صَرِيحٌ بِلَا عُقُوقٍ خُلْقٌ صَحِيحٌ بِلَا شَكَاسَه
 
مَا نَسْلُ قَلبِي كَنَسلِ صُلبِي مَنْ قَاسَ رُدَّ لَهُ قِيَاسَه
 
 
ومن هنا نرى سبب آخر لعدم زواج الزمخشري؛ وهو علمه ومؤلفاته، حيث رأى أنّ علمه أولى بجُلّ وقته، وهو أبقى له من الذريّة والأولاد، وكان -رحمه الله- كثير التصنيف، وقد بلغ أبناء فكرِهِ وبنات قلمه نحو الخمسين مؤلفًا لا يقل أحدها أهمية عن الآخر، فكان الزمخشري يُضرب به المثل في علم الأدب والنحو واللغة، فكان علّامة في الأدب، ونسّابة للعرب، وقد عاصر أكابر العلماء، وصنّف في التفسير وغريب الحديث والنحو وغيرها من علوم عصره، ما دخل بلدًا إلا واجتمع عليه أهلها وتتلمذوا على يديه، أقام في خوارزم فترة من الزمن فقصده طلبة العلم والعلماء من كل مكان، ثم خرج منها إلى الحج، وأقام في الحجاز مُدة؛ حتى رجع إلى خوارزم، وسافر إلى بغداد أكثر من مرّة، والتقى بكبار علمائها في ذاك العصر الذي كانت فيه بغداد غنيّة بالعلماء الكبار، فكان الزمخشري من أعلم العجم بالعربية في زمانه، وأكثرهم اكتسابًا واطلاعًا على كتبها، فكان الزمخشري كثير السفر والترحال طلبًا للعلم من كل مكان، لدرجة أنّه فقد إحدى رجليه في سفرياته فعاش حياته كلها يسير على قدمٍ خشبية.

اعتزاله..
كان الزمخشري معتزليّ الاعتقاد، حنفي المذهب، وكان يجاهر بالاعتزال، ويدونه في سائر كتبه، ويصرّح به في جميع مجالسه، وقد بذل الزمخشري مجهودًا كبيرًا في تفسيره "الكشاف"؛ وذلك في سبيل تفسير الآيات على مقتضى مذهب المعتزلة بأصوله الخمسة، وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الزمخشري كما وصفه العلماء..
قال القفطي: "وذكره صاحب الوشاح-ذكره بألقاب وسجع له على عادته- فقال: أستاذ الدنيا، فخر خوارزم، جار الله العلامة أبو القاسم، محمود الزّمخشرىّ من أكابر الأمّة، وقد ألقت العلوم إليه أطراف الأزمّة؛ واتفقت على إطرائه الألسنة، وتشرّفت بمكانه وزمانه الأمكنة والأزمنة؛ ولم يتمكن في دهره واحد من جلاء رذائل النظم والنثر، وصقال صوارم الأدب والشعر؛ إلا بالاهتداء بنجم فضله، والاقتداح بزند عقله؛ ومن طار بقوادم الإنصاف وخوافيه، علم أنّ جواهر الكلام في زماننا هذا من نثار فيه؛ وقد ساعده التوفيق والإقبال، وساعفه من الزمان الماضي والحال؛ حتى اختار لمقامه أشرف الأماكن، وجمع بجوار بيت الله الحرام بين الفضائل والمحاسن؛ وودّع أفراس الأمور الدنياويّة ورواحلها، وعاين من بحار الخيرات والبركات سواحلها؛ وقد صغر في عيون أفاضل عهده ما رأوه ورووه، وملك في قلوب البلغاء جميع ما رعوه ووعوه؛ وإن كان عدد أبياته التي ذكرتها قليلًا، فكماله صار عليها دليلًا" (إنباه الرواة، 3/269).

وقال الذهبي، مؤرخ الإسلام عن الزمخشري: "العلامة، كبير المعتزلة، أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد، الزمخشري الخوارزمي النحوي صاحب "الكشاف" و"المفصل"،.. إلى أن قال: "وكان رأسًا في البلاغة والعربية والمعاني والبيان، وله نظم جيد" (سير أعلام النبلاء، 20/151).
وقال ابن تغري بردي عنه: "الشيخ الإمام العالم العلّامة فريد عصره ووحيد دهره وإمام وقته،... النحويّ اللغويّ الحنفيّ المتكلم المفسّر، صاحب "الكشّاف" في التفسير، و"المفصّل" في النحو، وكان يقال له جار الله؛ لأنّه جاور بمكّة المشرّفة زمانًا" (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، 5/274).
ووصفه ابن الوردي، فقال: "إمام عصره غير مدافع، متظاهر بالاعتزال، حنفيّ المذهب، افتتح -كشافه- في التّفسير "بالحمد لله الّذي خلق القُرآن"، ثمّ أصلح بعده: "بالحمد لله الّذي أنزل القُرآن"، وله المُفصّل في النّحو، وكم له من كتاب قدم بغداد وناظر بها..." (تاريخ ابن الوردي، 2/44). 

أبناء فكره وبنات قلمه..
كان الزمخشري إمامًا في التفسير واللغة والأدب، واسع العلم والمعرفة، غاية في الذكاء، صنّف وأبدع في علومٍ شتى، فمن مؤلفاته في اللغة: أساس البلاغة، والمستقصى في الأمثال، والفائق في غريب الحديث، والقسطاس في علم العروض، وكَتَب في النحو: المفصل، والأنموذج، وفي الحديث الشريف: الفائق في غريب الحديث، ومشتبه أسامي الرواة، وله في التفسير كتاب: "الكشاف" تفسيره ذائع الصيت، وفي الفقه كَتَب: الرائض في علم الفرائض، وفي الزهد صنّف: أطواق الذهب في المواعظ، وكتاب النصائح.

وفاته..
توفي الزمخشري ليلة عرفة سنة (538 هـ) في جرجانية بخوارزم، بعد رجوعه من مكة، بعد رحلة بذل خلالها جميع سنيّ عمره لخدمة الدِّين والعلم، فرفع الله ذكره بين النّاس وجزاه عنّا وعن سائر المسلمين خيرًا. 
 
 

اقرأ ايضاً

(56 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع