أفكار

طبقوا عليها مبدأ "الأرض المباحة"..

100 مدينة دمرها الأوروبيون في إفريقيا

بقايا مدينة كيلوا القديمة


كثير من الناس عندما يزورون إفريقيا جنوب الصحراء أو حتى يقرأون عنها يتساءلون: لماذا لا توجد مبان تاريخية أو معالم أثرية فى هذه البلاد. والإجابة بسيطة.. لقد دمر الأوروبيون معظم هذه المعالم إبان اجتياحهم لإفريقيا فى فترة ما سموه بالاكتشافات، أو قل فترة الاجتياح العظيم لسرقة مقدرات هذه البلاد. 
 
وحسب المتخصصين فى تاريخ الاستعمار الأوروبى لإفريقيا، فإن سبب التدمير هو إما أنه كان إجراء عقابيا بحق السكان المحليين والحكام الذين كانوا يقاومون المستعمر، أو لأن الأوروبيين بتدميرهم هذه الآثار كانوا يريدون تأكيد مبدأ "الأرض المباحة" وهو التعبير اللاتينى المستمد من القانون الروماني، لوصف الأرض التى لا تخضع لسيادة دولة معينة حتى يسهل الاستيلاء عليها، ووفق هذا المبدأ استولى الأوروبيون على العشرات من الجزر برغم أنها كانت مأهولة بالسكان، وهو الأمر نفسه الذى استغلوه فى الاستيلاء على الدول الإفريقية بحجة أنها غير تابعة لأحد بعد أن دمروا وأحرقوا مدنها ومعالمها التاريخية إذ يقال إنهم دمروا مائة مدينة كانت عامرة بالحضارة، وذبحوا نخبتها المتعلمة من المهندسين والحرفيين والكتاب والفلاسفة، وقد تم توسيع هذا المبدأ فيما بعد ليشمل الأراضى التى يسكنها "المتوحشون" وغير المتحضرين وفق المنطق الاستعماري.


متحف التاريخ الطبيعي في فرنسا في القرن الثامن عشر ضم رؤوسا بشرية جلبها معهم رجال البعثات التبشيرية إلى فرنسا من إفريقيا

بقايا مدن
لم يتبق من هذه المدن التى دمرها الأوروبيون سوى بضع رسومات أو أوصاف تركها المسافرون الأوائل الذين زاروا هذه الأماكن قبل تدميرها، كما لا تزال هناك بعض الأطلال، وفى السياق نفسه لم يكن التدمير فقط هو الذى قضى على هذه المدن، إنما كان السبب هو أن سكانها فروا منها وتركوها خلفهم بعد أن جلب الأوروبيون أمراضهم معهم مثل الجدرى والإنفلونزا التى انتشرت بين الناس وفتكت بالآلاف منهم.
 
مؤرخون أوروبيون كثر سجلوا تاريخ هذه المدن التى اندثرت بفعل الأوروبيين مثل المؤرخ روبن ووكر صاحب كتاب "عندما حكمنا نحن" والمؤرخ بى دى لوتون صاحب كتاب الإمبراطورية غير المرئية.
 

مدينة بنين سنة 1891 قبل وصول الاستعمار الإنجليزي

مدينة بنين فى نيجيريا 
مما ورد فى كتاب "أوروبا والتخلف فى إفريقيا" لمؤلفه والتر رودنى صفحة 69 عن مدينة بنين التى تقع فى نيجيريا حاليا ـ ليست بنين الدولة الحالية التى كانت تعرف باسم داهومي، أن شوارعها فى نهاية القرن الثالث عشر كانت واسعة رغم أنها غير ممهدة وأن أحد شوارعها أوسع بسبع أو ثمانى مرات من شارع وأرموس فى أمستردام، وأن قصور الملوك تحتل مساحة كبيرة فيها، وفيها بيوت للوزراء والأمراء مقامة على أعمدة خشبية مغلفة بالنحاس، ولا تقل بيوتها شأنا عن المنازل الهولندية من حيث النظافة.
لقد بنيت مدينة بنين فى العصور الوسطى على نمط بناء سور الصين العظيم، إذ كان لها جدار دفاعى بلغ طوله عشرة أميال، ولكن للأسف دمرت المدينة ونهبت وأحرقت عام 1897 على أيدى القوات البريطانية التى احتلتها تحت قيادة الأميرال هارى روسون، ويوجد حاليا أكثر من 700 تحفة برونزية فى المتحف البريطانى سرقت من المدينة، أعيد بعضها إلى نيجيريا سنة 1972. 
 

رسم لمدينة تمبكتو سنة 1890

تمبكتو 
هل تعلم أن مدينة تمبكتو فى غرب إفريقيا كانت فى القرن الرابع عشر الميلادى أغنى مدينة فى العالم وأكبر بخمس مرات من مدينة لندن؟ 
اليوم، تمبكتو أصغر بمائتين وست وثلاثين مرة من لندن، وليس لديها سوى القليل لتظهر به كمدينة حديثة، عدد سكانها أقل بمرتين مما كانوا عليه منذ خمسة قرون، وينتشر الفقراء فى شوارعها القذرة، المدينة نفسها غير قادرة على الحفاظ على المعالم الأثرية الباقية فيها.
 
يذكر أن إمبراطورية مالى كانت من أغنى الأمبراطوريات فى القرن الرابع عشر، حيث كان يحكمها الأمبراطور مانسا موسى الذى تقدر ثروته قياسا مع الوقت الحالى بما يعادل 400 مليار دولار إذ كانت هذه المملكة تنتج أكثر من نصف إمدادات العالم من الملح والذهب.
العالم الإيطالى سيرجيو دميان، كتب عن عظمة الهندسة المعمارية التى بلغتها هذه الأمبراطورية فى القرن الرابع عشر وعن تمبكتو التى كان يسكنها 115 ألف نسمة وجامعاتها التى كان يدرس بها أكثر من 25 ألف طالب علم.


مدينة كوماسي عاصمة الأشانتي التي دمرها الإنجليز في القرن التاسع عشر

كوماسى 
كانت بيوت "كوماسى "عاصمة مملكة الأشانتى فى غانا، حسب وصف المستكشفين الغربيين ذات هندسة معمارية مميزة، تقوم على أعمدة من الخشب المؤطر وجدران بيوتها من الطوب وأسقفها من الخشب والجص، وقد التقطت لها صور سنة 1817 تؤكد أنها احتوت على مراحيض فى طوابقها العليا، وقد وصف "ينوود ريد" القصر الملكى فى كوماسى عندما زاره سنة 1874 وصفا دقيقا بما يشى بتقدم العمارة فى هذا المكان، قائلا: إنه مبنى وفق العمارة المغاربية، ويحتوى على أجنحة وشقق فى طابقه الأول، وكانت له طوابق عليا فرشت بالأثاث الفخم والسجاد الفارسى وزينت بأطباق الفضة والساعات واستخدم الزجاج البوهيمى والصور والنقوش فى تزيينه، بما يفوق ما توفر للقصور الأوروبية فى ذلك العصر، لقد قام البريطانيون بتدمير كوماسى وحرقها فى نهاية القرن التاسع عشر .
 

بقايا مسجد في كيلوا

كيلوا 
وصف الرحالة ابن بطوطة سنة 1331 م، مدينة كيلوا التابعة لتنزانيا اليوم بأنها "واحدة من أجمل المدن، شيدت بشكل جيد ورائع". لقد أسهم فى بنائها المهندسون العرب والهنود، وكان الأثر الوحيد الذى تركه البرتغاليون فيها هو نشر الجدرى والأنفلونزا، وفق مقتطفات من كتاب "الأمبراطورية الخفية" لبى دى وتون، فى عام 1505 دمرت القوات البرتغالية وأحرقت المدن السواحيلية كيلوا ومومباسا.  
 

مبعوثو ملك الكونغو إلى ملك البرتغال في نهاية القرن السادس عشر

غينيا 
عندما هبط البرتغاليون سواحل غينيا فى القرن الخامس عشر دهشوا من تنظيم مدينة "فايدا" حيث الشوارع المستقيمة التى زرعت الأشجار على جانبيها، وحيث وجدوا الناس يرتدون ملابس فاخرة من حرير ومخمل وصناعات مزدهرة، وقد اختفت هذه المدينة على أيدى المحتل بدورها

رسم لمدينة مبانزا في الكونغو قبل تدميرها من قبل الاستعمار

لوانغو
الأمر ذاته بالنسبة لمدينة لوانغو التى كانت تقع فى منطقة الكونغو / أنغولا فى القرن السادس عشر، حيث كانت مخططة عمرانيا على مسافة أميال عدة، ناشطة تجاريا، وكانت متقدمة علميا ورياضيا، وقد استخدم علماؤها الرياضيات المتقدمة والجبر فى حساباتهم الفلكية بل صمموا ما يشبه الآلة الحاسبة الحديثة، كما كانت مزدهرة بحرفييها وصناعة النسيج فيها حيث الأقمشة المطرزة والتى صنفت حينها بأنها أفضل من أقمشة مانشستر وإيطاليا. لوانغو دمرها الاستعمار الأوروبى الذى كان المبشرون طليعته.


في رحلته إلى الحج حمل منسا موسى أطنانا من الذهب حتى انخفض سعر الذهب لمدة عشر سنوات

كانو 
عرفت مقاطعات الشمال التى يسكنها المسلمون فى نيجيريا ومنها مدينة كانو، استقرارا واسعا منذ القرن الخامس عشر، ووصف الرحالة القصور التى كان يسكن فيها ملوكها بأنها كانت مثالا للفخامة والرقي، يذكر أن كانو أنتجت فى عام 1851 ما يقدر بعشرة ملايين زوج من الصنادل وخمسة ملايين جلد حيوان للتصدير.


ملك الكونغو يستقبل سفير هولندا 1642

زمبابوى العظيم 
لا تزال بقايا من برج زمبابوى العظيم باقية حتى الآن، والذى كان يتكون من 12 مجموعة من المبانى موزعة على مسافة ثلاثة أميال مربعة، استخدم فى بناء جدرانها الخارجية أكثر من مئة ألف طن من حجر الجرانيت فى القرن الرابع عشر وضم مدينة سكنها أكثر من 18 ألف شخص بما يتساوى حجمها مع حجم مدينة لندن آنذاك. يذكر أنه فى عام 1571 دمرت القوات البرتغالية هذه المعالم التى تشتهر بها دول الجنوب الإفريقى مثل زيمبابوى وغيرها.
 

قصر السلطان في كيلوا في القرن الرابع عشر

مقديشو 
ذكرت سجلات الرحالة الصينيين أن مقديشو فى الصومال كانت بها فى القرن الخامس عشر بيوت ترتفع لأربعة أو خمسة طوابق، وأن مدينة جيدى بالقرب من ساحل كينيا تحولت إلى مدينة أشباح على أيدى البرتغاليين، بينما كانت تضم منازل وقصورا وسبعة مساجد صغيرة ومسجدها الجامع الكبير وكلها تعود إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وكانت هذه المدينة قد عرفت توصيل المياه إلى البيوت بواسطة الأنابيب وعرفت كذلك الصنابير، ومن ثم عرفت الحمامات والمراحيض. ما سبق ليس سوى نماذج للمدن التى دمرها المحتل وليست كلها فهناك عشرات مثلها فى دول إفريقيا، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا.
 

(38 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع