أفكار

"ن" والقلم..

هل تتراجع باريس عن دورها الفرنكفونى؟

مما لا شك فيه أن فرنسا تمثل العمود الفقرى لمنظمة الفرنكفونية التي تضم في عضويتها 80 دولة (57 عضوا و 23 مراقبا) وهى المنظمة التي تكتسب أهمية خاصة ليس فقط لقدم هذه المنظمة، ولكن أيضا لدورها الفاعل كونها تمثل المظلة الرئيسية التي تلتف حولها الدول الناطقة بالفرنسية وتسعى باريس جاهدة نحو تعظيم دور هذه المنظمة من جانب ومساندة أعضائها في المحافل الدولية من جانب آخر.
 
ومن بين أوجه الاهتمام الفرنسي بالفرنكفونية يأتي استقبالها للطلاب الأفارقة الجامعيين وبعد الجامعة للدراسة في الجامعات الفرنسية المختلفة لتعظيم أواصر التعاون بين باريس والقارة الإفريقية بما يساعد على النهوض بالقارة الإفريقية، ومن ثم الحفاظ على الهوية الثقافة الفرنسية وخاصة في ظل زيادة عدد الطلاب الأفارقة الذين يقصدون عاصمة النور والثقافة للاستنهال من علمها وثقافتها إذ يقدر عدد الطلاب الأفارقة الذين يدرسون في الجامعات الفرنسية بـ 324 ألف وهو عدد كبير للغاية ومرشح للزيادة بشكل دائم ومستمر.
 


تحول خطير..
ولكن للأسف الشديد فقد كشفت تقارير إعلامية ورسمية مؤخرا عن قرار الحكومة الفرنسية بزيادة المصروفات الدراسية بالنسبة للطلبة الأفارقة بشكل كبير للغاية وهو قرار مفاجئ للجميع، فلم تتم أي مشاورات سابقة له بشأنه لا مع الطلبة المخاطبين بالقرار ولا بالأساتذة الأكثر علماً بتداعيات مثل هذه القرارات الهامة، وخاصة أن معدلات زيادة المصروفات قد أصابت الطلبة الأفارقة بالدوران لأنها اتسمت بالمفاجأة من جانب وبقيمة الزيادة الكبيرة من جانب آخر، فقد ارتفعت قيمة المصروفات الدراسية السنوية لدرجة الليسانس 170 يورو سنويا إلى 2770 يورو سنوياً، وفيما يتعلق بالمصروفات السنوية للماجستير فقد ارتفعت من 243 يورو سنويا إلى 3770 يورو سنويا، كما أن هذه الزيادة قد طالت أيضا دارسى الدكتوراه التي ارتفعت من 380 يورو سنوياً الى 3770 يورو سنوياً . بل الأغرب من ذلك أن القرار الحكومى هذا جاء مشمولا بالتطبيق اعتبارا من العام الدراسى القادم الأمر الذى دفع البعض من الأفارقة لأن يتهمون هذا القرار بأنه يمثل خيانة لقيم الجمهورية الفرنسية التي تسعى دائما نحو تعزيز العلاقة الأفريقية الفرنسية وليس العكس، كما يضع هذا القرار، بين ليلة وضحاها، العديد من الطلاب الأفارقة في وضع صعب للغاية يفرض عليهم قطع دراستهم ليس فقط لعنصر المفاجأة التي ألمت بهم من هول تطبيق هذا القرار، ولكن أيضا بسبب نسب الزيادة التي طرأت على المصروفات المقرر سدادها.
 


واللافت في الأمر أن هذا القرار الذى أعلنه رئيس الوزراء ادوارد فيليب شخصياً يحمل في طياته سخرية مزدوجة حيث جاء تحت شعار "مرحبا بك في فرنسا، استراتيجية استقدام 500 ألف طالب أجنبى بحلول عام 2027" بينما يكمن الوجه الساخر الآخر لهذا القرار انه تواكب مع لقاء أساتذة الجامعات الفرنكفونيين الذى عقد بباريس في الفترة من 19 إلى 21 من نوفمبر 2018، أي أننا أمام قرار غير مدروس وفجائى في آن واحد وهو أمر يدعو للاندهاش إلى حد كبير والتعجب من التغير المفاجئ في موقف فرنسا الذى يدعو إلى التنازل والتراجع عن دورها الفرنكفونى لصالح الطلبة الإنجلوفيين الأمر الذى ينعكس سلبا على تاريخ الدور الفرنسي في الفرنكفونية، ومن ثم فنحن أمام دور فرنسى جديد يسبح عكس اتجاه الفرنكفونية لأنه دور يحرم الطلبة الأفارقة (معظمهم من مالى والسنغال والجزائر والكاميرون ) من الاستنهال من العلم والثقافة الفرنسية وخاصة أن هذا القرار يخاطب الطلبة غير الحاصلين على منحة ويعتمدون على أنفسهم في تدبير احتياجاتهم المالية وهم معتادون على كسب قوتهم بأنفسهم وأن مثل هذه العناصر إنما تمثل خير سفير للغة والثقافة الفرنسية فيما بعد فبالتالي فإن هذا القرار لا يأتي ليس فقط في مصلحة هذا الشباب الواعد ولكن أيضا لا يصب في مصلحة فرنسا وتاريخها اللامع في الفرنكفونية لأنها أى فرنسا تتنازل ليس فقط عن دور تاريخى ولكن أيضا تتنازل عن دور سياسى هام تتمتع به في قلب منظمة الفرنكفونية وهو دور يمنح باريس ثقلا سياسيا كبيرا عالمياً.
وفى سياق متصل، فيجب على الحكومة الفرنسية ان تعى جيدا ما يسمى بـ حرب اللغات الدائرة في القارة الإفريقية " فالصين تسعى جاهدة لبسط نفوذها في القارة الإفريقية عن طريق أدوات كثيرة وعديدة من بينها إقامة معاهد مجانية في كبريات المدن الإفريقية في محاولة للسيطرة على القارة الإفريقية هذا بالإضافة إلى بدء قوة نفوذ اللغة الإنجليزية في القارة الإفريقية للسيطرة علي القارة السمراء .

وإذا كان مبرر الحكومة الفرنسية من زيادة رسوم الطلبة الأجانب لتحديث الجامعات، فإن هذا الإجراء غير مفيد وغير بناء تماما لأنه ينعكس سلبا على الجامعة نفسها ودورها التاريخي .
وأخيرا، فيمكن التأكيد أنه بهذا القرار الغير مدروس وغير المفهوم، فإن فرنسا تتنازل بذلك عن أحد وأهم أدواتها في القارة الإفريقية وأن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد ولكن هذا التراجع يأتي لصالح قوى أخرى أى أن الخسارة الفرنسية ستكون خسارة مزدوجة المردود.

(67 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع