أفكار

حقوق الأقباط التاريخية فى المدينة المقدسة..

1-الوجود القبطى فى القدس

أعضاء الكورال القبطي عام 1960
كنيسة القيامة
 
كنيسة القيامة

المدينة المقدسة "القدس" محبة كبيرة في نفس كل مصري لارتباطها بالمقدسات سواء المسيحية أو الإسلامية,  وبالنسبة للمسيحيين فهى الأرض المقدسة التي عاش عليها السيد المسيح وعلم في معابدها وجبالها وبحيراتها ومشي في شوارعها. ولذا كان للمسيحين المصريين (الأقباط) وجود فيها من القرن الأول, وكانت لهم ثلاث رحلات حج سنوية في عيد الفصح وبخاصة سبت النور, وفي عيد الصليب وفي صوم العذراء وهي الزيارة المريمية.

 ومع الوقت أصبح للأقباط وجود ثابت فيها، ومع بناء كنيسة القيامة على يد الملكة هيلانة أم الإمبراطور قسطنطين واشتراك البابا أثناسيوس الرسولي بابا الاسكندرية، في تدشينها مع اساقفة العالم – أصبح للأقباط حقوق ومقدسات خاصة بهم  داخل القيامة وخارجها . بعضها لايزال في يد الاقباط الي الآن، والبعض انتزع منهم في العصور الوسطى والعصر الحديث. وللأقباط مطران قبطي وكهنة ورهبان في الأديرة والكنائس القبطية يرسمهم بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية .

وعندما يتجول الإنسان في القدس يجد يافطات مكتوب عليها [شارع سوق الاقباط] و [عقبة خان الاقباط]، وهناك حي الأقباط الذي يمتد من كنيسة القيامة حتي سوق خان الزيت وهو خاص بسكن العائلات القبطية، ويوجد بالحي بطريركية الاقباط ويقيم بها مطران الاقباط بالقدس المعروفة رسميا باسم الكرسي الاورشليمي والشرق الادني  ودير به خمس كنائس وديرآخر مغتصب ولهم مكتبة كبيرة بها كتب ووثائق كثيرة خاصة بهم . ناهيك عن وجود عشرات الاماكن القبطية كالكنائس والاديرة والهياكل المنفرده، وايضا المدارس القبطية مثل الكلية الأنطونية، وكلية الشهيدة دميانه .  هذا كله دليل حي علي الوجود القديم للأقباط فيها, فمن أين بدأ ؟  الوجود المصري يوم الخمسين سنة 34م:  نتتبع وجود الأقباط في مدينة أورشليم (القدس) من بداية المسيحية . اذ يذكر سفر أعمال الرسل ان اليوم الذي تأسست فيه الكنيسة  سنة 34م  وحل الروح علي التلاميذ كان من بين المؤمنين الموجودين بمدينة أورشليم مصريين وليبيون وقيروانيون آمنوا واعتمدوا في هذا اليوم (أعمال الرسل ص 2: 10) .  وكان للمصريين الموجودين بأورشليم مجمع خاص بهم يسمي مجمع الإسكندريين والقيروانيين حاوروا أسطفانوس رئيس الشمامسة وورد ذكرهم في الإصحاح السادس من سفر الأعمال . وسبب ارتباط اسم سيرين أو القيروان بالإسكندرية أنها كانت تابعه لمصر من وقت حكم بطليموس الأول سنة 321 ق . م . ولمدة قرنين ونصف لذا يُذكرا دائما معًا. 


وأعظم من ذكر في عهد الرسل هو أبولوس الإسكندري الذي كان فصيحًا مقتدرًا خبيرًا في طريق الرب (أع 18 : 24-25) .  وكانوا هم النواة التي تكون منها الوجود القبطي في الأراضي المقدسة ثم انضم إليهم مصريون آخرون كانوا يترددون على أورشليم (القدس). ومنهم من هرب من الاضطهاد مثل إكليمندس السكندري الذي جاء اليها سنة 218م حيث رسم كاهن .

الحضور القبطي في تدشين القيامة 325م:  وتذكر الكتابات التاريخية كلها مجمعة علي أن البابا اثناسيوس الرسولي قد حضر ومعه أساقفة العالم لتدشين كنيسة القيامة في عهد الإمبراطور قسطنطين التي أنشأتها أمه الملكة هيلانه سنة 335م . وقد اخبرنا المؤرخ القبطي ابوالمكارم في تاريخه الذي وضعه في القرن الثاني عشر عن ذلك فقال :" ولما كملت عمارة الكنائس اراد الملك ان يقدسها .. لذلك صار اثناسيوس بطريرك الاسكندرية الي بيت المقدس ..  في ثلاثين سنة من ممــلكة قسطنطين"(2) .  وبعد تدشين القيامة نسمع عن حضور قبطي قوي في المدينة المقدسة  حيث يرد اسم المصريين في الوثيقة المهمة (الخطاب) الذي أرسلته باولا الرومانية إلى صديقتها مارسيلا سنة386م (3) . كما تتكلم الحاجة ايثيريا التي زارت الأراضي المقدسة سنة 381م عن الرهبان المصريين وبخاصة القادمين من صعيد مصر(4) . وفي سنة 382م نقرأ عن القديسة مريم القبطية التي ذهبت مع الاعداد الكبيرة في زيارة عيد الصليب المجيد، وعبرت نهر الاردن، وعاشت في البرية مدة 49 سنة حتي نياحتها سنة 431م, وكتب القس زوسيما سيرتها (5). ولاتزال للآن كنيسة مريم المصرية بداخل القيامة .  دخول العرب للقدس ودخول الأقباط في ذمتهم 637م:  في ظل العرب نص كتاب الأمان لأهل القدس المعروف بالعهدة العمرية علي ذكر الأقباط المصريين ضمن الطوائف المسيحية الموجودة بالقدس (6).  ويذكر المؤرخ الإنجليزي جيبون  Gibbon في كتابه : " اضمحلال وسقوط الامبراطورية الرومانية "  إن الفترة من وقت دخول العرب للقدس في سنة 637م إلي سنة 1099م وهي سنة دخول الصليبين أن طوائف المسيحيين الروم واللاتين واليعاقبة (7) (يقصد هنا السريان) والأقباط والأحباش والأرمن والكرج احتفظوا بهياكلهم في القبر المقدس وكان لهم كهنة وشعب بأعداد قليلة(8( .

منع الأقباط أيام الصليبيين:  ولما حاول الصليبيون الاستيلاء علي مصر في خلافة الآمر بن المستعلي (1101- 1130م ) فشلوا لعدم تعاون الاقباط معهم، فمنعوهم من الوجود في الاراضي المقدسة  ونقل جاك تاجر قول مؤرخ قبطي يُعبر عن ألمه من هذ ا فيقول:  "لم يكن حزن اليعاقبة (الأقباط والسريان) بأقل من المسلمين . بأي حق يُمنع النصاري الأقباط  من الحج إلى القدس أو الاقتراب من المدينة ؟ أن الصليبين يكرهوننا كما لو كنا ضللنا عن الإيمان القويم"(9(.

ولكن صلاح الدين الأيوبي  رافقه في حملته عدد كبير من الأقباط ودخلوا معه القدس بعضهم كَكُتاب, وبعضهم كعمال مهرة, وكافأهم برد بعض الأماكن التي أخذت منهم ومنها دير السلطان الملاصق لكنيسة القيامة, كما اتخذ صلاح الدين قبطيًا سكرتيرًا خاصًا له هو صفي الدين ابن أبي المعالي الملقب بابن شرفي(10(



إقامة أول مطران قبطي للقدس سنة 1236م: ومع ازدياد الأقباط في القدس وازدياد ممتلكاتهم من كنائس وأديرة, ووجود الأقباط بكثرة في الشام، قام البابا كيرلس الثالث برسامة أول مطران قبطي للقدس سنة 1236م وأعطاه سلطان الرعاية في فلسطين والي نواحي الفرات، وقبل هذا كانت مصالح الأقباط ترعاها الكنيسة السريانية في القدس(11). المؤرخ أبوالمكارم يذكر حقوق الأقباط سنة  1209م: وفي سنة 1209م  نجد مؤرخًا قبطيًا شهيرًا هو الشيخ المؤتمن (أي القمص) أبوالمكارم سعد الله بن جرجس بن مسعود يتكلم في تاريخها عن بعض ممتلكات الاقباط بالقدس, وسيأتي ذكرها فيما بعد، كما ذكر كنائس القبط في غزة ودمشق(12).

زيارات البابوات الأقباط للقدس: يذكر التاريخ زيارات لعدد من بابوات الإسكندرية للقدس منهم البابا متاؤس الكبير البطريرك الـ 87 الذي رسم سنة 1378م, حينما كان راهباً (13), وكذلك البابا مرقس الخامس سنة 1604م (14). كما قام البابا يؤانس السادس عشر بزيارة سنة 1680م, وتفاصيل الزيارة كتبت بمخطوط بالمتحف القبطي(15).  ويحكي الشيخ الجبرتي في تاريخه عن محاولة لحج الأقباط للقدس سنة 1752م  بعد انقطاع سنوات(16)، ولكن البابا بطرس الجاولي زارها وحضر حادثة النور سنة 1834م (17).  كما نجد محمد علي باشا يصدر توصية لمتسلم غزة – لأقباط مصر وبخاصة الراهب القبطي وزوار القدس الحاملين قفص الشموع (يقصد النور المقدس ) (18). ولكن البابا كيرلس السادس منع الزيارة سنة 1961م بسبب اغتصاب دير السلطان القبطي ثم سمح بعد رده, ثم كرر المنع سنة 1967م بسبب العدوان الإسرائيلي (19)، وبسبب إعادة اغتصاب نفس الدير قرر المجمع المقدس برئاسة البابا شنوده الثالث منع الزيارة في جلسة 26 مارس 1980م (20).

عدد الأقباط في القدس: لا توجد إحصائيات حقيقية تتصل بأعداد الأقباط في فلسطين، وكلها تقديرات . وتشير بعض المصادر أن عددهم اوائل القرن العشرين عشرين ألف نسمه، يعيش في القدس منهم ألف، والباقون منتشرون في بيت لحم ويافا وحيفا وعكا والناصرة واللد وأريحا وغزة ودير البلح وخان يونس ولهم في هذه المدن ممتلكات، وبعضهم سكن عمان بالأردن (21) وفي مصدر آخر يقدرهم في خمسينيات القرن العشرين بحوالي خمسمائة نسمة، ويرى أن هذا الرقم قد ارتفع ليصل إلى حوالي ألف نسمة 1970م(22).

مراجع المقال

 [2] أبوالمكارم : تاريخ الكنائس والاديرة في القرن الثاني عشر، طبعة انبا صموئيل، 1984ج 3 ص 25

[3] ديمتري رزق : قصة الاقباط في الاراضي المقدسة، القاهرة 1967م، ص 14
[4] المذكرات السياحية للحاجة ايثيريا، المقال الـ 16 بمجلة مرقس العدد 329 بتاريخ ديسمبر 1991م،  ص 27  
[5] ايريس المصري : قصة الكنيسة القبطية، الجزء الثامن 1988م ص 72-73
[6] Gibbon, Decline Fall  of the Raman Empire  IV . p 148(ديمتري رزق : مرجع سابق، ص 17)، وعبدالحميد الكاتب : القدس، نشر مكتبة الاسرة، القاهرة 1998م، ص 64
[7] اليعاقبة: نسبة للقديس يعقوب السروجي أسقف اديسا Edissa  السرياني، أطلقها الروم علي السريان أولا، ثم أطلقت علي الاقباط وأطلقها الشيخ المقريزي ايضا علي الاقباط . وهي تعني في نظرنا الارثوذكس .  
[8] ديمتري رزق : قصة الأقباط في الأراضي المقدسة، مرجع سابق، ص 14
[9] أنبا يؤانس : تاريخ الكنيسة القبطية في العصر العربي، ج2، نشر الكلية الإكليريكية،  ب. ت، ص 176- 177 . وجاك تاجر: مرجع سابق، ص 175 نقلا عن رينودو في : 
Renaudot,(Abbe E.)، Historia patriacharum Alexandrinonum Jacobilarum 1Paris,1713. In 8 
[10] أنبا يؤانس : تاريخ الكنيسة القبطية، ج 2 مرجع سابق ، ص 179 
[11] أنبا ساويرس بن المقفع (القرن 10) : تاريخ البطاركة، طبعة انبا صموئيل، مج 4 القاهرة 1984م .ص 77
[12] أبوالمكارم : مرجع سابق ، ج 3 ص 18 - 49 
[13] كامل صالح نخله: تاريخ البابوات بطاركة الكرسي الإسكندري،  الحلقة الثالثة، 1952م, ص 12- 13
[14] كامل صالح نخله : سلسلة تاريخ البابوات بطاركة الكرسي الاسكندري، الحلقة الرابعة، 1954م، ص 89 
[15] مخطوط رقم 128 طقس بمكتبة المتحف القبطي بالقاهرة . 
[16] عبد الرحمن الجبرتي : عجائب الآثار في التراجم والأخبار، القاهرة 2003م، ج 1، ص 318-319
[17] السنكسار، نشر دير السريان بوادي النطرون 2012م، يوم 28 برمهات ج2 ص 82-83 
[18] محفوظات قصر عابدين سجل  19 معية تركي تاريخه 12 شعبان 1241(1825م) . 
[19] أنبا غريغوريوس: وثائق للتاريخ الكنيسة وقضايا الوطن والدولة، ج3، القاهرة، 1979م . ص 10  
[20] القرارات المجمعية في عهد البابا شنودة الثالث 117، إعداد لجنة السكرتارية، ط3, 2011م،  ص 75
[21] مجلة رابطة القدس، العدد 205 السنة  52 بتاريخ أبريل ويوليو 1996م، ص 12-13  
[22] د . ميخائيل مكسي إسكندر : القدس  دراسة ممتعه لتاريخ وآثار المدينة المقدسة،  القاهرة 1986م،ص 124

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع