أفكار

نظرات فى حوار الأديان والثقافات

مضت عقود منذ ظهر للعلن مصطلح حوار الأديان الذى يتخذ هدفاً أساسياً هو توطيد القبول بالآخر واعتباره شريكاً فى الإنسانية انطلاقاً من مفهوم جامع للخلق باعتبارهم جميعاً من مخلوقات الله، والحقيقة أنه رغم تعدد المؤتمرات والفعاليات إلا أن ما تحقق بالفعل لا يزال متواضعاً بالنظر إلى حجم ما كرس له من موارد بشرية ومادية وفكرية.
 
ودون الدخول فى تفصيلات كثيرة تتعلق بالظروف السياسية التى أثرت على هذا المسار ومعضلة السببية والنتيجة فى تناول مآلات هذا الحوار فهناك أفكار أساسية جديرة بالطرح من بينها:
أولاً: أن الدين فى حد ذاته لا ينبغى أن يكون محلا للمقارنة؛ لأن كل معتنق لدين يتعصب له، ويعتبره أفضل الأديان، فحتى القبائل البدائية التى تقدس ظواهر الطبيعة تعتبر أنها على الدين الحق، وبالتالى علينا أن نتفهم أن الحوار هو حوار حضارى بالأساس، يمثل فيه الدين مكوناً أساسياً ولكنه ليس الوحيد؛ بل توجد عوامل سلوكية وثقافية وإعلامية واجتماعية واقتصادية تكمل هذا البناء الحضارى، ويعلى مالك بن نبى من قيمة العوامل السلوكية بقوله "وفى هذا المجال يمكن أن يكون مجالنا إذا حققنا فى سلوكنا معنى الآية الكريمة" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير"، فإذا تحققت هذه الآية فى سلوكنا العام بوصفها تخصصاً لمجتمعنا بالنسبة لحاجة الإنسانية، فسوف نكون قد لقينا على الخريطة الأيديولوجية لوناً يجعلنا من أكرم سكان المجمع العالمى".
 
 وفى هذا الصدد نعيد التأكيد على أهمية أن يتميز الفرد بسلوكه وأخلاقه أولاً فهذه البوتقة السلوكية هى خلاصة تأثير الدين فى معتنقيه والسلوك البشرى مرآة للدين شئنا أم أبينا ، وهذه إحدى المعضلات الكبرى التى تواجه الحضارة الإسلامية على وجه الخصوص؛ إذ أن إحدى المنجزات الكبرى لهذه الحضارة فى أوج ازدهارها كانت طريقتها فى معاملة الأقليات معاملة حسنة شهد بها العدو قبل الصديق، صحيح أن منطلق التعامل هنا كان دينياً بالأساس على اعتبار أن الإطار السلوكى للتعامل كان مدعماً بإطار عقيدى وقانونى مستمد من النصوص الدينية وسنة الرسول وأصحابه إلا أنه من الثابت أيضاً أن الإطار السلوكى تحديداً تأثر بالظروف السياسية السائدة فى العالم الإسلامى، وشهدت طريقة التعامل مع أهل الذمة تفاوتاً ارتبط بمدى قوة أو ضعف هذا العالم.
 


وإذا كان الحال هكذا ، وإذا اعترفنا بأن العالم الإسلامى الآن لا يعيش أفضل أحواله، فمن الضرورى إعادة التأكيد على الفصل بين الظروف التاريخية وبين حقوق المخالفين لنا فى الدين، ولا يتحقق ذلك إلا بتصحيح النظرة إلى الأديان من خلال تجريد الصورة الكلية مما لحق بها من تشويه ورد الأديان جميعاً إلى خالقها لاسيما الأديان السماوية، ولا يخفى علينا أيضاً أن علمنا عاجز عن حصر الأديان والرسل التى أرسلها الله لعباده، وإذا تركنا الجدل حول صحة الأحاديث التى رويت عن عدد الأنبياء والرسل والتى وصل عددها فى حديث أبى ذر إلى مائة وأربعة وعشرين ألف نبى منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسول، فإنه يجدر بنا الاقتناع بأن الله سبحانه أرسل رسله إلى الأمم كافة تتراً " ثم أرسلنا رسلنا تتراً" المؤمنون 44، "وإن من أمة إلا خلا فيها نذير" فاطر 24.
 
ثانياً: إن من أخطر التحديات التى نواجهها حالياً ظاهرة التكفير التى نتجت عن الجمود الفكرى، فقد أفرز التفكير الجامد تكفيراً يهدد بضرب الأمة فى مقتل، ويرصد الإمام محمد عبده هذا التحول بقوله "إن ذلك بدأ عندما بدأ الضعف فى الدين يظهر بينهم وأكلت الفتن أهل البصيرة من أهله، وتصدر للقول فى الدين برأيه من لم تمتزج روحه بروح الدين.. وتولى شئون المسلمين جهالهم وقام بإرشادهم فى الغالب ضلالهم، فى أثناء ذلك حدث الغلو فى الدين واستعرت نيران العداوات بين النظار فيه وسهل على كل منهم لجهله بدينه أن يرمى الآخر بالمروق منه لأدنى سبب، وكلما ازدادوا جهلاً بدينهم ازدادوا علواً فيه بالباطل ودخل العلم والفكر والنظر- وهى لوازم الدين الإسلامى- فى جملة ما كرهوه، وانقلب عندهم ما كان واجباً من الدين محظوراً فيه".
 
والمحزن حقاً أن دعاوى التجديد والخروج من فخ الجمود تقع هى الأخرى فريسة لفخ آخر هو فخ الرغبة فى هدم البناء القديم أولاً وتشييد بناء جديد دون الوعى بأسس الهدم ولا قواعد البناء، وتكون النتيجة فى الغالب الوقوف عند أعتاب الرغبة فى التجديد دون مجاوزتها للفعل الحقيقى، ولا نبالغ إذا قلنا بأن الخطوة الأولى فى طريق التجديد الدينى والفكرى هى تغيير مناهج وطرق التعليم فى كافة المراحل، وليس فقط تغيير المقررات ، فلا بد من إعلاء ثقافة التحاور والنقاش منذ بداية الانخراط فى العلم، وليس من الضرورى أن يكون رأى المعلم رأياً لا يقبل النقاش، بل على العكس من ذلك ينبغى نشر فضيلة النقاش والتدريب عليها حتى يصبح المرء مهيأً لنقد ما يبث إليه من أفكار سواء فى المقررات الدراسية أو فى عوالم التواصل الإلكترونى.
 


ثالثاً: لا شك أن حرية الرأى والتعبير تأتى على رأس قضايا الحوار بين العالمين الغربى والإسلامى، وأن التطورات التى شهدها الغرب تجاه هذه القضية فرضت واقعاً جديداً علينا التعامل معه، فقد كانت الكنيسة فى عصور الظلام تحكم بالحرق أو القتل على من تعتبرهم مهرطقين خارجين عما تعتبره "الإيمان المسيحى الخالص"، ولكن تطور الثقافة الغربية أدى إلى إعلاء قيمة حرية الرأى إلى حد يقارب القداسة، ولم يعد القتل أو السجن وارداً عند تناول الموضوعات المتصلة بحرية الرأى والفكر. صحيح أن القانون فى بعض الدول الغربية يجرم -مثلاً- إنكار المحرقة أو تمجيد النازية والفاشية، إلا أنه لا ينبغى الاستناد إلى هذه الاستثناءات لمحاولة هدم منظومة حرية الرأى والتعبير فى الغرب، وإلا أصبح لدينا حوار متربص غير بناء.
 
رابعاً: هنا يجيء دور المؤسسات الدينية والفكرية والإعلامية والتربوية لتعزيز حرية الرأى والتعبير بوصفها صمام أمان لمنظومة الحرية فى عالمنا العربى والإسلامى، مع مراعاة الضوابط القانونية التى تحمى كيان المجتمع دون الإفراط فى التقييد بشكل يفرغ مفهوم الحرية من مضمونه؛ فلدينا الحق المطلق فى وضع الضوابط التى تجرم الممارسات غير الأخلاقية كالإجهاض، والشذوذ، وتداول المخدرات، وغيرها من الجرائم، لكن علينا الحفظ على حق الفرد فى إبداء رأيه دون أن يخشى عقوبة تهدد حريته أو تسلبه حياته.
 
خامساً: علينا أن نحاول معالجة التناقضات الفكرية لدينا بذات الطريقة التى نطالب بها الغرب؛ فإذا تناولنا مثلاً إعدام محمود محمد طه فى السودان، واغتيال فرج فودة، ونفى نصر حامد أبو زيد بعد التفريق بينه وبين زوجته، سنجد أننا نتعامل مع هذه القضايا على أنها استثناءات لا تعبر عن جوهر حضارتنا، بينما يعتبرها الغرب استمراراً لنهج متشدد يعبر عن روح الإسلام، وهو تناقض علينا أن نهتم بحله إذا أردنا أن يعبر الحوار عن واقعنا الفعلى، فلا يمكن أن نقنع الغرب بأن الإسلام يحمى حرية الرأى والتعبير، بينما نجد لدينا كاتبا أو مفكرا دفع حياته ثمنا لرأى أدلى به.
 
اتصالاً بما سبق، نستدعى ما كتبه إسماعيل أدهم فى مصر عام 1937 بعنوان "لماذا أنا ملحد"، وجاهر فيه المؤلف بإلحاده، وكيف تم التعامل معه فى مصر وقتها، إذ كان الرد عليه مجموعة من المقالات والدراسات من بينها "لماذا أنا مؤمن" لأحمد زكى أبو شادى، و"لماذا هو ملحد" ، لمحمد فريد وجدى، أى أن الرد اقتصر على محاربة الفكر بمثله، وهذا يدل على أنه فى مقابل التقدم الذى أحرزه الغرب فى مجال الحريات والثقافة، شهدت حياتنا الثقافية تدهوراً مؤسفاً يستحق الوقوف عنده والاعتراف به كخطوة أولى نحو تبديل الواقع.
 

(21 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع