أفكار

تفسير ومفسرون..

9ـ "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" (تفسير الثعلبى).. للإمام أبى إسحاق الثعلبي

مؤلف هذا التفسير هو أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبى النيسابوري، المقرئ المفسر، كان حافظا واعظا، رأسا فى التفسير والعربية، اقترن واشتهر اسمه باسم تفسيره، حتى عرف تفسيره باسم (تفسير الثعلبي) والذى هو فى الحقيقة (الكشف والبيان عن تفسير القرآن) وبسبب كثرة شيوع الكتاب وانتشاره فى البلدان ولسهولة النسبة لمؤلفه سمّى بالأول، قال فيه ابن خلكان " كان أوحد زمانه فى علم التفسير وصنف التفسير الكبير الذى فاق غيره من التفاسير" وعنه أخذ أبو الحسن الواحدى التفسير وأثنى عليه، وللثعلبى تصانيف كثيرة، أشهرها هذا التفسير وكتاب العرائس فى قصص الأنبياء، توفى الثعلبى عام 427 هـ .

 

ولم يعجب الثعلبى ما سبقه من تفاسير، فهو لم يعثر فى كتب من تقدمه على كتاب جامع مهذب يعتمد عليه، لذلك فهو يستجيب لرغبة الناس إليه فى إخراج كتاب فى تفسير القرآن رعاية منه لحقوقهم وتقربا به إلى الله، يقول " فاستخرت الله تعالى فى تصنيف كتاب، شامل مهذب ملخص، مفهوم، منظوم، مستخرج من زهاء مائة كتاب مجموعات مسموعات، سوى ما التقطته من التعليقات والأجزاء المتفرقات، وتلقفته عن أقوام من المشايخ الأثبات، وهم قريب من ثلاثمائة شيخ، نسقته بأبلغ ما قدرت عليه من الإيجاز والترتيب " .
 وقد أراد الثعلبى لكتابه أن يكون شاملا جامعا فلا ينصب على لون معين من التفسير كتفسير آيات الأحكام مثلا أو القصص أو الإعراب أو القراءات، لقد أراده أن يكون شاملا وجامعا لمختلف وجوه التفسير، يقول " وخرجت فيه الكلام على أربعة عشر نحوا: البسائط والمقدمات، والعدد والتنزلات، والقصص والنزولات، والوجوه والقراءات، والعلل والاحتجاجات، والعربية واللغات، والإعراب والموازنات، والتفسير والتأويلات، والمعانى والجهات، والغوامض والمشكلات، والأحكام والفقهيات، والحكم والإشارات، والفضائل والكرامات، والأخبار والمتعلقات، أدرجتها فى أثناء الكتاب بحذف الأبواب وسميته (الكشف والبيان عن تفسير القرآن)". 

 وبعد هذه المقدمة يذكر المؤلف بابا فى فضل القرآن وآخر فى معنى التفسير والتأويل، ثم يشرع فى التفسير، ويتلخص منهج الثعلبى فى هذا التفسير فى النقاط التالية :

1 ـ النقل عن السلف مع اختصار الأسانيد .
2 ـ الاهتمام بالنحو واللغة، فيتوسع فى المسائل النحوية المتعلقة باللفظ ويخوض فيها بتوسع كما يعرض لشرح الكلمات اللغوية ويذكر أصولها وتصاريفها ويستشهد على ما يقول بالشعر العربى . 
3 ـ التوسع فى الكلام عن الأحكام الفقهية عند تناول أية من آيات الأحكام، فيذكر الأقوال والخلافات والأدلة، ويعرض للمسألة من جميع نواحيها إلى درجة أنه يخرج عما يراد من الآية، فعندما تعرض لقوله تعالى فى الآية (11) من سورة النساء : " يوصيكم الله فى أولادكم " نجده يفيض فى الكلام عما يفعل بتركة الميت بعد موته، ثم يذكر جملة الورثة والسهام المحددة ومن فرضه الربع ومن فرضه الثمن والثلثان والثلث والسدس وهكذا، ثم يعرض لنصيب الجد والجدة والجدات، ثم يقول بعد هذا " فصل فى بساط الآية " وفيه يتكلم عن نظام الميراث عند الجاهلية وقبل مبعث الرسول (صلى الله عليه وسلم ) .
4 ـ الاهتمام بالإسرائيليات والقصص القرآنى بصورة عامة، فنجده يتوسع إلى حد كبير فى ذكر الإسرائيليات دون أن يتعقب شيئا من ذلك أو ينبه على ما فيه من غرابة، ويبدو أن الثعلبى كان مولعا بالأخبار والقصص إلى درجة كبيرة، بدليل أن له كتابا يشتمل على قصص الأنبياء كما ذكرنا فى بداية المقال .
 والواقع أن الثعلبى يأتى بقصص غاية فى الغرابة وأشياء لم يسبقه إليها أحد، وهو ما يميز تفسيره عن التفاسير السابقة التى اهتمت بذكر الإسرائيليات، وقد عاب عليه ابن تيمية ومن بعده السيوطى هذا التوسع فى ذكر القصص والإسرائيليات والواقع أنه لا بأس بهذه القصص والأخبار بشرط أن تراجع وتدرس دراسة علمية وافية لمعرفة مصادرها وصحيحها من سقيمها، وهذا ما يجب أن يقوم به علماء التفسير والأنثروبولوجيا والتاريخ لدراستها دراسة وافية .



 وبقطع النظر عما عابه عليه ابن تيمية والسيوطى، فإن تفسير الثعلبى يعتبر من كتب التفسير المهمة وتكمن أهميته الحقيقية فيما يلى: 
1- أنه من الكتب المسندة والإسناد له أهمية كبيرة، خاصة فى التفسير، حيث يتم التأكد من صحة نسبة القول لقائله، وبه يمكن الترجيح بين الأقوال المتعارضة وغير ذلك، فالكتاب يعتبر موسوعة تفسيرية ضخمة، فهو يحمل عدداً كبيراً من مأثور التفسير من أحاديث مرفوعة، وآثار موقوفة على الصحابة والتابعين ومن بعدهم من سلف الأمة، وهذه الثروة من مأثور الأحاديث والآثار جعلت الكتاب مرجعاً مهماً نهل منه العلماء، ونقل منه المفسرون وغير المفسرين. 
2- أن الثعلبى اعتمد فى تفسيره على عدة مصادر متنوعة ذكرها فى مقدمته وبعض هذه المصادر فى عداد المفقودات أو من المخطوطات وهذا يجعل الكتاب موسوعة عظيمة تحتوى على مصادر نادرة فى التفسير وعلومه . 
3- تقدم الكتاب على كثير من كتب التفسير المشهورة حيث تقدمت وفاة مؤلفه إذ عاش فى القرن الرابع الهجرى وتوفى سنة 427هـ فهومتقدم على معظم المفسرين المشهورين كالواحدى (ت 468) والسمعانى (ت541 ه) والبغوى (ت516 ه) والزمخشري( ت538 ه ) وابن عطية (ت541 ه) والقرطبى (ت671ه ) وغيرهم، بل إن تفسير الثعلبى يعد من أهم مصادر هذه التفاسير، مما يدل على القيمة العلمية الكبيرة لهذا التفسير . 


 
وفيما يلى نموذج قصير من تفسير الثعلبى لسورة القدر، يقول: 
" مدنيّة فى قول أكثر المفسرين، قال على بن الحسين بن واقد : هى أوّل سورة نزلت بالمدينة، وروى شيبان عن قتادة أنها مكيّة، وهى رواية نوفل ابن أبى عقرب عن ابن عباس وهى مائة واثنا عشر حرفاً وثلاثون كلمة وخمس آيات . أخبرنا الجنازى قال: حدّثنا ابن خنيس قال : حدّثنى أبو العباس محمد بن موسى الدقّاق الرازى قال: حدّثنا عبد اللّه بن روح المدائنى ) عن بكر ) بن سواد قال : حدّثنا مخلد بن عبد الواحد عن على بن زيد عن زر بن حبيش عن أُبى قال : قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وسلم ) " من قرأ سورة القدر أُعطى من الأجر كمن صام رمضان، وأُعطى إحياء ليلة القدر".
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ )
( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) يعنى القرآن كنايةً عن غير مذكور، جملةً واحدة فى ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوضعناه فى بيت العزّة وأملاه جبرئيل على السَّفَرة ثم كان يُنزله جبرئيل على محمد ( عليهما السلام ) بنحو ما كان، من أوّله إلى آخره بثلاث وعشرين سنة، ثم عجَّب نبيّه ( عليه السلام ) فقال :( وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) .



والكلام فى ليلة القدر على خمسة أبواب:
الباب الأوّل : فى مأخذ هذا الاسم ومعناه، واختلف العلماء، فقال أكثرهم : هى ليلة الحكم والفصل يقضى اللّه فيها قضاء السنة، وهو مصدر من قولهم : قدر اللّه الشيء قَدْراً وقَدَراً لغتان كالنَّهْر والنَّهَر والشَّعْر والشَّعَر، وقدَّرهُ تقديراً له بمعنى واحد، قالوا : وهى الليلة التى قال اللّه سبحانه : ( إنَّا أنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَة مُبَارَكَة إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أمْر حَكِيم ) وإنّما سُمّيت ليلة القدر مباركة ؛ لأن اللّه سبحانه يُنزل فيها الخير والبركة والمغفرة . وروى أبو الضحى عن ابن عباس أن اللّه عزّ وجلّ يقضى الأقضية فى ليلة النصف من شعبان ويُسلمها إلى أربابها فى ليلة القدر . روى أنه تعالى يغفر لجميع المسلمين فى تلك الليلة إلاّ الكاهن أو الساحر أو مدمن خمر أو عاق لوالديه أو مصرّ على الزنا أو ( مشاحن ) أو قاطع رحم . وقيل للحسين بن الفضل : أليس قد قدّر اللّه سبحانه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض ؟ قال : نعم، قال : فما معنى ليلةُ القدر ؟ قال : سَوقُ المقادير إلى المواقيت وتنفيذ القضاء المقدَّر.
أخبرنى عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن ابن جُبير قال: حدّثنا ابن حميد قال : حدّثنا مهران عن سفيان عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير قال: يؤْذن للحُجاج فى ليلة القدر فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يُغادر منهم أحد ولا يزاد ولا ينقصُ منهم . وقال الزهرى : هى ليلة العظمة والشرف، من قول الناس لفلان عند الأمير قدْر أى جاه ومنزلة، يقال : قدرت فلاناً أى عظّمتهُ قال اللّه سبحانه : ( وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) أى ما عظّموا اللّه حق عظمتهِ وقال أبو بكر الورّاق : سُمِّيتْ بذلك لأنّ من لم يكن ذا قدر وخطر يصيرُ فى هذه الليلة ذا قدر إذا أدركها وأحياها . وقيل : إنّ كلّ عمل صالح يؤخذ فيها من المؤمن فيكون ذا قدر وقيمة عند اللّه لكونه مقبولا فيها . وقيل : لأنّه أُنزل كتابٌ ذو قدر على رسول ذى قدر لأجل أُمّة ذاتِ قدر، وقال سهل بن عبد اللّه : لأنّ اللّه سبحانه يقدّر الرحمة فيها على عباده المؤمنين.
 
وقيل: لأنه يُنزَّل فيها إلى الأرض ملائكة أُولو قدر وذوو خطر .
 وقال الخليل بن أحمد : سُمِّيت بذلك لأنّ الأرض تضيق فيها بالملائكة من قوله : (ويَقدِر) (ومن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ).
 ونكتفى بهذا المقتطف من تفسير الثعلبى لسورة القدر حتى لا نطيل على القارئ، ونأمل أن يكون هذا المقتطف ممثلا لطريقة الثعلبى فى التفسير ومنهجه، إلا أننا نؤكد فى ختام هذا المقال أن كتاب ( الكشف والبيان عن تفسير القرآن ) المعروف بتفسير الثعلبى كتاب مهم ومرجع أصيل فى تفسير كتاب الله الكريم المجيد، لا يجوز الاستغناء عنه أو إهماله.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع