أفكار

قدموا نموذجا فريدا فى الفكر الاقتصادى..

نوابغ العلماء المسلمين فى عصور السيادة الإسلامية (المقريزي نموذجا)

د. أحمد عبدالرازق عبدالعزيز محمد - دكتور أكاديمي
 
في كثير من الأحيان نقف أمام علماء أفذاذ اثروا العالم العربي بمؤلفاتهم وأعمالهم. ليس فقط لتميزهم بالدقة والتأكد من صحة المعلومة أو الحدث الذي اجتهدوا في إظهاره للمجتمع بشكل أشبه بالحقيقي من خلال كتاباتهم، ولكن هذه الكتابات في كثيرها كانت تقدم حلولا للعديد من المشكلات في عصر المؤرخ، وقد تصلح في العصور التي تلحقة بل وفي العصور الحديثة، وذلك لان هذه الحلول أحيانا تصبح قاعدة أساسية تُتبع في كل العصور والبلاد.

ومن هؤلاء العلماء المسلمين الذين قدموا نموذجا فريدا في عصور السيادة الاسلامية في الاقتصاد – كمفكر اقتصادي – هو المؤرخ أحمد بن علي بن عبد القادر المعروف بتقي الدين المقريزي .
وساعدتة نشأتة على أن يكون مفكراً اقتصاديا بالاضافة لكونه مؤرخ كبير فنشأ في كنف أسرة عرفت بالعلم، وتعلم مختلف العلوم الادبية، والدينية، وغيرها من فنون المعرفة المتداولة في عصره. وربما ساعدتة وظيفتة في الحسبة بالقاهرة في رجب 801ه / مارس 1398م عهد السلطان الظاهر برقوق في أن يدرس المشاكل الاقتصادية التي ألمت بالبلاد في تلك الاونه فقد شغلت مشاكل الامة تفكيره وعكف على كتابة مؤلفات هدفها علاج هذه المشكلات التي أدت لتراجع اقتصاد الدولة ( دولة سلاطين المماليك في مصر ) في تلك الاونه، وكان دليل ذلك عزوفه عن وظيفة القضاء بدمشق أول دولة الناصر فرج مفضلا التفرغ لتكمة العديد من المؤلفات والتي زادت على نحو ماتي مجلدة كبار( ) .



ومن شدة عشق مؤرخنا لمصر قال " هى مسقط رأسي. وملعب أترابي ومجمع ناسي ... وموطن خاصتي وعامتي ... " فعلى سبيل المثال كان سبب تأليفة لرسالة لطيفة الحجم بعنوان " اغاثة الامة بكشف الغمة " هي المجاعة التي ألمت بمصر ما بين عام 796ه/1393م إلى عام 808ه/1405م عرضا من خلالها لما حل بمصر من غلاء( ) .

فقد خصص مؤرخنا جزء من رسالته تخص أسباب هذه الأزمات التي ألمت بالبلاد وبالأخص بعصره والتي يمكن أن نلخصها بقصور جريان نهر النيل بمصر أو افه تصيب الغلال وأكد أن "هذه عادة الله تعالى في الخلق، إذا خالفوا أمره وأتوا محارمة، أن يصيبهم بذلك جزاء بما كسبت أيديهم" ولم يكتفي بذلك بل عدد واشار للاعوام التي ادت لقصر جريان النيل وما سببه ذلك من شراق الأراضي وتعطل الزراعة، وظهور الغلاء، وتزايد والاسعار ووضع رجال الدولة ايديهم على الغلال فيما يسمى بالاحتكار حبا في زيادة الربح الذي اضر بالبلاد والعباد، وسبب ذلك الجوع والبرد لأكثر من نصف السكان مما أدى لموت الكثيريين، وهى الازمة والمجاعة التي كانت جوهر رسالتة والتي بدأت بقصر جريان النيل منذ عام 796 وحتى 806 وقد تخلل ذلك العديد من عوامل الفساد( ) .




حيث أشار لوجود ثلاثة أسباب أدت لفساد الدولة، وكانت اولها الرشوة للمناصب السيادية بالدولة كالقضاء والحسبة ليتولاها كل من يملك المال دون أن يكون أهل لذلك، وبالتالي يقوم صاحب المنصب باسترداد ما دفعه من أجل المنصب بالأرتشاء من هم تحت سطوتة من الرعايا بحكم المنصب فضاعت بذلك حقوق الناس؛ بالاضافة لكثرة الضرائب على الفلاحين بالريف، فتركوا اراضيهم بحثا عن الرزق في مكان اخر فمات الزرع وقلت المحاصيل وزاد الغلاء على العباد( ) .
ويعد السبب الثاني هو غلاء الاراضي عن طريق التعدي عليها من قبل أصحاب السلطة بالدولة وزيادة اعباءها على الفلاحين من دفع الايجار والحرث والضرائب، وغيرها مما ادى لزيادة اهل الريف فقرا وارتفاع اسعار السلع فخربت معظم القرى لذلك، وتعطلت الزراعة فقلت الغلال وتشرد الفلاحين في البلاد مما ادى لخراب مصر( ).



وأما السبب الثالث هو رواج الفلوس حيث بدأت منذ القدم وزادت سوءا منذ عام 695 بضرب الفلوس وزيفها فتوقف الناس في التعامل بها لخفتها وزاد الوضع عهد الظاهر برقوق عام 784 الذي ولى احد رجالة الاموال السلطانية، ومن اجل جمع الأموال أبطل الدراهم وجلب النحاس من الخارج وسبكه حتى اصبحت الفلوس هى النقد المتاح في البلاد ؛ اما الدراهم الفضة تباع كالبضائع، بل وقلت لعدم ضربها وسبك ما بأيدي الناس حليا، واصبحت جميع المبيعات بالفلوس، واشار ان كثرة امر الفلوس امر لا اشنع من ذكره حيث فسدت الاحوال وال امر الناس الى زوال واشرف اقليم مصر على الاضمحلال( ) .
حيث قدم لنا حلا لتلك الأزمات - سابقة الذكر- يتوافق مع العصر للاصلاح الاقتصادي وتلافي مانجم عنه من آثار أثرت على المجتمع بشكل عام. حيث أشار إلى أن النقود المعتبرة شرعا وعقلا إنما هي الذهب، والفضة فقط، وما عداها لا يصلح أن يكون نقدا، ولا يصلح تعامل الناس في أثمان مبيعاتهم إلا بالفضة، والذهب لا غير. فيعظم النفع بها وتنحط الأسعار( ).



فكانت معالجتة للسياسة النقدية حلا جوهريا للأزمات ودليل واضح على أنه مؤرخ يتمتع بفكر اقتصادي فريد، ويعد أكثر مؤرخي عصره الذي تناول السياسة النقدية، ووضح كيف اساء الحكام الأسلوب المناسب في معالجة الضرر الذي ألم بالمجتمع فكان المقريزي معبراً لما آلت له الدولة عهد سلاطين المماليك من سوء تدبير حكامها وشرههم في جمع الأموال حتى ولو على حساب القوة الشرائية للعمله عن طريق زيف النقود والتلاعب بالعملة ؛ وما آلت له البلاد كان عامل أساسي في الإنهيار ،ورغم ذلك عاد ليوضح العلاج ويرسم لنا طريقاً للخروج من تلك الأزمات التي ألمت بالبلاد، في وقت عجز سلاطين الدولة ورجالها عن معرفة الطريق الصحيح .

فالمقريزي هنا شرح الازمة وسببها وطريقة العلاج في شكل اقتصادي ديني مطبقا قوله تعالى " من يتق الله يجعل له مخرجا "( ) صدق الله العظيم. ويقصد مؤرخنا بذلك إتقاء الحكام في رعاياهم والعمل على مصالحهم حتى تصلح البلاد والعباد .
لذا يعد شيخ المؤرخين تقي الدين المقريزي رجل إقتصادي الفكر بصرف النظر عن كونة مؤرخ كبير فأستطاع أن يعرف الداء والسبيل لطريق الدواء فكانت رسالته إغاثة الأمة بكشف الغمة نبراثاً أنار الطريق لكثير من الحكام في عصر المؤرخ أو عصوراً لاحقة .

 
 

(839 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع