أفكار

نظرية العدل الاجتماعي في القرآن (3-3)

انتهينا في المقال السابق إلى طرق كسب المال التي حددها القرآن الكريم والتي تتوافق مع معظم الأنظمة الحضارية القديمة والحديثة منها، حيث أن العمل هو الطريق القويم للكسب وطبقا لتلك الأنظمة الحضارية المختلفة فان العمل هو الذي يعطي للإنسان قيمة، وسوف نتنوال في هذا المقال طرق انفاق المال التي حددها القرآن الكريم ومدي توافقها مع الأنظمة الحضارية المختلفة.
فان القرآن يقضي بأن انفاق الأموال انما يكون بهدف تلبية متطلبات الحياة الفردية والجماعية، وان العمل على تحقيق هذا الهدف من الأمور الدينية، ومن الأمور الاجتماعية في آن واحد.
فإنه من الأمور الدينية لأن القرآن الكريم قد فرضه فرضا، وألزم به جماعة المسلمين الزاما دينيا: ألزم به الأفراد، وألزم به الحكومات، وجعله علامة من علامات التمييز بين المؤمنين والكافرين، بين من يلتزمون بتعاليم القرآن وبين من يصدون عنها.
وهو من الأمور الاجتماعية من حيث انه يقوي الروابط الاجتماعية ويزيد من تماسك البنيان الاجتماعي للأمة، وذلك بما يحققه من تعاون بين الافراد، وبما يهدف اليه من: تقليل الفوارق بين الناس، والقضاء على الصراع الطبقي الذي قد ينشأ بين المواطنين نتيجة لسوء توزيع الثروة.
والآيات القرآنية المؤكدة لوظيفة المال الاجتماعية، والنصوص المفسرة لها، والكاشفة عن الوظائف الاجتماعية للمال كثيرة، وقبل الخوض في هذه الآيات لابد لنا ان نشير الى حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي ان تعبيرات القرآن عن الوظائف الاجتماعية للمال انما وردت في اطار من الاوضاع الاجتماعية التي كانت تسود المجتمع العربي وقت نزول القرآن الكريم، وانها قد لا تلقى قبول الناس في هذا العصر الذي نعيش فيه فألفاظ: الصدقة، والاحسان، والزكاة، تجرح كبرياء الناس اليوم. وان التعبيرات التي تلائم هذا العصر هي: المساعدات الاقتصادية، والمعونة الاجتماعية، وغيرها، ويمضي القرآن الكريم في الحديث عن الانفاق في سبيل الله على انه الانفاق على الصالح العام الذي يتمثل في الأمنين الداخلي والخارجي، وفي الخدمات التي تقدم للمواطنين بقصد الارتفاع بمستوى حياتهم، واجب ديني ووطني في آن واحد، فهو واجب وطني من حيث انه الاساس الوحيد الذي يقوم عليه مجد الوطن، وتقوى به الأمة وتسهم به في التقدم الحضاري.



والآية الأولى في هذا الإطار قوله تعالى "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ".
ونجد ان مصارف الصدقات في هذه الآية كما جاء في تفسير المنار الجزء العاشر ص 586، 587، تنقسم قسمين: الأول أصناف من الناس يملكونها تمليكا، وهؤلاء هم "الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وابن السبيل" والقسم الثاني مصالح عامة ودولية، لا يقصد بها أشخاص يملكونها بصفة قائمة فيهم وهي "فك الرقاب وتحريرها، وهي مصلحة عامة في الإسلام، وليس فيها تمليك لأشخاص معينين، وكذلك في سبيل الله وهو يشمل سائر المصالح الشرعية العامة التي هي ملاك أمر الدين والدولة".
والآية الثانية في هذا المجال قوله تعالى:"ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكنالبرمنآمنباللهواليومالآخروالملائكةوالكتابوالنبيينوآتىالمالعلىحبهذويالقربىواليتامىوالمساكينوابنالسبيلوالسائلينوفيالرقابوأقامالصلاةوآتىالزكاةوالموفونبعهدهمإذاعاهدواوالصابرينفيالبأساءوالضراءوحينالبأسأولئكالذينصدقواوأولئكهمالمتقون"
وقال الامام محمد عبده في الجزء الثاني من تفسير المنار ص 115، وما بعدها "وآتى المال على حبه.." ان هذا الايتاء غير ايتاء الزكاة وهو ركن من اركان البر وواجب كالزكاة، وهو لا يشترط فيه نصاب معين، بل هو حسب الاستطاعة. فاذا كان لا يملك الا رغيفا ورأى مضطرا اليه، في حال استغنائه عنه، بأن لم يكن محتاجا اليه لنفسه او لمن تجب عليه نفقته، وجب عليه بذله. وليس المضطر فقط هو الذي له الحق في ذلك، بل امر الله تعالى ان يعطي من غير الزكاة: ذوي القربى واليتامى... الخ وتلك المشروعية في البذل لا تتقيد بزمن ولا بامتلاك نصاب محدود. 
وقد اغفل اكثر الناس هذه الحقوق العامة التي حث عليها القرآن الكريم لما فيها من الحياة الاشتراكية وتحقيق للعدل الاجتماعي.
والآية الثالثة والتي تتكرر كثيرا في القرآن الكريم "وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة واركعوا مع الراكعين" فقد امر الله عز وجل في القرآن الكريم بعد أمره بالصلاة التي تطهر الروح وتقربها من الله تعالى بالزكاة التي هي عنوان الايمان، ومظهر شكر الله على نعمه، والصلة العظيمة بين الناس، فالإنسان انما يكسب المال من الناس بمهارته وعمله معهم فهو لم يكن غنيا الا بهم ومنهم، فاذا عجز بعضهم عن الكسب لآفة في فكره او في نفسه، او علة في بدنه، فيجب على الاخرين الأخذ بيده، وان يكونوا عونا له وحفظا للمجموع الذي ترتبط مصالح بعضه بمصالح البعض الاخر وتؤكدها الآية "وما تنفقوا من خير فلأنفسكم" حيث انه يكف شر الفقراء ويدفع عنهم أذاهم فان الفقراء ان ضاق بهم الأمر واشتدت بهم الحاجة يندفعون الى الاعتداء على اهل الثروة: بالسرقة والنهب والايذاء بحسب استطاعتهم، وربما يسري شرهم الى غيرهم وربما صار فسادا عاما بسوء القدوة فيذهب بالأمن والراحة من الأمة.
وهنا يقول الامام محمد عبده في ص 214 "واصلاح الاموال واستثمارها، في هذا الزمان هو أساس القوة، فقوى الدول على قدر ثرواتها. والأمة التي تقصر في تدبير الثروة هي التي تلقي بأيديها الى التهلكة.
 
 

(9 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع