أفكار

وصف للأيرلندي ريتشارد بيرتون..

رمضان فى مصر قبل 164 عامًا

فى رحلته إلى "مصر والحجاز" التى قام بها سنة 1853 ميلادية، فى أواخر عهد عباس باشا الأول (1848-1854)، أى قبل نحو 164 عاما مضت، قدم الرحالة الأيرلندى "ريتشارد بيرتون"، صورة شيقة لحياة المصريين فى شهر رمضان آنذاك وعلاقتهم المميزة به دونا عن بقية شهور العام، يلفت النظر فيها كثير من أوجه الشبه مع جوهر حياتهم خلال هذا الشهر الآن، مع اختلافات بسيطة بحكم تطور الزمن.
 

ريتشارد بيرتون

الفقراء أكثر إخلاصا..
يبدأ بيرتون، الذى عمل طبيبا خلال تواجده فى القاهرة، بتقديم وصف طبقى لعلاقة المصريين بهذا الشهر، الذى وافق شهر يونيو فى التاريخ الميلادى وقتها، بتأكيده على أن الطبقات الدنيا والوسطى تراعى شعائر هذا الشهر بإخلاص شديد رغم قسوتها، مشيرا إلى أنه لم يجد مريضا واحدا اضطر ليأكل حتى لمجرد الحفاظ على حياته، رغم المعاناة الشديدة بسبب هذا "الحرمان الشامل" (بسبب الامتناع عن الطعام والشراب)، كما أن "السفلة والآثمين الذين كانوا قبل رمضان قد اعتادوا على السكر والعربدة حتى فى أوقات الصلاة – قد تركوا ما كانوا فيه من إثم، فصاموا بل وصلوا".
 
وفى المقابل فإنه يشير إلى أن الطبقة العليا من الترك، آنذاك، قد تخرق بشكل شخصى الامتناع عن الطعام والشراب والتدخين واستنشاق (النشوق)، وفى هذا الحال، كما فى كل الأمور البشرية ينطبق قول القائل: المذنب فى السر بريء.
 
يوم صيام..
ويستعرض "بيرتون" ما يحدث فى يوم من أيام صيام الشهر الكريم، مشيرا إلى أنه بعد حوالى نصف ساعة من منتصف الليل ينطلق مدفع السحور منبها المسلمين بوجوب الاستعداد لتناول طعام السحور (غالبا لعدم توافر آلات تنبيه بالوقت لدى عموم المصريين وقتها)، وفى بعض الأحيان يكون ذلك قبل أن تستعد المعدة (لأنها لم تكن قد هضمت الطعام الذى تناولته بعد المغرب)، ومن دواعى الاحتياط أن يتناول الإنسان فى سحوره أكبر قدر من الطعام يستطيعه، وبعدئذ نسمع "السلام" ويقصد به ترديد عبارات الصلاة والسلام على النبى (صلى الله عليه وسلم) كتوطئة لآذان الفجر.
أما بالنسبة لفترة الصيام نفسها، فهو يرصد ملامح مما يصاحب هذا الشهر عادة، فى أيامنا هذه، من "إرهاق" و"كسل" و"نفاذ صبر" وتوقف فى كثير من مظاهر الحياة، حيث "تواجهك فى الأسواق والشوارع وجوه شاحبة زائغة البصر وكأنها فى محنة كبيرة"، أما "الدكاكين فى هذا الشهر إما أن تكون مغلقة أو خالية من الباعة، ففى هذا الشهر لا يشترى التجار ولا يدرس الطلاب، وباختصار فإن هذا الشهر الفضيل يعد بالنسبة لفئات كثيرة جزءا من اثنى عشر جزءا من السنة لا إنتاج فيه".
انطلاق المدفع..
إلا أن هذا المشهد ربما يتغير قليلا عند اقتراب المغرب (ساعة الإفطار)، الذى تبدو القاهرة فيها وكأنها "أفاقت من غشيتها، فيطل الناس من النوافذ والشرفات ليرقبوا اقتراب ساعة خلاصهم. وبعض الناس يصلون ويبتهلون وآخرون يسبحون بينما آخرون يتجمعون فى جماعات أو يتبادلون الزيارات لقتل الوقت حتى يحين ميعاد الإفطار".
 


وفيما يتعلق بلحظة انطلاق المدفع، فيصفها بيرتون قائلا: "يا للسعادة! أخيرا انطلق مدفع الإفطار من القلعة. وفى الحال يجلجل المؤذن بأذانه الجميل داعيا الناس للصلاة، وينطلق صوت المدفع الثانى من قصر العباسية، (دون أن يحدد أى قصر بالتحديد)، فيصيح الناس "الإفطار! الإفطار!" وتعم همهمة الفرح فى أنحاء القاهرة الصامتة".
 
ويمتد وصف بيرتون لرمضان فى مصر حتى إلى طريقة تناول كل من الأغنياء والفقراء لطعام إفطارهم، إذ يشير إلى أن "الفقراء يأكلون وجبتهم بنهم تام. أما الأغنياء فيفطرون بوجبة خفيفة – قليل من الخبز والفاكهة سواء طازجة أو مجففة – ولكنهم يفضلون بشكل خاص البطيخ والحلوى أو بعض الأطباق سهلة الهضم كالمهلبية، ثم يدخنون الشيشة ويشرب الواحد منهم قدح قهوة أو كوب شربات، ويصلون العشاء.. وبعد هذا يجلسون لتناول طعام الفطور، حيث يأكلون بنهم".
 
أمسيات رمضان..
ويشير الرحالة الأيرلندى إلى أنه كانت هناك طرق عديدة لقضاء أمسيات شهر رمضان، حيث تزدحم الشوارع فى فترة ما بعد الإفطار بحشود من الحواة الممثلين الفكهين، وينخرط كثيرون فى المسرات، بينما يتخذ عدد قليل طريقه للمسجد لأداء صلاة التراويح فى جماعة ويمشى الناس مشيا وئيدا حاملين فى أيديهم غلايين التدخين المعتادة، ويتسوقون – فالأسواق تظل مفتوحة حتى ساعة متأخرة – أو يجلسون عند مداخل المقاهى يدخنون الشيش ويثرثرون ويستمعون لحكايات الرواة والمغنين والوعاظ والمتجولين.
 


وتجلس زمر من الذين لا عمل لهم فى ضوء القمر خلال الطرق الرئيسية المؤدية لحدائق الأزبكية، حيث الحى الأفرنجي، ليستمعوا للفرق الموسيقية التركية واليونانية أو ليسعدوا بأكل الكعك وشى الذرة واحتساء القهوة والمشروبات المحلاة، ومشاهدة مباهج ومزاحات "القرة قوز"، غير أن المنظر هنا يبدو أقل اتساما بالروح الشرقية مما عليه الحال فى داخل القاهرة، ويبدو منظر الملابس الأفرنجية بين الأزياء الشرقية المتباينة تحت ضوء القمر، بالإضافة للعتمة الخفيفة التى تسببها أشجار الأكاسيا ذوات الزهور الصفراء المبيضة، منظرا جديرا بأن يكون موضوعا للوحة فنية.
وفى المقابل فإنك إذا عدت لأحياء القاهرة الشعبية، فإنك، بحسب بيرتون، "تصاب بالذهول بسبب اختلاف الأصوات وتباينها، فالكل يتحدث وطبقات الصوت أثناء الحديث متطرفة، فهى إما همسا وإما صراخا وجلبة، ولا يستطيع الغرباء إقناع أنفسهم أن الناس هنا يمكنهم أن يتناقشوا دون انفعال، فكل من يصيح بصوت عال جدا (من طبقة السوبرانو) فها هو ذا الفلاح يصيح متوسلا للخفير الذى يقوده لمركز الشرطة: "فى عرضك.. فى عرضك"، وكان يتبعهما (أى الفلاح والخفير) رتل من النسوة يولولن: "يا خراشى يا حسرتي.! يا ندامتي!.
 
"أما الصبية فقد اختاروا أحدهم وجعلوه "باشا" وأحاطوا به فى موكب، وقد حملوا حزم القش لإشعال المشاعل، وهناك من يسبق الموكب وهم يهتفون ببهجة واندفاع أبناء السنوات العشر، بينما يصيح جندى مشاه يركض لاهثا أمام عربة الباشا حاملا مشعلا ضخما: "أوع يمينك"، "أوع شمالك"، "أوع رجلك"، "أوع ضهرك"، "صل على النبى ووسع الطريق"، فيرد المسلمون الطيبون: "اللهم صل وسلم عليك يا نبي".
 
ويغنى بائع الحبوب المشوية، حسبما يواصل بيرتون وصفه، وهو يهز بضاعته لتحدث خشخشة فى سلته: "يا حمص.. يا بذر (يا لب)"، ويصيح السقاؤون وهم يحملون قربا مليئة بالماء: "وسع الطريق.. وحد الله.. ميه حلوة.. انعش روحك.. يا عصير الليمون"، أما عن الشيش فإن بائعها يضرب أجزاءها النحاسية بعضها ببعض لتحدث صوتا. ثم يأتى دور المتسولين المنتشرين فى بلاد الشرق: "عشانا عليك يا رب.. عشانا عليك يا الله".
 
 

(51 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع