أفكار

قال إنها اتبعت في كتابتها قواعد الذوق والأخلاق..

وصف ويليام لين لمراسلات العرب فى القرون الوسطى

كتب المستشرق الإنجليزى المشهور إدوارد ويليام لين (1801-1876) فى كتابه "المجتمع العربى فى العصور الوسطى" الذى نُشر بعد وفاته بلندن عام 1882، فصلا عن الآداب والأشعار لدى العرب عبر العصور، وتناول فقرات منه عن فن المراسلة فى العصور الوسطى، ونظرًا لطرافته فإننا ننشر فى "بوابة الحضارات" وصفه الذى اعتمد فيه على المراجع العربية المخطوطة.
 
يقول لين:
تمتاز رسائل المسلمين بأنه قد اتـُّبعت فى كتابتها قواعد الذوق والأخلاق، بالإضافة إلى خصائص عديدة. فقد كانت تـُكتب على ورق غليظ، شديد الصَّقل، وأحياناً كانت تـُحَلـَّى بأزهار من ذهب، وكانت أطرافها دائماً تـُقص بالمقص على شكل مستقيم. 
وكان النصف الأعلى يُترك عامَّةً بدون كتابة، ولا يُكتب أبداً على الوجه الخلفى للرسالة. يمكن الحصول على فكرة عن النمط العام للرسائل من أمثلة عديدة فى كتاب "ألف ليلة وليلة"، كان اسم الشخص المرسل إليه - إن كان فى منزلة أدنى من منزلة الراسل أو يساويها، بل وفى حالات أخرى - يُكتب عامة فى الجملة الأولى من الرسالة، ويسبقه الكثير من ألقاب الثناء والتكريم، وكثيراً ما يكتب الاسم فوق السطر الذى يتصل به بمسافة طفيفة، وتـُترك المسافة التى تحت هذا السطر فارغة، وأحياناً يُكتب الاسم بحروف من الذهب أو الحجر الأحمر . أما إذا كتب ملك إلى أحد رعاياه، أو رجلٌ عظيم الشأن إلى أحد أتباعه، فعادةً ما يضع اسمه فى أعلى الرسالة ويختمه بختمه. يُعدُّ هذا الختم بمثابة دمغة تحمل توقيعه (وهو عادة خاتم يلبس فى أصبع الخنصر لليد اليمني)، منقوشٌ عليه اسم الشخص، وغالباً تسبق الاسم كلمة "عبده"، أى "عبد الله"، أو بعض الكلمات الأخرى التى تعبر عن التوكل على الله وما شابه. والتوقيع بهذا الختم يعد أكثر فعالية من الإمضاء باليد، ويعد أمراً لا غنى عنه فى إضفاء الثقة على الرسالة وصحتها. يتم "التوقيع" بوضع بعض الحبر على سطح الخاتم ثم بالضغط به على سطح الورقة، ويتم فى البدء ترطيب المكان الذى سيُختم فيه عن طريق لمس أحد أصابع اليد اليمنى للسان، ثم يُحَك ذلك المكان بلطف بهذا الأصبع . أما إذا كانت الرسالة يكتبها شخص إلى شخص آخر أعلى منه منزلة أو يساويه، أو حتى إلى شخص أقل منه ويريد أن يُبدى له احترامه ؛ فإنه يوقع باسمه فى أسفل رسالته، فى الجانب أو الركن الأيسر، ثم يضع خاتمه على يمين التوقيع مباشرة. ولكن إذا أراد - على وجه الخصوص - أن يثبت تواضعه، فإنه يضع خاتمه تحت توقيعه، أو حتى على الحافة السفلى من الرسالة تقريباً، والتى بالتالى لا تسع الخاتم بأكمله. عامة ً ما تُطوى الرسالة مرتين فى اتجاه الكتابة، ثم توضع داخل غلاف من الورق، يكتب عليه العنوان على النحو التالي: "يصل بإذن الله سبحانه إلى المكان الفـُلاني، ويُسلم ليد صديقنا المُكرَم فلان، حفظه الله". أحياناً توضع الرسالة فى حقيبة صغيرة أو كيس من الحرير المزركش بالذهب. 


ويليام لين

يستطرد ويليام لين:
كثيرا ما يحلو للعديد من الأشخاص المتعلمين وغيرهم من العرب أن يستخدموا فى حديثهم ومراسلاتهم الرموز والإشارات، أو لغة تقليدية صارمة مليئة بالاستعارات والكنايات حتى لا يفهمها عامة الناس؛ بل وأحيانا لا يفهمها أحد باستثناء الأطراف المشاركة فى هذا الاتصال، ويظهرون فى ذلك الكثير من البراعة وسرعة الفهم. فى بعض الحالات عندما يفهمون الاستعارة الرئيسية المستخدمة فى المحادثة؛ فإن بقيتها تصبح يسيرة على إدراك معناها بدون أى تفسير مُسبق لها. وقد تصادف أن نجحتُ فى فهم محادثة من هذا النوع، لكن كثيرا ما فشلت بدرجة أكبر عندما حاولتُ أن أخمن طبيعة موضوع محادثة كان يجريها أناسٌ آخرون. هناك طريقة بسيطة للمحادثة أو المراسلة السرية وهى وضع حروف معينة مكان حروف أخرى. 

يقال إن العديد من النساء قد تخصصن فى هذا الفن، أو العلم ؛ فكنَّ ينقلن الرسائل والبيانات الغرامية وما شابهها على شكل الفواكه والورود والكنايات الأخرى. 
ربما كان عجزُ العديد من النساء فى عائلات الطبقة المتوسطة عن القراءة أو الكتابة - بالإضافة إلى صعوبة أو استحالة إرسال الخطابات المكتوبة باستمرار - السببَ فى ابتكار هذه الطرق من المراسلة.
وقد أشبعت السيدة "مارى وورتلى مونتاجو Mary Wortley Montagu " فضولنا فى كتابها الساحر "رسائل من الشرق" ؛ إذ ذكرت خطاباً غرامياً تركياً من هذا النوع.


صفحة العنوان لكتاب إدوارد ويليام لين

يمكن أن نذكر هنا جزءا من خطاب غرام عربى مع الرد عليه: 
أرسل محبٌ عربى إلى معشوقته مروحة، وباقة ورود، وقطعة حرير (شَراب)، وبعض من السكر النبات، ووتـَر آلة موسيقية. فأرسلت له الرد الذى كان عبارة عن قطعة من نبات الصبار، وثلاثة حبات من الكمون الأسود ( حبة البركة)، وقطعة من نبات يستخدم فى الاغتسال "غسول الأزرار". 
 
تـُترجم مراسلة هذا العاشق بهذا الشكل: 
المروحة مشتقة من كلمة "الرواح"، التى من ضمن معانيها: "الذهاب إلى مكان بالليل"؛ أى أن الشاب يرغب فى زيارة حبيبته ليلا. أما الأزهار فتعنى أن اللقاء سيكون فى حديقتها. أما قطعة الحرير (تسمى شُرَّابة) فتعنى أنهما سيتناولان الشراب (أو الخمر). أما السكر النبات فتشير إلى كلمة "نـِبات"، الذى يعنى أيضا أنه يرغب فى قضاء الليل معها حتى الصباح. ووتر الآلة الموسيقية، معناه أنهما سيستمتعان بسماع الموسيقى. 
 
أما ترجمة ردِّها، فهى كما يلي: 
قطعة نبات الصبار تدل على أنها تطلب منه الصبر والانتظار، حيث إن نبات الصبار يعيش شهورا عديدة بدون ماء. وحبات الكمون السوداء، تعنى أنها تقول له أن فترة التأجيل على لقائهما ستكون ثلاث ليال. والنبات المستخدم فى الاغتسال فيعنى أنها تخبره أنها ستذهب إلى الحمام وسوف تقابله هناك.
  

ادوارد ويليام لين بالملابس المصرية

ثم يتناول لين المراسلات الرمزية لدى العرب ويضرب مثالا لها برسائل للشاعر الشهير المتنبي، فيقول:
أظهر بعض العرب قدرة استثنائية فى فهم معانى الإشارات السرية المستخدمة فى المراسلات الكتابية إليهم، وكثيرا ما تـُستخدم هذه الإشارات فى المؤامرات السياسية وغيرها. يعد المثال التالى مثالاً مثيراً للاهتمام:
 يُحكى أن الشاعر الشهير المتنبى قد نظم أبياتا يهجو بها كافور الأخشيدى حاكم مصر المستقل، فاضطر إلى الفرار والاختباء فى مدينة بعيدة. فعلم كافور بمكان اختبائه وأمر كاتبه الخاص أن يكتب إليه خطابا يعده فيها بالصفح ويأمره بالعودة. ولكنه أخبر كاتبه فى نفس الوقت أنه سيعاقب المتنبى عند قدومه إليه. كان الكاتب صديقا للمتنبي، ولكونه كان مضطرا لأن يقرأ الخطاب على الأمير عند الانتهاء من كتابته، فقد تحير فى كيفية تنبيه المتنبى إلى الخطر الذى ينتظره؛ فلم يستطيع إلا أن يجازف بعمل ذلك فى العنوان المكتوب خارج الرسالة. فكتب العنوان بالصيغة العادية مبتدأً بـ ( إن شاء الله يصل هذا الخطاب إلى ..... الخ، ووضع علامة تشديد صغيرة على حرف (ن)، فتقرأ حينئذ (إنّ) . قرأ المتنبى الرسالة وابتهج بوعد الأمير له بالعفو، لكن عندما نظر مرة أخرى إلى العنوان فوجئ بملاحظة الشدة على حرف النون.
ولأنه يعلم أن كاتب الأمير صديقه، فقد شك على الفور بأن هذه العلاقة لها معنى خفي، ففهم أن العلامة تشير إلى آية فى القرآن تبدأ بكلمة "إنّ". فخمَّن أنها "إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك". فهرب المتنبى بالتالى إلى مدينة أخرى.
يضيف بعض الكتاب أنه كتب ردًّا يحمل إشارة مشابهة لصديقه، تدل على آية أخرى فى القرآن "إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها".
 
ويختم ادوارد ويليام لين هذا الموضوع قائلا:
من المحتمل أن الإشارات التى تستخدم بهذا الشكل كان يستعملها العديد من الأشخاص لتتضمن تلميحات إلى كلمات معينة، كما فى حالة هذه القصة التى ذكرناها آنفاً. فإن لم يكن الأمر كذلك، فلابد أن المتنبى كان فطناً لدرجة تثير الإعجاب.
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع