أفكار

نظرية العدل الاجتماعي في القرآن (2-3)

 

انتهينا فى مقالنا السابق إلى أن الفرد وفقاً للقرآن الكريم، وبعيداً عن تفسير المفسرين الذين حملوه رؤاهم السياسية والاجتماعية وعلاقاتهم بالسلطة، له الحق الكامل فى التصرف فى أمواله وفى نفس الوقت عليه واجب لابد وأن يؤديه تجاه المجتمع، هذه الحالة ما بين الحق والواجب هى التى تحدث التوازن العادل والدقيق بين حرية الفرد من جانب وسلطة الجماعة ممثلة فى الدولة من جانب آخر.
وفى هذا الجزء سوف يناقش الأيات القرآنية التى يدور موضوعها حول مسألة الأموال وهى عديدة ومتنوعة وما يعنينا من مضامينها من هذا المقال أمرين.
أولهما: ذلك الذى يتعلق بكسب المال وتحصيله.
أما الأمر الثاني: فهو الذى يتعلق بإنفاق الفائض من المال.
أما بخصوص الأمر الأول "كسب المال وتحصيله" فمن المعروف أن كسب المال غاية يستهدفها الناس جميعاً وللناس سبل شتى فى كسب المال، وأن النظم الحضارية جميعها تؤكد أن وسائل كسب المال يجب أن تكون مشروعة، وإلا كان الكسب غير مشروع، على أن الناس قد يختلفون فى مشروعية الكسب، فيرى البعض أن كسب الأموال عن طريق "القمار، الزنا،.... إلخ" يعتبر كسباً مشروعا، بينما يراه البعض كسب غير مشروع ولكن أتفق الجميع على أن للكسب طريقاً واحدا ليس غير وهى العمل.
ومن هنا جعلت النظم الحضارية جميعها العمل حق وواجب وشرف، حتى أن بعض الفلاسفة أكدوا أن ما يميز الإنسان عن الحيوان إنما هو العمل حيث إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذى ينتج أدوات إنتاجه، وإنما الاختلاف بين هذه النظم من ملكية وسائل الإنتاج حيث الإطار المنظم لهذه الملكية.
ويذهب القرآن الكريم إلى أن تكون طرق كسب المال وتحصيله غير شريفة _ أى غير أخلاقية.
كما يذهب إلى أن أشرف الطرق فى كسب المال هى العمل، وحتى اذا كان تحصيل المال عن طريق ميراث أو وهبة أو هدية، لا تؤتى ثمارها الحقة إلا عن طريق العمل.
ويقول الله تعالى فى كسب المال وتحصيله:
"وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا" (سورة النساء).
وفى تفسير المنار "ص 60" وما بعدها من الجزء الخامس يقول الإمام محمد عبده معلقاً على هذه الأية:
"وهم الرجال لا يقف امامهم شئ _ ولكن أكثر الناس غافلون عن استعدادهم يتكلمون على اجتناء ثمرة غيرهم".
ولذلك نبهنا الفاطر جل صنعه _ يعد الهنى عن التمنى والتلهى بالباطل _ إلى الكسب والعمل الذى ينال به كل أمل، فقال: "لِلرِّجَالِ نصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيب ٌمِمَّا اكْتَسَبْنَ" فشرع الكسب للنساء كالرجال.
وهذا ما يناهض تماماً فكرة هؤلاء المتنطعين من الشيوخ الجدد الذين يطالبون المرأة بالعودة إلى المنزل والتوقف عن العمل بادعاء إعطاء مساحة للرجل للكسب بحجة أنه قيم عليها، وكأنهم يقفون فى وجه شرع الله الذين يريدون تطبيقه من وجهة نظرهم بعد ما يلبسوه عباءة البداوة والتخلف.
ولا يعلمون أنهم بهذه الدعوة يعطلون نصف طاقة المجتمع ويهددون قواه فتصبح المجتمعات الإسلامية أضعف وأوهن ولا نساير ركب الحضارة والتقدم.
ويقول الله تعالى: "وَلاَتَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ" (سورة البقرة).
وهنا يقول الأستاذ/ رشيد رضا فى الجزء الثانى "ص196" من تفسير المنار.
"يقول الاستاذ الأمام: ان روح الشريعة تعلمنا بمثل هذه الآية أنه يطلب من الإنسان _ أن يكتسب المال من الطرق الصحيحة المشروعة التى لا تضر أحدا. وإنما أوجز القرآن فى الحديث عن الباطل لأنه من الأمور المعروفة للناس بوجوهه الكثيرة. وحسب المسلم أن يكف عن كل ما يعتقد أنه باطل.

ويدخل فى باب الباطل ـ التعدى على الناس بغصب المنفعةـ ، بأن يسخر بعضهم بعضا فى عمل ولا يعطيه أجره أو ينقصه أجره ونكتشف عيوب المجتمع كقصة سيدنا شعيب حيث نذكر أن يكون الهدف من العمل والإنتاج هو الربح وزيادة الكسب بغض النظر عن الوسائل التى تؤدى إلى هذا الكسب.
فكانوا يبخسون الناس أشياءهم من كل أنواعها ويطففون الكيل والميزان وكان سيدنا شعيب ينهاهم عن ذلك وكانت حجتهم أن حرية الكسب مقرونة بحرية الاعتقاد وكما أوضح ذلك القرآن الكريم حيث قال: "قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ.." (سورة هود)

وجاءت الآيات لتبين فى الرد عليهم وكأنها تقول لهم: إن لانأمركم بإضاعة المال وإهماله، ولا يترك استثماره واستغلاله، وإنما نأمركم: أن تكسبوه من الطرق الحلال وتنفقوا منه فى طرق الخير والبر، ويؤيد هذا قوله تعالى فى سورة النساء: "ولَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا".
 
ومن هنا كانت الغاية فى كسب المال وتحصيله فى عرف القرآن الكريم ليست كنزه وادخاره، ولا تكون أبدا إنفاقه فيما يعود على المجتمع بالإضرار. وإنما هى فى أبسط صورها إنفاقه فى سبيل الله، وسبيل الله فيما يذهب المفسرون، هى سبيل الصالح العام بالنسبة للفرد والمجتمع، وبالنسبة للدين والدولة.
ولأن الغاية من كسب المال هى إنفاقه فى سبيل الله حارب القرآن الكريم كل أولئك الذيم يحولون بين الأموال وبين تأدية هذه الوظيفة، فحارب الذين يجعلون من كسب المال غاية.
وهم الذين يجمعون المال ويدخرونه، لأنهم يعطلون الأموال عن أن تؤدى وظيفتها الاجتماعية، فيقول:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ  (35)"(سورة التوبة).
ويقول الله تعالى أيضاً:
"هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم" (38)" (سورة محمد).
ويقول أيضاً:
"وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.." (سورة آل عمران).

وقد وقف القرآن الكريم موقفاً عدائياً آخر من الذين ينحرفون بالأموال عن وظائفها الاجتماعية إلى وظائف أخرى استغلالية تعود عليهم وحدهم بالنفع، وتعود على غيرهم من المواطنين بالضرر، فقد انكر القرآن الكريم أن يصبح المال وسيلة مباشرة إلى كسب المزيد من المال. من غير أن يكون إلى جانبه عمل يعمل، أو جهد يبذل.

فقد أنكر أن يستغل أصحاب رءوس الأموال احتياجات الناس الضرورية، ويحاولون تلبيتها على أساس إقراضهم الأموال بربا فاحش، وفوائد باهظة وأنكر القرآن استغلال الإنسان حاجة أخيه الإنسان فعاداه وأعلن عليه حربا قاسية، وحرب القرآن مع هؤلاء كانت أكثر عنفا من حربه مع الأولين، ذلك أن الأولين قد وقفوا عند حدود منع الأموال تأدية وظيفتها الاجتماعية بسبب كنزها أو ادخارها، أما هؤلاء فقد أضافوا إلى منع الأموال من تأدية وظيفتها الاجتماعية إلى جعلها أداة لاستغلال الآخرين، أن جعلوها قوة فى أيديهم يسيطرون بها على الحياة والأحياء ويخضعون بها رقاب الناس ويسخرونهم فى قضاء حوائجهم وشهواتهم.
 
 

 

 
 

(9 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع