أفكار

نظرية العدل الاجتماعي في القرآن(4)



   انتهينا في مقالنا السابق إلى مصارف الزكاة والصدقات وأن تلك المصارف ذات شقين أولهما للأفراد الفقراء والمساكين وابن السبيل والعاملين عليها...إلخ، 
والثاني: للمجتمع – في سبيل الله – وهي تلك المصارف التي تخدم المجتمع وتعمل على أمنه وتقويته كبناء المدارس والمستشفيات والجيوش...إلخ تلك المصارف التي تقيم الدولة.
وقد يرى بعض الفقهاء أن ربط مسائل العدل الاجتماعي بالدين قد يد من نموها، ذلك لان هذا الربط يحول بين الانسان وبين الحرية المطلوبة في مجال الأنشطة الاقتصادية من حيث أنه لا يملك حق التغيير والتطوير في المسائل التي وردت بشأنها نصوص دينية، خصوصاً مع تطور الحياة وتشابك المصالح الاقتصادية مع دول كبرى، وتأثر الاقتصاد المحلي، بحركة الاقتصاد العالمية، إلا أن القرآن الكريم في الحقيقة لم يربط النشاط الاقتصادي للإنسان، والنشاط الاجتماعي له، بالدين، وانما ترك له الحرية التامة في أن يمارس نشاطه الاقتصادي والاجتماعي كيف يشاء، ما دام يستهدف الصالح العام في إطار الحق والعدل.

فليس للقرآن الكريم موقف معين من النظم الاقتصادية على اختلافها رأسمالية كانت أم اشتراكية أو شيوعية، حيث أنه نزل قبل هذه الانظمة جميعاً، ويتلخص موقف القرآن الأساسي من مسألة تكاد تكون إحدى الأسس التي يفرق بها الاجتماعيون بين النظم الرأسمالية من جانب والنظم الاشتراكية والشيوعية من جانب آخر، هذه المسألة هي الوظيفة الاجتماعية للمال.
فإننا نجد أن موقف القرآن ليس إلا تقريراً لهذه الحقيقة، وتثبيتها في الأذهان، ودفع الناس إلى ممارسة الحياة على أساس منها.



والقرآن الكريم على امتداد آياته ينكر على الإنسان أن يحول المال من وسيلة الى غاية، فيعالج هذه النزعة ونزعة أخرى هي الحب الشديد للمال، فتلك النزعات هي التي تحول بين الإنسان وبين تركه الأموال تؤدي وظائفها الاجتماعية وأهم طرق العلاج التي قدمها القرآن لهذه النزعات هي:
1_ إن القرآن جعل الإنفاق في سبيل تأدية المال لوظيفته الاجتماعية جزءا من الإيمان، وعلامة قوية من علاماته.
"الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ".
2_ جعل القرآن الإنفاق في سبيل الله نوعاً من القرض الحسن الذي يقرضه الإنسان للخالق جل وعلا.. وهو قرض يضاعف للمقرض في الحياة الدنيا والأخرة.

"مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ".
"مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ".
"الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَايُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ".
3_ تربية الناس وتعويدهم على توظيف الأموال في الخدمات والمهام الاجتماعية، تلبية لاحتياجات المحتاجين الضرورية، ولمتطلبات الحياة العامة، والوطنية والقومية.
4_ التوازن الدقيق بين الواجب، أو بين الحرية والسلطة: حرية الفرد في تنمية ماله واستثماره، وسلطة الدين في تقرير مبدأ العدالة الاقتصادية والاجتماعية، فالمال فيما حدده القرآن الكريم لم يخلق ليكون غاية في ذاته، وانما خلق ليؤدي وظائف اجتماعية معينة.
والوظائف الاجتماعية التي أشار إليها القرآن الكريم تكاد تنحصر في تلبية احتياجات الأفراد- بما فيهم صاحب المال- وتلبية احتياجات الدولة أو الإنفاق في سبيل الله.
وموقف القرآن في الحقيقة، إنما هو موقف الذي يقدر المسئولية التي يجب أن يتحملها الإنسان من تلقاء نفسه في الأعمال الاجتماعية وتركها له.
ولم يزد على أن حضه عليها، وبين له انه على اساس من هذه المسئولية يكون يقيمه في الدنيا وفي الأخرة، فمنزلته الاجتماعية في الحياة الدنيا مرتبطة بهذه المسئولية، وثوابه وعقابه في الأخرة مرتبط ايضاً بهذه المسئولية.
ومما سبق نستطيع أن نحدد موقف القرآن من دعوته المسلمين إلى العمل على أن تؤدي الأموال وظائفها الاجتماعية، والتي يتحقق بها الصالح العام، على الوجه التالي:
اولاً: فرض فرضه القرآن الكريم، والزم به جميع المسلمين وحد به من الحرية، ولكن المتأمل يرى هذا الفرض والالتزام غير معطلين لحق الانسان في حرية التصرف في أمواله، وأن هذا القرض يتمثل في نسبة مئوية من الدخل واجبة الدفع.
وهي نسبية يحددها القرآن وحددها النبي والمجتهدون من الفقهاء ولكنها ضئيلة بحيث لا تعطل حق الحرية وانها ربع العشر في عرف الأكثرين.
ثانيا: تعليمات وردت في القرآن الكريم، وفي ثناياها ترغيب فيها، وحق على القيام بتنفيذها، وإلى جانبها عبارات تبين ما يمكن أن تحقق من نفع، وما يمكن أن تدفعه من جزر.
ولقد ترك للإنسان حق تقدير الموقف، وحق التعرف على النسبة المئوية لما يمكن أن يوظفه من أمواله في سبيل تلبية الاحتياجات الفردية والجماعية المشار إليها سابقاً.
ويبقى أن تشير إلى أن تلك الحرية التي يتمتع بها الإنسان في التصرف في أمواله قد تسلب منه إذا لم يقدر المواقف تقديراً سليما، ومن هنا وضعت قاعدة الحجر على السفهاء، وأن تلك الحرية من الممكن أن تسلب أيضاً حين تكون هناك ضرورة لا تدفع إلا بأموال تعجز الدولة عن تدبيرها عن طريق الإقناع.
والتنظيم الحديث للدول قد وضع القواعد والآليات التي تنظم الحرية الفردية وتوجه صالح المجتمع.




والخلاصة التي نستخرجها من المقالات السابقة تقرير الحقائق التالية:
1_ إن القرآن الكريم يمضي في آياته العديدة على أن للأموال وظائف اجتماعية وأن الأموال خلقت لتأدية هذه الوظائف، فلم تخلق لتكون غاية في نفسها، وإنما خلقت لتكون وسائل لتحقيق غايات مستهدفة.
ووظائف الأموال الاجتماعية تكاد تنحصر حسب ما ورد في الآيات القرآنية المتعلقة بالأموال – في الإنفاقات التالية:
أ_ تلبية الاحتياجات الضرورية بالنسبة للأفراد – ويستوي هنا أن يكون هؤلاء الأفراد من أقارب المنفق أو غرباء عنه – الغرباء جنساً أو لغة أو ديناً.
ب_ تلبية متطلبات الحياة العامة، وهذه المتطلبات تتمثل في أعمال وفي خدمات، تقوم بها الدولة من أجل الارتفاع بمستوى الحياة وتحقيق الخير العام لجميع المواطنين.
2_ إن القرآن الكريم يعارض معارضة شديدة أن تصبح الأموال وسيلة للظلم والطغيان، والسخرة والاستغلال – ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان – ويعتبر ذلك كله من قبيل أكل أموال الناس بالباطل. ومن أجل بعض ذلك حرم القرآن الربا، وهدد أكليه.
3_ إن القرآن الكريم قد أعلنها حربا شعواء على الذين يمنعون الأموال من أن تؤدي وظائفها الاجتماعية، أو ينحرفون بها عن طريق الخير إلى طريق الشر.
4_ إن هذه الحقوق المالية التي فرضها القرآن الكريم على إصحاب الأموال إنما تثبت فيما تحكي الآيات القرآنية من واقعين اجتماعيين:
أحدهما: هذه الخدمات العديدة التي تقوم بها الدولة من أجل الريادة في الانتاج، والمزيد من الكسب هذه الخدمات تتمثل في محاربة الآفات الزراعية، شق الترع والمصارف، تحقيق الأمن، مد خطوط النقل، محاربة الاستغلال عن طريق التلاعب بالأسعار ..إلخ..
ثانيهما: التعاون والتكافل الذي يقوم بين الناس لتعايشهم في وطن واحد، وهو تعاون يحقق زيادة في الإنتاج ومزيداً من الدخل، وهو تكاتل يزرع في القلب مزيداً من الطمأنينة بحيث لا يرهب المستقبل، ولا يخشى الضرورة.
5_ إن حجم الإنفاق يتوقف على إدراك الضرورات والوقوف السليم على كل أبعادها.
وإدراك الضرورات وتقدير الصالح العام يكون من عمل الذين يمثلون الأمة ممن يتوفر فيهم الشروط التي تجعلهم من أولي الأمر.
 
 

اقرأ ايضاً

(9 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع