أفكار

نظرية العدل الاجتماعي في القرآن (1-3)


 كثيراً ما نتحدث عن تجديد الخطاب الديني، سواء كان الحديث خارج من المؤسسة الدينية الرسمية أو من غيرها، حتى أن بعض الفصائل السلفية تبنت موضوع تجديد الخطاب الديني، وهي بعيدة كل البعد عن مفهوم التجديد والخطاب معاً، دون وعي مما يطلق المفهومين، ولأننا نحاول جاهدين إيجاد نقطة اللقاء بين هذه الفرق والجماعات والمؤسسات الدينية التي تنادي بالتجديد نطرح أمامهم هذه القراءة لعلها تكون بداية الالتقاط إلى الاصل في الإسلام، والذي لا يختلف عليه أحد إلا من التأويل وتحميل الخطاب القرآني ما ليس منه طبقاً للمرويات التي يستندون إليها.

فقط نحاول في هذه الورقة الاقتراب من الهم العام، ومن المطلب الرئيسي لمعظم الثورات التي قامت على وجه الأرض "العدل الاجتماعي" وكيف عالجها القرآن الكريم، لنقول لهؤلاء المتشدقين بالإسلام والذين ينصبون أنفسهم حماة الدين، أن لديكم كنوزا لم تكتشفوها بعد وانكم بعيدون عن القرآن بالقدر الذي تدعون فيه أنكم قريبون منه.
فالقرآن الكريم قد عالج قضية العدل الاقتصادي الاجتماعي علاجاً يتلاءم مع الطبيعة البشرية ويستمد مقوماته من الأسس النفسية للعلاقات الإنسانية الفردية منها والجماعية، وهناك ثلاثة مصادر تثبت هذه الحقيقة هي:
1- أن الآيات القرآنية التي تناولت مسائل الأموال قادتنا من حيث طرق كسب وأوجه الإنفاق، وأحاطت هذه الطرق بالمبادئ الدينية والقيم والأخلاق، وهذا ما نجده منتشراً في العديد من الآيات المكية والمدنية.

2- إن تلك المبادئ الواردة في القرآن تجعل من المصلحة العامة أساساً للتشريع.
ولقد حدد الاقدمون العلاقة بين الخطاب القرآني والمصلحة العامة، خاصة حين تتغير المصلحة بتغير الزمان، وحين يقتضي هذا التغير تقييد النص أو خلافه، أو يقتضي تفسير النص تفسيراً جديداً، أو يقتضي تعطيل النص تعطيلاً مؤقتاً يوقف به عند تلاوته والتعبد به.
وقد ضرب لنا عمر بن الخطاب مثلا لهذا في حد السرقة والمؤلفة قلوبهم.

3- إن الآيات القرآنية الواردة في هذا المجال إنما تدعو الناس إلى ممارسة الحياة اليومية على أساس من القيم الأخلاقية: "الحق، العدل، الخير، الجمال" 
وكذلك تحذر من ممارسة الحياة على أساس: "الظلم والطغيان، والبغي والعدوان، والاستغلال، والغش، والخداع" وما شبه ذلك.
كذلك هناك حقائق لابد من تبيانها لتوضح لنا الطريق ونكشف عن تلك المبادئ الكامنة في الآيات القرآنية.
أولها: أن القرآن الكريم حين عالج قضايا المال قد راعى ظروف العصر الذي نزل فيه لا من حيث المبادئ وإنما من حيث التطبيقات، حيث تضمنت الآيات القرآنية مجموعة من القيم والمبادئ وكذلك دعت في الوقت نفسه إلى ألوان من التطبيقات المختلفة، وأن تلك المبادئ العامة لا يختلف عليها، من حيث دعوتها للفضيلة بينما تطبيقات هذه المبادئ تختلف وتتغير باختلاف الناس وتغير المجتمعات.
وما يجب علينا فعله اليوم هو استخلاص تلك المبادئ والدعوة إلى التعبير عنها بأسلوب جديد وإيجاد آليات لتطبيقها تتناسب مع العصر الذي نعيش فيه، فهذا هو الذي يجدد الدين والخطاب الديني ويربط بين المجتمع والدين من جديد.

وثاني هذه الحقائق أن القرآن الكريم إنما يؤكد دوما أن للأموال وظائف اجتماعية يجب أن تؤديها وإلا اختلت الحياة، وقد حرص القرآن الكريم على تأدية الأموال لوظيفتها الاجتماعية، هذا الحرص الذي دفع به إلى تهديد الذين يقضون في وجه تأدية الأموال لوظيفتها الاجتماعية أو الذين يتحرفون بالأموال عن طريق تحقيقها لهذه الوظائف فهددهم بالخزي في الدنيا وبالعذاب في الأخرة.

وثالث هذه الحقائق: أن القرآن الكريم حين عالج قضية العدل الاجتماعي حرص كل الحرص على إحداث توازن عادل ودقيق بين حرية الفرد من جانب وسلطة الجماعة ممثلة في الدولة من جانب آخر.
فللفرد الحق في التصرف في أمواله، ولكن عليه في نفس الوقت واجب يؤديه، هذا الواجب هو الذي يحد من حريته المطلقة في التصرف في أمواله.
 
 

(9 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع