أفكار

بيت هوارد كارتر...

2- البحث عن مومياء نفرتيتى

 
 قال ممدوح الدماطي، وزير الآثار، إن عمليات المسح الراداري تشير بنسبة 90 % إلى احتمال وجود حجرتين لم تكتشفا خلف مقبرة توت عنخ آمون. وأشارت عمليات البحث التي يجريها علماء الآثار بهدف العثور على مقبرة الملكة نفرتيتي، زوجة الملك إخناتون، إلى احتمال وجود "مواد عضوية" داخل مساحات فارغة خلف جدارين في مقبرة الملك الشاب. وقال الدماطي، في تصريح صحفي مؤخرا، إن المسح الراداري الذي أجري في نوفمبر الماضي أشار إلى وجود "أشياء مختلفة خلف الجدران".

وكان عالم المصريات البريطاني نيكولاس ريفز قد دفع بنظرية تشير إلى احتمال وجود مقبرة الملكة الفرعونية نفرتيتي خلف جدران مقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك بالبر الغربي بالأقصر في صعيد مصر. وتوصل ريفز إلى هذه النظرية بعد أن أجرت مجموعة من الخبراء الإسبان من مؤسسة "فاكتوم أرت" الفنية لترميم الآثار فحوصا تفصيلية لمقبرة توت غنخ آمون. واستخدمت صور الفحص بعد ذلك في عمل نسخة طبق الأصل من المقبرة بالقرب من "بيت كارتر" في البر الغربي.  
ومن المعتقد أن إخناتون تزوج نفرتيتي عندما كانت تبلغ من العمر 16 عاما وأنجبا 6 بنات وولد. و تشير بعض النظريات إلى أن نفرتيتي كانت أما لتوت عنخ آمون.
 
 
 تفصيل من نسخة مقبرة "توت" المقلدة
 
في تل العمارنة
في السنة الأولى لمجيء كارتر إلى مصر، وعمره 17 عاما، عمل مع أستاذه، بيتري، في تل العمارنة، عاصمة إخناتون، وعرف الكثير عن توت عنخ آمون. كما درس كارتر نتائج جميع الحفائر التي تمت منذ عام 1875، ورأى أن اللصوص سرقوا بعض التحف النادرة من مقبرة الملك توت عنخ آمون، ولكنهم لم يسرقوا كل ما في المقبرة، ولم يصلوا إلى مومياء الملك؛ فقد وجد جورج ليجران، وهو عالم آثار فرنسي، وكان كبيرا لمفتشي المصلحة بالأقصر، اسم "نب خبرو رع"، وهو الاسم الملكي لتوت عنخ آمون، على نصب تذكاري في معبد الكرنك عام 1905، ونشر ذلك بعد عامين. كما اكتشفت إشارات إلى توت عنخ آمون، في قبر أحد موظفيه، تقول إن قبائل معينة في سوريا والسودان خضعت له ودفعت الجزية.
 

نسخة من تابوت "توت" 

الإمبراطورية المصرية
ينتمي توت عنخ آمون إلى الأسرة الثامنة عشرة، التي حكمت مصر حوالي 250 سنة، بدأت في 1550 قبل الميلاد، على أرجح الروايات، وانتهت عام 1298 قبل الميلاد. كان عدد ملوك تلك الأسرة 14 ملكا، أولهم الملك أحمس (1549–1524 ق.م)، الذي طرد الهكسوس، وحرر مصر من الاحتلال. وخلال الـ150 عاما الأولى من حكم الأسرة الـ18 تحققت انتصارات عسكرية كبيرة، وتوسعت الإمبراطورية المصرية على يد ملوك محاربين عظام؛ قاد أحمس 3 حملات في النوبة، وشن أمنحتب حملات ضد الليبيين والآسيويين، وأرسلت حتشبسوت 4 حملات في عهدها، واحدة منها ضد النوبة، فيما انتصر تحتمس الثالث على الآسيويين  17 مرة، وامتد نفوذه إلى ملك آشور وبابل والحيثيين في آسيا الصغرى، وأخضع السودان، وعين أمراء جدد على الممالك المصرية الجديدة، واحتفظ بأبناء وأشقاء هؤلاء الأمراء في مصر (كرهائن) يشرف على تعليمهم.
 
 
تفصيل من جدار نسخة مقبرة "توت" المقلدة
 
إخناتون
أما أمنحتب الرابع فقد حكم 17 سنة (1351–1334 ق.م). ولم يكن حاكما إداريا، أو قائدا عسكريا، وإنما ثائرا دينيا تمرد على ديانة آمون، وأغلق معابده، ومحا اسمه من الآثار. ودعا إلى عبادة إله واحد، هو "آتون" إله الشمس. واعتبر ذلك أول حركة سجلتها المعابد للتوحيد في العالم. ونقل عاصمة ملكه إلى مدينة "أخت آتون" في "تل العمارنة"، وغير اسمه إلى إخناتون.
وأحدثت قرارات إخناتون اضطرابات واسعة، وهاجم البعض الكهنة في معابد آمون، وأعلن الجنود العصيان، واتسعت أعمال الشغب. وبدأت مؤامرات على إخناتون من الجميع، حتى طبيبه الخاص الذي قيل إنه أعطاه دواء مسموما. وترى بعض الروايات أنه: ربما تُرك إخناتون وحده في تل العمارنة، بينما قام ابنه سمنخ كا رع بمهمة الوصاية  على العرش، وحكم باسم إخناتون في طيبة بين (1335–1334 ق.م)، ولكنه كان مريضا.

ومع تمزق الدولة بعد وفاة إخناتون،  أراد كهنة آمون تولية كبيرهم، ميكانكوس، على العرش. لكن نفرتيتي وأنصارها هزموهم، ووضعت نفرتيتي توت عنخ آمون، الابن الباقي لإخناتون، على العرش. وتزوج من أخته غير الشقيقة عنخسن آمون (وهي الابنة الثالثة لنفرتيتي). وفيما يرى نيكولاس ريفز، في حديث للـ بي بي سي، أن نفرتيتي هي أم توت عنخ آمون، فإن أغلب المراجع تشير إلى  أن نفرتيتي أنجبت ست بنات، فقط، وأن إخناتون أنجب ابنيه سمنخ كا رع وتوت عنخ آمون من إحدى المحظيات من جواريه.

الفرعون الصغير
جلس توت على العرش في التاسعة أو العاشرة، ولذا عرف بالفرعون الصغير، وحكم تسع سنوات (1332–1323 ق.م). ظل مقر ملكه في تل العمارنة، خلال السنوات الأربع الأولى من حكمه، ثم نقل العاصمة إلى طيبة، وأعاد عبادة آمون، وتغير اسمه من توت عنخ آتون، إلى توت عنخ آمون. وتشير رسوم وجدت على جدران مقبرته إلى حملة عسكرية أرسلها توت إلى فلسطين ولبنان بقيادة حور محب، وجيء بالأسرى والرقيق من هذه الحملة لبناء المعابد. 

جرح بالخد الأيسر
في نوفمبر 1925 فحص اثنان من الأطباء، هما الدكتور صالح حمدي مدير الصحة بالقومسيون البلدي في الأسكندرية، والدكتور أرشيبالد دوجلاس ديري، أستاذ علم التشريح في كلية الطب المصرية بالقاهرة، مومياء توت عنخ آمون، وقررا أن عمره أقل من 20 عاما، بشكل قطعي. وقدرا أن طوله كان خمسة أقدام وست بوصات. ولاحظا في تقريرهما أنه: "على الخد الأيسر، وفي مقدمة شحمة الأذن يوجد منخفض مستدير يملأه الجلد، ويشبه ندبة الجرح." مما روج لفكرة أن الملك مات مقتولا. غير أن فحوصا حديثة بتحليل الحمض النووى لمومياء الملك توت أظهرت أن سبب الوفاة يرجع لطفيل الملاريا. 

ففي 17 من فبراير عام 2010 أعلن زاهى حواس أمين عام المجلس الأعلى للآثار في ذلك الوقت في مؤتمر صحفي بحديقة المتحف المصري مجموعة من الاكتشافات العلمية التي تحل العديد من ألغاز نهايات الأسرة الثامنة عشرة ومنها لغز وفاة توت عنخ آمون، وقال إن من المرجح أن المضاعفات الناجمة عن المرض بشكل حاد أدت لوفاته، كما كشف تحليل الحمض النووي والمسح بالأشعة المقطعية لمومياء توت عنخ آمون أن الملك إخناتون هو والد الملك توت.
 
 تفصيل من مكتب "كارتر" في بيته بالأقصر حول مقبرة "توت"

أمراض وراثية
وكشفت النتائج أيضا أن الأمراض الجينية والوراثية لعبت دوراً في وفاة توت عنخ آمون، حيث كان يعانى من خلل جيني متوارث في العائلة، وكان هناك ضعف وأمراض في هذه المومياءات، ومشاكل ذات علاقة بالقلب والأوعية الدموية. وعندما قام الباحثون بإجراء مسح لمومياء توت عنخ آمون، وجدوا إصابته بالعديد من الأمراض مثل إصابته باحدوداب في عموده الفقري، إلى جانب تشوه إصبع القدم الكبير، الأمر الذي أدى إلى ضمور في قدمه اليسرى.

وفي نوفمبر 2010 قال حواس إن الرسومات القديمة كانت تصور توت عنخ آمون وهو يطلق السهام، أثناء جلوسه في العربة التي تجرها الخيل، وليس أثناء وقوفه، وهو أمر غير عادي.. وفي قبره، عثرنا على 100 عصاة للمشي، وفي البداية اعتقدنا أنها تمثل السلطة والقوة، ولكن تبين أنها عكازات قديمة كان يستخدمها، فهو بالكاد كان يستطيع السير والمشي." كما أوضح حواس أن المسح الكمبيوتري للمومياء في العام 2005 كان يهدف إلى التحقق من أنه تعرض للقتل، نظراً لأن الصور السابقة بأشعة إكس كشفت عن وجود ثقب في جمجمته، مضيفاً أنه تبين أن هذا الثقب تم أثناء عملية التحنيط، غير أنه تم اكتشاف كسر في عظم الساق الأيسر، ربما يكون له دور في وفاة الفرعون الصغير.

مقتل أمير الحيثيين
وقد خلت المصادر الفرعونية من ذكر لأسباب وفاة الملك الصغير، خاصة وأن حور محب، قائد الجيش الذي خلفه على حكم مصر، قاد حملة منظمة لطمس اسم توت وأخباره. ولم نعثر سوى على نص رسائل من أرملة توت، الملكة عنخسن آمون، إلى ملك الحيثيين، جاء في إحداها: "مات زوجي، وليس لي ابن، ويقولون إن لك أبناء كثيرين. فإن أرسلت إليّ ابنا من أبنائك، سيصبح زوجا لي. ولن أقبل بحال أن أتزوج من أحد رعاياي، فإنني أكره ذلك." وأرسل ملك الحيثيين ابنه، الأمير زانانزا" لكي يتزوج الملكة الأرملة، فعلا، غير أن حور محب، قائد الجيش، أمر رجاله بقتل الأمير.
ولكن الشواهد كلها تشير إلى أن وفاة الملك كانت مفاجئة، وأن المقبرة تم إعداها "على عجل"، ما يرجح فكرة أن المقبرة كانت تعد بالأصل لتكون مدفنا لـ "نفرتيتي"، أم الملك، أو حماته.  
 
أول دعوة للتوحيد
لقد كان الأمير الصغير شاهدا على واحدة من أكثر الفترات ثراء بالأحداث في تاريخ الأمة المصرية، منذ قامت شعلتها الحضارية على الأرض. فقد ألهم والده، إخناتون، عشرات المبدعين لتأمل لحظة التنوير التي عاشها، والثورة الدينية التي قادها لتوحيد الآلهة في معبود واحد، بل وكتب شاهدا على مقبرته يذكر كم كان يرغب في أن تكون مقبرته في الشرق، حيث يسطع آتون، مناقضا الفكرة المصرية القديمة التي ربطت بين الموت وغروب الشمس. ألهم إخناتون كاتبا فنلنديا يدعى ميكا والتاري، فقدم رواية باسم "سنوحي"، أثنى طه حسين على نصها وعلى ترجمتها، في مقدمة بارعة.
كما كان إخناتون أحد الروافد التي اقترحها فرويد كأصول أولى للعقيدة اليهودية، كما ذكر في كتابه "موسى والتوحيد". وكان موضوعا وثيمة مركزية في بنية المجموعة القصصية "أنا الملك جئت" للروائي بهاء طاهر. كانت مقبرة إخناتون قد تم اكتشافها في تل العمارنة، واكتشفت آثار مدينته الدينية، وقصره، ونصوص تعاليمه، واطلع كارتر عليها بالكامل، خلال عمله مع بيتري في عامه الأول بمصر. 

و في عام 1908، زار هربرت وينلوك، الأمين المساعد للقسم المصري في متحف المتروبوليتان، وكان يرأس بعثة المتحف للتنقيب في الأقصر، مقر المليونير الأمريكي دافيز، رأى أباريق وأقداحا وقطعا فخارية وقطعا من القماش ملقاة بلا عناية، ولما سأله عن تلك الآثار قال إنه عثر عليها عام 1907 في غرفة صغيرة على عمق 7 أمتار تحت الأرض في وادي الملوك، على مسافة 45 مترا تقريبا من قبر رمسيس السادس، وإنه يعتقد أنها كل مخلفات قبر توت عنخ آمون، وأن القبر نفسه تم نهبه، وأن حراس القبور القدامى دفنوا تلك المخلفات، من جديد، في تلك الحفرة.
ونشر دافيز كتابا بهذا الشأن مع ثلاثة آثاريين، قالوا فيه إن تلك الغرفة هي ما تبقى من توت عنخ آمون، وإن كان أحدهم استدرك متحفظا بأن هذا أحد الاحتمالات أو الظنون غير المؤكدة.
وكان من البديهي أن يبدأ كارتر في الاهتمام بمقبرة توت عنخ آمون، بشكل مبكر جدا. قبل حتى أن يلتقي باللورد كارنارفون، على سلالم قصر الشتاء الملكي بالأقصر، "ونتر بالاس".
 
 

(4 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع