أفكار

العلماء العُزّاب..

1- شيخ المفسرين الإمام الطبري


 هناك عدد ليس بالسهل أو البسيط من علماء المسلمين الأجلاء الذين لم يتزوجوا، فمنهم شيخ الإسلام الإمام محى الدين النّووي، وشيخ المفسرين الإمام الطبري، وأبو القاسم الزمخشرى صاحب تفسير الكشاف المعروف، وأبو بكر بن الأنبارى اللغوى الكبير، وبشر الحافى العابد الزاهد صاحب العلوم والفنون.
فهؤلاء نموذج من نماذج العلماء العزّاب الذين لم يتزوجوا، وأرجع أهل العلم بعد دراستهم لسيرهم والوقوف على جوانب كثيرة من حياتهم؛ السبب فى عدم زواجهم إلى رغبة هؤلاء العلماء فى التفرغ لطلب العلم الشرعي، ولبذل مزيد من العبادة لله -عز وجل-؛ فهم لاحظوا فى أنفسهم أنّهم إن تزوّجُوا سيُشغلون بأمور الزواج والأولاد عن أمرٍ يرونه أسمى وأجل من الزواج؛ وخاصة وأنّهم يرون أنّ الزواج ليس واجبًا، وإنّما هو سُنّة، كما ذكرنا سابقًا لقوله –صلى الله عليه وسلم-: "النكاح من سُنتي، فمن رَغِب عن سُنتى فليس مِنّي"؛ ولذلك رأى هؤلاء العلماء فى أنفسهم أن تفرغهم لطلب العلم الشرعى وتعليمه للنّاس أفضل من حظ شهواتهم، ومن هنا صرفوا النظر عن هذا الأمر، وانشغلوا بما هو أولى من وجهة نظرهم.

ومن أدلة أهل العلم احتجاجًا لرؤيتهم ودفاعهم عن العلماء الذين لم يتزوجوا؛ هو ما قدموه لنا من تراثٍ هائلٍ وكمّ العلوم والمعارف التى قد لا تتيسر لغيرهم ممن كانت له ارتباطات وشواغل عامة كسائر المسلمين من أمور الزواج والأولاد والنفقة؛ فهم بحق تفرغوا تفرغًا حقيقيًا للعلم والدعوة فى سبيل، فنجد على سبيل المثال أنّ شيخ الإسلام الإمام النووي، ألَّف كُتبًا عظيمة بالرغم من أنّه مات فى الخامسة والأربعين من عمره، إلّا أنّه قد ترك من المؤلفات ما لو قُسِّم على سنى حياته لكان نصيب كل يوم كراستين، وليس ببعيد عن ذلك الإمام الطبرى شيخ المفسرين، فتفوق -رحمه الله- فى التفسير والتاريخ، وكان تفوقه الحقيقى يظهر فى مقدرته الفائقة على التأليف وسرعته العجيبة فى التدوين، ثم يكون مع هذه السرعة العجيبة متفوقًا ورائدًا فى كل ما يكتب، ولقد مكث الطبرى أربعين عامًا يكتب فى كل يومٍ منها أربعين ورقة، ثم لما أراد أن يملى تفسيره قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا وكم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة. فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره لهم فى ثلاثة آلاف ورقة، وسألهم عن تأليفٍ لتاريخ العالم من آدم إلى وقته يبلغ نفس الحجم "ثلاثون ألف ورقة" فاستكثروه، فاختصره فى تاريخه المعروف بـ"تاريخ الأمم والملوك"، وقال لهم: إنا لله! ماتت الهمم!!".

إذًا فهؤلاء العلماء لم يكن لديهم عوز جنسي، ونظروا إلى النكاح على أنّه نافلة وليس فريضة، وأنّ التعلم والتعليم أفضل درجة عند الله -عز وجل-، فقدموا هذا على ذاك، فهو مسلك شخصى فردى اختاروه لأنفسهم، ولم يدعو أحدًا من الناس إلى الاقتداء بهم فى هذا المسلك، ولم يصدر عن أحدهم القول بأنّ التبتل للعلم أفضل من الزواج، ولا ما نحن عليه أفضل مما أنتم عليه، فنسأل الله أن يجزيهم عنّا وعن المسلمين خير الجزاء، وأن نقدم لديننا ولو شيئًا بسيطًا مما قدموا.
أبو جعفر الطبري، محمد بن جرير، شيخ المفسرين وإمامهم بلا منازع، قال عن نفسه: "إنى حفظت القرآن ولى سبع سنين، وصليت بالناس وأنا ابن ثمانى سنين، وكتبت الحديث وأنا فى التاسعة".
وصفه المؤرخون بالذكاء الخارق، والعقل المتقد، والحافظة النادرة، وهذا ما لاحظه فيه والده، فحرص على توجيهه إلى طلب العلم وهو صبى صغير، كما تميز الإمام بالورع والزهد والبُعد عن مواطن الشُّبَه، واجتناب محارم الله تعالى، فكان زاهدًا فى الدنيا، غير مكترث بمتاعها ومفاتنها، ويمتنع عن قبول عطايا الملوك والحكام والأمراء، شديد التواضع لأصحابه وزواره وطلابه، دون أن يتكبر بمكانته، أو يتعالى بعلمه، أو يتعاظم على غيره، لا يحمل الحقد والضغينة لأحد، وله نفس راضية، يتجاوز عمن أخطأ فى حقٍّه، ويعفو عمن أساء إليه، ومع كل هذا التواضع، وسماحة النفس، كان الطبرى لا يسكت على باطل، ولا يمالئ فى حق، ولا يساوم فى عقيدة أو مبدأ؛ لا تأخذه فى الله لومة لائمٍ، جريئًا فى إعلاء كلمة الحق مهما لحق به من أذى الجهال والحاقدين.
عاش الطبرى فى عصر الدولة العباسية الذهبي، فتأثّر فى علومه ببيئته، فاهتم بما تهتم به من العلوم، وأبدع فى بعض ما تؤثره منها، فاهتم بعلوم القرآن، وعلوم الحديث، واللغة، ووقف عليها حياته، وتبحّر فى الأدب واللغة، وسعة فى رواية الحديث مع تمام الضبط. 
 


وقد طوّف الطبرى فى طبرستان والعراق والشام ومصر، واستقى من ينابيع الثقافة فى كثير من المدن، وقد تخرج فى هذه المدن كثير من الفقهاء والمحدثين والمؤرخين واللغويين والنحاة والأدباء. فأخذ عن شيوخ كُثُر فنونًا من العلم، مما كان له الأثر الواضح والكبير فيما تركه من آثار ومؤلفات. وتتلمذ على يد الإمام الطبرى كثيرون، وروى عنه جمع غفير، ولعل سعة اطلاعه، وطول حياته، من أسباب كثرة تلامذته.
صنف الكثير من الكتب فى التفسير والتاريخ واختلاف الفقهاء وتهذيب الآثار. قال الذهبى فى كثرة تصنيفه: "وكان من أفراد الدهر علمًا، وذكاء، وكثرة تصانيف، قل أن ترى العيون مثله".
وقال الخطيب البغدادى فى تاريخه: "كان ابن جرير أحد الأئمة، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه، لمعرفته وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظًا لكتاب الله بصيرًا بالمعانى فقيهًا فى أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المخالفين فى الأحكام، ومسائل الحلال والحرام عارفًا بأيام الناس وأخبارهم".

قال الإمام السيوطى عن تفسيره: "كتاب الطبرى فى التفسير أجل التفاسير وأعظمها؛ فإنّه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض، فهو يفوق بذلك تفاسير الأقدمين". وذكر المؤرخون أنه حدّث نفسه بتفسيره "جامع البيان" وهو صبى، واستخار الله فى عمله، وسأله العون على ما نواه ثلاث سنين قبل أن يعمله، فأعانه سبحانه، ثم لما أراد أن يملى تفسيره قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا وكم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة. فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره لهم فى ثلاثة آلاف ورقة.
والناظر فى تفسيره يلمح ما بذله ابن جرير من جهدٍ كبيرٍ فى إتمامه، لقد اعتنى فيه بجمع الآثار، وتحقيق الأخبار، ومدلولات اللغة، وأحكام الشرع، وأبدى رأيه مرجحًا وموضحًا وفاتحًا المجال للاجتهاد والاختيار.

ومن طالع تفسيره يرى أن الإمام الطبرى جمع فيه ما لم يجمع فى كتاب تفسير آخر، وهذا التوسع لا نجده عند غيره من معاصريه أو ممن سبقوه، ومن هنا جاءت الأهمية العلمية للكتاب، فحظى برعاية وعناية الأئمة والعلماء والمؤرخون والمفسرون، وأثنوا عليه وسطروا الجمل فى مدحه:
فقال شيخ الإسلام النووي: "له كتاب فى التفسير لم يصنف أحد مثله".
وقال ابن خزيمة: "ما أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير".

وقال السيوطي: "الإمام أبو جعفر، رأس المفسرين على الإطلاق، أحد الأئمة، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظًا لكتاب الله، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا فى أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عالمًا بأحوال الصحابة والتابعين، بصيرًا بأيام الناس وأخبارهم".
عاش الطبرى راهبًا فى محراب العلم والعمل عازفًا عن الدنيا مقبلًا على الآخرة حتى جاءته الوفاة فرحل عن دنيانا الفانية سنة (310 هـ)، وعمره ست وثمانون سنة، بذل أكثرها لخدمة الدين والعلم، فرفع الله -عز وجل- ذكره بين الناس وقام له سوق الثناء والفضل والدعاء ولم ينفضَّ، فجزاه الله عنّا وعن سائر المسلمين خير ما يجزى به عباده المؤمنين الصالحين. 


اقرأ ايضاً

(56 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع