أفكار

المصريون في القرن السابع عشر بعيون فرنسية..

مونكوني في مصر

من بين الرحالة الأوروبيين الذين تتابعوا لزيارة مصر في القرن السابع عشر، يُعتبر الفرنسي بالتازار دو منكوني (1611-1665) من أشهر الفرنسيين الذين سجلوا انطباعاتهم عن مصر والشرق بشكل منصف ودقيق، ونظرا لجهل القارئ المصري به، تورد "بوابة الحضارات" هذه السيرة الموجزة عنه وعن أعماله.
 

بالتازار دو منكوني

ولد بالتازار دو منكوني في ليون بفرنسا عام 1611، بعد أن تم سبع سنوات من عمره أرسله والداه للتعليم في مدرسة يسوعية بإسبانيا نظرا لانتشار وباء الطاعون بفرنسا. وبعد أن تقدم قليلا في العمر أبدى اهتمامه بدراسة العلوم والفيزياء والكيمياء والرياضيات وحلم بالسفر إلى الصين والهند ليتعلم من علوم الكيمياء والروحانيات التي كانت مزدهرة في ذلك الوقت في الشرق . ولما أتمَّ سن 34 عاماً وأنهى دراساته، شد رحاله إلى الشرق بعد أن درس اللغة العربية في ليون، وبدأ بزيارة أوروبا لاكتساب معارف جديدة، فسافر إلى البرتغال وانجلترا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وأسطانبول وكان يقابل في كل مدينة يزورها علماء الفلك والرياضيات والفلاسفة والمهندسين ليزيد من خبراته، ودخل إلى مصر في عامي 1647-1648، وكانت أولى زياراته في مصر هي إلى دير سانت كاترين للتعرف على أفراد الطوائف الأرثوذكسية هناك ويطلع على مخطوطات الدير، ثم ذهب إلى القاهرة ليصطدم الصدمة الثقافية بقاهرة مصر المحروسة وبحواريها الضيقة واستكشف طوائف الناس المختلفة وأعراقهم وعاداتهم وتقاليدهم من أقباط وأتراك ومسلمين وعبيد أفارقة ومارونيين وأرمن ودراويش وبدو. ثم ذهب إلى بيت المقدس ومنه إلى آسيا الصغرى حيث أراد أن يزور فارس، إلا أن الطاعون كان له بالمرصاد مرة أخرى حيث انتشر هناك، فعاد إلى استانبول ومنها إلى فرنسا التي وصل إليها عام 1694.
 

صفحة العنوان للمجلد الاول من كتاب رحلة مونكوني في القرن 17
وبعد إتمام زيارته نشر بمساعدة ابنه وصديقه اليسوعي بيرشيه نتائج رحلته بفرنسا عام 1665 بعنوان "يوميات رحلة مسيو مونكوني" . والتي توصف بأنها خليط من المشاهدات والنظريات العلمية والاجتماعية، وكانت اللوحات التي أدرجها برحلته عاكسةً لاهتماماته بعلوم الرياضيات والفلك والجبر والهندسة والكيمياء، واحتلت اللوحات في المجلد الثالث من الرحلة قرابة 165 لوحة علمية ، وأدرج أسماء جميع العلماء الذين قابلهم في رحلته والتي اعتبرها العلماء والباحثون كنزاً توثيقياً فريداً عن رسم صورة بحثية عن العلاقات بين العلماء الأوروبيين والفلاسفة في أوروبا بالقرن السابع عشر.
 

خريطة الاسكندرية لمونكوني و رسم-لعمامة مفتي مصر وحركة الاجرام السماوية في مصر
مصر والمصريون في عيون مونكوني
وصف مونكوني المصريين بأن لهم عادات جميلة ومتسامحين وتمنى أن تكون هذه العادات بين مسيحيي أوروبا، فهم بلا ضغينة وليست لديهم رغبة في الانتقام وتنتهي خلافاتهم بانتهاء اليوم، ويحرصون على تنفيذ العدالة والقضاء، ولا يجبرون المسيحي على تغيير دينه، كما قال: " إنهم يتميزون بخفة الظل والمرح".
كما وصف مونكوني احتفال الأقباط بالزفاف فذكر : " أن العروس سارت في شوارع القاهرة ترتدي فستانا من ساتان دمشقي ابيض وغطت رأسها بقماش ابيض، وحولها أربع نساء يعزفن الموسيقى ويدقون الطبل، وامتطت العروس حماراً ابيض مزيناً والتف حولها الأطفال وأشعلوا الشموع، ثم اقترب القس منها وتمتم بكلمات غريبة معلنا الزواج " .
 

رسم مونكوني لراهب ارثوذكسي في سيناء وسمكة من مصر وكنيسة العذراء بجبل حوريب-وخبز من دير سانت-كاترين
كذلك سجل مونكوني المناولة في إحدى كنائس الأقباط فذكر" أن القس وضع خبزا ونبيذاً في طبق ثم قام بالدوران ثلاث مرات ومعه الخبز والنبيذ وصليب خشبي رفعه إلى السماء ثم شرب النبيذ ووضع الخبز والنبيذ في فم الأطفال ثم وزع بقيته على الحاضرين". 
 

لوحة دومنكوني عن سيناء ودير سانت كاترين
كما اهتم مونكوني كذلك لكونه عالما فيزيائيا بزيارة منطقة الروضة وملاحظة ارتفاع المياه فيها وسجل ملاحظاته وأرسلها إلى أصدقائه العلماء في باريس. كما سجل الفارق بين بيوت عامة الشعب المصري في ذلك الوقت وبين بيوت البكوات ووصف عامة بيوت المصريين بأنها قبيحة من الخارج ولكنها جميلة من الداخل. كما حرص على زيارة الهرم ودخوله وقدم وصفا تفصيليا عن طوله وعن حجارته ولكنه لم يجد الزيارة ميسرة حيث وجد بداخل الهرم عددا مهولا من الخفافيش. ووصف ابو الهول بأن له وجه سيدة وجسم ثور.
 

لوحة دو منكوني عن الاهرامات وابو الهول وجبل سيناء
بقي القول إن المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالمنيرة بالقاهرة قد أعاد جمع وطبع رحلة مونكوني إلى القاهرة بعد استخلاصها من المجلدات الثلاثة للرحلة، وطبعت في القاهرة باللغة الفرنسية عام 1969. ونأمل أن تظهر ترجمتها العربية إلى النور لإفادة القراء والباحثين وتعريفهم بصور الحياة الاجتماعية في مصر في القرن السابع عشر. ونورد مع المقال اللوحات الأربعة عن مصر بريشة منكوني والتي نشرها في كتابه المذكور. 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع