أفكار

العلماء العُزّاب..

2- شيخ الإسلام النووي


 صرّح الإمام النووي في مقدمة كتابه "روضة الطالبين وعمدة المفتين"، قائلًا: "إنّ الاشتغال بالعلم من أفضل القُرَب وأجلّ الطاعات، وأهم أنواع الخير، وآكد العبادات، وأولى ما أُنفِقَت فيه نفائسُ الأوقات، وشُمِّر في إدراكه، وتمكّن فيه أصحاب الأنفسِ الزكيَّات، وبادر إلى الاهتمام به المسارعون إلى المكرُمَات، وسارع إلى التحلِّي به مستبقو الخيرات، وقد تظَاهَر على ما ذكرته جملً من آيات القرآن الكريمات، والأحاديث الصحيحة النبوية المشهورات، ولا ضرورة إلى الإطناب بذكرها هنا لكونها من الواضحات الجليّات" (1/4).

من خلال هذا النص نفهم لماذا لم يتزوج إمامنا الجليل؛ حيث أكّد فيه أنّ الاشتغال بالعلم من أفضل القُرَب وأعظم العبادات، ولا يرتقي إلى هذه المنزلة شيء في الدنيا مهما علا، ومما يُوثق ذلك ويؤكّده قول تلميذه علاء الدين بن العطار، حين ترجم لحياته في كتاب "تحفة الطالبين في ترجمة الإمام النووي"، فقال: "وكان النووي لا يُضيِّع وقتًا في ليلٍ أو نهارٍ إلا في الاشتغال بالعلم، حتى في ذهابه في الطريق ومجيئه كان يشتغل في تكرارٍ أو مطالعة، وبقي على التحصيل على هذا الوجه نحو ست سنين؛ ثم اشتغل بالتصنيف والمناصحة للمسلمين وولاتهم..."، إلى أن قال: "فصرف أوقاته كلها في أنواع العلم والعمل؛ فبعضها للتصنيف، وبعضها للتعليم، وبعضها للصلاة، وبعضها للتلاوة، وبعضها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (ص:64).

فقدم لنا الإمام النووي نموذجًا عمليًا لقول رسولنا الكريم، حين قال: "إن الوَلَد مَبخَلَة مَجبَنة مَجهَلة مَحزَنة". (المسند، ح 17598)، وكشف لنا السبب في ذلك الإمام الزمخشري حين شرح لنا حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقال: "معناه: أنّ الولد يُوقِع أبَاه في البُخلِ إبقاءً على ماله له، وفي الجهل شُغلًا به عن طلب العلم، وفي الجبن خوفًا من أن يُقتَل فيضيع ولده بعده، وفي الحُزن أنّه يحزن لأمره وشأنه" (الفائق، 1/185).
 


ومن شدة تعلّق الإمام النووي بالعلم والتحصيل صار مثالًا للتعجب بين العلماء والمتعلمين وعن ذلك يقول مؤرِّخ الإسلام الإمام الذهبي حين ترجم له: "وضُرب به المثل في إكبابه على طلب العلم ليلًا ونهارًا، وهَجرُه النوم إلا عن غَلَبة، وضبط أوقاته بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة أو التردد على الشيوخ" (سير أعلام النبلاء، 17/340).
 
وقال تلميذه العطار: "وذكر لي الشيخ -قدَّس الله روحه-، قال: "كنتُ أقرأ كلَّ يومِ اثنتي عشر درسًا على المشايخِ؛ شرحًا وتصحيحًا: درسين في "الوسيط" -فقه-، ودرسًا في "المهذَّب" -فقه-، ودرسًا في "الجمع بين الصحيحين" -حديث-، ودرسًا في "صحيح مسلم" -حديث-، ودرسًا في "اللمع" لابن جنِّي في النحو، ودرسًا في "إصلاح المنطق" لابن السِّكِّيت في اللغة، ودرسًا في التصريف –علم الصرف-، ودرسًا في أصول الفقه؛ تارة في "اللمع" لأبي إسحاق، وتارة في "المنتخب" لفخر الدين الرازي، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدِّين" (تحفة الطالبين، ص:50).
 
ومن شدَّة حبّه وشغفه في تحصيل العلم وطلبه كان لا ينام، فقال: "وبقيت سنتين لم أضع جنبي على الأرض"، وحكى بدر الدين بن جماعة أنّه سأله عن نومه، فقال: "إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظة وأنتبه" (تحفة الطالبين، ص: 47). 
 
ومن كل ما تقدم نتأكد أنّ أمامنا الجليل قد اختار الاشتغال بالعلم ونشره، والعبادة والذكر، والصبر على العيش الخشن في المأكل والملبس، تاركًا الدنيا وملذاتها، راجيًا الدار الآخرة والمنزلة العالية الرفيعة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
   


قطوف من حياته
هو محيي الدين، أبو زكريا، بن شرف النووي، شيخ الإسلام والمسلمين، وعمدة الفقهاء والمُحدّثين، وصفوة الأولياء والصالحين.
ولد في قرية نوى، وهي قرية من قرى حَوْران في سوريا، ولما بلغ العاشرة من عمره بدأ في حفظ القرآن وأخذ الفقه عن أهل العلم، وفي سنة (649هـ) قَدِمَ مع أبيه إلى دمشق لاستكمال تحصيله العلمي في مدرسة دار الحديث، وفي عام (651 هـ) حجَّ مع أبيه ثم رجع إلى دمشق، ومن هناك بدأ مشواره العلمي في الدرس والتحصيل.

زهده وورعه
كان أمامنا خشن العيش، قانعًا بأقل قوته، تاركًا شهوات الدنيا خلف ظهره، صاحب عبادة وذكر، قليل الأكل، فكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة، وكان لا يشرب إلا مرّة بالسَّحر،  وكان يمتنع عن أكل الفواكه والخيار، قائلًا: "أخاف أن يرطّب جسمي ويجلب لي النوم"، فيشغله ذلك عن العبادة ومذاكرة العلم وتحصيله.

أخلاقه وصفاته
كان الإمام النووي وقورً ذو مهابة، لا يضحك إلا قليلًا، لا يخاف في الله لومة لائم، يقول الحق ولو كان مُرًّا، زاهدًا ورعًا تقيًّا نقيًّا، يواجه الملوك والظلمة بالإنكار، ويُكثِر في مناصحة الحكام، آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، وكان كثيرًا ما يُكاتِب الأمراء والوزراء، وينصحهم بما فيه خير البلاد والعباد، ويقول عن ذلك تلميذه ابن العطار: "وكان مواجهًا للملوك والجبابرة بالإنكار، لا يأخذه في الله لومة لائم، وكان إذا عجز عن المواجهة كتب الرسائل، وتوصل إلى إبلاغها" (ص: 98)، وكان لا يقبل من أحد شيئًا إلا في القليل النادر مما لا يُشغَل به.
 
ومن شدة تواضعه كان يكره لقب "محيي الدين"؛ تواضعًا منه لله تعالى، وخوفًا من الدخول في قوله تعالى: {فَلَا تُزكُّوا أنفُسَكُم} [النجم: 32]، أو لأنّ الدِّين حيًّ ثابت دائم غير محتاج إلى من يُحييهِ، حتى يكون حُجّة قائمة على من أهمله أو نبذه.



إسهاماته العلمية
قال الإمام النووي: "وخطر لي الاشتغال بعلم الطب، فاشتريتُ القانون -لابن سينا-، وعزمتُ على الاشتغال فيه، فأظلم عليّ قلبي، وبقيتُ أيامًا لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري: من أين دخل عليّ الداخل؟ فألهمني الله أنّ الاشتغال بالطب سببه، فبِعتُ في الحال الكتاب المذكور، وأخرجتُ من بيتي كل ما يتعلق بعلم الطب، فاستنار قلبي ورجع إليّ حالي، وعدت لما كنتُ عليه أولًا".
فقد دَرَس ودرَّس النووي علوم شتى؛ منها: الفقه والحديث وشرح الحديث والمصطلح واللغة والتراجم والتوحيد وغير ذلك من العلوم، وتتميز مؤلفاته بوضوح المعنى، وصحة العبارة، والسهولة وعدم التكلّف، وعن ذلك يقول ابن العطار: "وانتفع الناس بسائر البلاد بتصانيفه، وأكبُّوا على تحصيل تواليفه، حتى رأيت من كان يشنؤها –يبغضها- في حياته، مجتهدًا في تحصيلها والانتفاع بها بعد موته" (تحفة الطالبين، ص:63).


مؤلفاته
بالرغم من قصر عمر الإمام النووي الذي لم يتجاوز "46" عامًا، إلا أنّ الله قد بارك له في علمه، ودليل ذلك ما تركه من مؤلفاتٍ لو قُسِّمت على سنيّ حياته لكان نصيب كل يوم كراستين بما يقدر بـ"80" ورقة.
نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: المنهاج في شرح صحيح مسلم، روضة الطالبين وعمدة المفتين -في الفقه-، رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين -في الحديث-، الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار، التبيان في آداب حملة القرآن، التحرير في ألفاظ التنبيه للشيرازي -في اللغة-، الأربعون النووية -في الحديث-، بستان العارفين -في الزهد والرقائق-، أدب المفتي والمستفتي –في الفتوى وآدابها-.

وفاته 
يقول التاج السبكي: "لما مات النووي بـ"نوى" ارتجت دمشق وما حولها بالبكاء، وتأسّف عليه المسلمون أسفًا شديدًا، وأحيُوا ليالي كثيرة لسنته"، وكان ذلك بعد أن رجع إلى "نَوى" سنة (676 هـ)، فرحمه الله رحمةً واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. 
 
 

اقرأ ايضاً

(64 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع