أفكار

في ذكراه الأولى..

مولانا.. جوليان الصوفي

سحرني تماما وأنا أقرأ عنه، كأنني أغوص في محيط من العطر والشعر والحب والنغمات التي ربما لم تعد تنتمى لعالمنا الدخاني المحتضر الملوث.. ذُهلت حقاً وصرت أركض بعينيَ وعقلي ووجداني فوق أحرف سيرته ومشواره الأسطوري كأنما أقرأ ملحمة إغريقية  قديمة، أو كأنما صرت جنّية.. وانسحبت بداخل مصباحه السحري وشوارع مدنه وأسواقه.. شرقه وغربه.. كأنما ناداني، فامتثلت لأمره دون حول مني ولا قوة.. حياته مغامرة من مغامرات الشرق بدأت في الغرب وانتهت في منطقة وسط جمعت بينهما: منطقة التقاء الإنسان على الحب والخير والجمال.. فمن فرنسي يعيش حياته كملايين من بني جلدته، لا يؤمنون سوى بجدوى اليوم واللحظة الراهنة ولا سواهما، إذ ليس لما بعد الغد قيمة، إلي عاشق صوفي للذات الإلهية.. مخير لا مجبر.. لا يعنيه ثناء أو هالة، ولا مال أو مجد، هو "عشق" اختاره بمحض إرادته ونتج عنه  إبداع أقل ما يوصف به هو الصدق، وما أعظمه، في زمان ارتفع فيه الكاذبون.



وبعد عام أول مرَ كلمح البصر على وفاته، ما زال الموسيقي الصوفي الفرنسي جوليان جلال الدين.. والشهير بـ "جوليان العربي".. يثير إعجابنا إذ يمثل بقوة كيف أن الموسيقى يمكن أن تكون "المدخل الذهبي" لإنقاذ الإنسان من "خواء الروح".

في باريس وتحديداً في عام 1953م، ولد "جوليان برنارد فايس" من أب فرنسي وأم سويسرية حيث ظهر نبوغه الموسيقي مبكراً، فالتحق بمعهد باريس الموسيقيّ عام 1966مصقل موهبته ولتعلم آلة "القيثارة" الكلاسيكية ليغدو في أعوام قلائل واحداً من أشهر نجوم العالم في عزفها، ولتمتد شهرته ليوقع العقد تلو الآخر مع كبري شركات الإنتاج الفني العالمية، إضافةً إلى العروض التي انهالت على والديه لتقديم فقراته الفنية على أكبر مسارح باريس. 

ورغم انطلاقته الفنية المذهلة وهو في ريعان الشباب، إلا أنه كان يشعر بضياع وفراغ روحي مهول. ورغم تجواله في عدد كبير من بلاد العالم في آسيا وأوروبا ، إلا أن فراغه الروحي ظل ملازماً له طوال الوقت، فكانت رحلة البحث عن الخلاص.
 
أول الطريق
بدأت أصابع جوليان تتلمس أول الطريق عندما استمع لأول مرة لعازف العود العراقي الشهير منير بشير في تونس، وأحس ببدايات ارتواء روحي تمنى أن يكتمل، فعبّ من منهل عذب لم يذقه قبلاً وشعر أن تلك كأس رواته قد وجدها أخيرا.
                                                                                                 
وهجر جوليان القيثارة لتعلم العود والقانون وظل في محراب علمهما والبحث عن أسرارهما - خاصة القانون - نحو 30 عاما حيث هجر باريس والغرب كله ليستوطن الشرق عازفاً على نغمات القانون في بابل ومدن أخرى، وبلغ عشقه لأله القانون أن يتفرغ لدراستها تفرغاً تاماً إلى درجة نجاحه في ابتكار " قانون جديد" يحتوى على 201 حبل موسيقي مما يزيد من قدرات الآلة. 
وقد امتزجت روح جوليان بشوارع ومدن الشرق، بمذاقاته وألوانه وموسيقاه. وفى حلب السورية، شارك البسطاء احتفالاتهم وحفلات أعراسهم وأغانيهم ليكتشف فنونا لم يعرفها قبلاً مثل " فن الموال".

إسلام جوليان
قبل سفره عائداً لفرنسا بعدة ساعات، قرر توديع محبوبته حلب وأمام مسجد صغير توقف بعد أن غزت نفسه موجة من الأناشيد الدينية ومدائح النبي - صلى الله عليه وسلم- حيث زلزلته وسحرت أحاسيسه، ولم ينتبه إلا بعد أن وجد نفسه محاطاً بترحيب أهل الحى داخل المسجد. ومزق جوليان تذكرة السفر تلك وأشهر إسلامه ليصبح منذ ذلك الحين "جوليان جلال الدين" تيمناً بالصوفي الكبير مولانا جلال الدين الرومي (1207-1273م)، وشرع بعدها مباشرةً في تعلم العربية وتجويد القرآن الكريم.

ويقول جوليان عن تلك المراحل التي سبقت إسلامه: " يمكننا العيش ظاهرياً بشكل جيد من دون ديانة، وهذا حال 80% من الفرنسيين خاصة بعد الثورة الفرنسية حيث صارت الديانة لعدد كبير من الناس مجرد لحظة دفن الأموات وارتياد الكنائس للكبار في السن وللحفلات الموسيقية. إن سكان أوروبا غير مؤمنين وأنا شخصياً كنت ملحداً.  ولا يفهم الناس كيف نُظهر في أوروبا الاحترام لبعضنا البعض دون ديانة وهذا يهم القليل من السكان ولم يعد الكثيرون يهتمون بذلك.. هناك روحانية وتصوف قوى في الديانة الإسلامية وقد اختفى ذلك من العالم الغربي، وهذا ما جذبني للشرق: عالم الأساطير والخيال والشعر".

بعدها، أصبح بيت"جوليان جلال الدين " الذى اشتراه على الطراز المملوكي بحي قنسرين - وعمره 600 سنة ، فكان أول أجنبي يبتاع منزلاً في حلب - معلماً من معالم المدينة القديمة ومزاراً للجميع من الشرق والغرب ، ولمن يريد فهم الإسلام والاستماع لنغمات العشق الإلهي، ولتجويد "الرومي.. جوليان" للقرآن بصوته حيث كان يترك باب بيته مفتوحاً للناس لتراقبه وهو يعزف ويؤدى مع زملائه من المنشدين. والمثير أن الناس في حلب أحبوا كثيراً ذلك الفرنسي الصوفي، واستقبلوه في بيوتهم كأنه واحد منهم.

زملاء العشق الصوفي
وفي حلب، أسس جوليان فرقته للإنشاد الديني عام 1983 م حيث أسماها " فرقة الكندي" تحية لأول من وضع قواعد لعلم الموسيقي عربياً.. الفيلسوف أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (805 -  873م) ، لا سيما وأن سكان حلب معروفون بتمكنهم من الموسيقي التقليدية إذ هي عاصمة لهذا النوع من الموسيقي، كما أن أهلها صُّناع مهرة لآلة القانون ، وهو- كما يقول جوليان -  "أمر نادر في المجتمعات العربية "، ولذا فضل أن يعيش في حلب وسط من يشاركونه شغفه الموسيقي والصوفي في آن . كما فضل أداء الموشحات والقصائد لانهما حسب قوله "أصعب من التراث والقدود واللذان يمتازان بالسهولة" رغم تخصصه فيهما.



 وقد جمعت فرقته "الكندي" مطربي العراق وسورية وتونس وفق صيغة "التخت" الجامع للموسيقيين والعازفين المنفردين والمتفردين معاً، وشارك فيها مجموعة من أشهر فناني العالم العربي مثل: الفنان التونسي الشهير لطفى بوشناق، والمنشد السوري الكبير حمزة شكور وفرقته "المولوية"، والذى رافق جوليان في أغلب حفلاته .
 ولقد طار جوليان بفرقته في جولات عالمية عسي أن يمتلئ فراغ الروح عند باحث عن الارتواء مثله، ولينشر هذا الفن في كل انحاء البسيطة كمن ينثر الزهر فوق صحراء جدباء آملاً  في نمائها.

الموسيقي التركية .. متعجرفة
عاش جوليان متنقلاً  بين كل الدول العربية تقريباُ، وبين اسطنبول وإن كان مركز قبلته الدائم بيته الأثير في حلب. وفى مقارنة بين الموسيقى العربية والتركية يقول: " طلاب الموسيقي العربية أهملوا تراثهم واهتموا بالبيانو، أما الآن فقد صاروا يهتمون بالموسيقى التركية الخفيفة ولا يدركون أن جمال الموسيقى العثمانية بطيء، وهي ليست بالمهارة بل هي موجودة في دقة اللحن، في الكيف وليس الكم، فمثلاً .. المقام التركي مرهف جداً وخاص بالسلطان، هي ليست موسيقى للريف أو المقهى، إنها موسيقى البلاط العثماني.. والعازف التركي متعجرف، ولذا يجب أن تعزف الموسيقى التركية بأسلوب عربي". 

تصحيح صورة الإسلام
حاول جوليان تصحيح صورة الإسلام في عيون الغرب، وبأنه ليس عدواً للفنون أو الرقي الإنساني. وقد عمل مع مؤلفين برروا إدخال الرقص والموسيقي في علم اللاهوت. وبالمقارنة بالمسيحية، كان الرقص ممنوعاً في الماضي ثم أصبح مباحاً، ويقول معقبا على ذلك : "إذا تقاتل الناس من أجل هذا الأمر فسنعود للعصور الوسطى. وكلما أراد رجال راديكاليون منع الموسيقى - كالخميني وطالبان - ، وجدوها ثقافة حضارة كاملة، فنحن لا نعيش في سجن ولسنا مجبرين على أن نكون أئمة.. نحن بشر نعيش حياة طبيعية، والموسيقي أساسية في الثقافة.. الموسيقي شيء أساسي للتعبير حب الله".
وقد حققت فرقة جوليان "الكندي" شهرة واسعة حتى تم إسناد إدارة مهرجان الموسيقي العالمية في إيطاليا عام 1987م إليه، وذلك احتفالاً بتأسيس أول جامعة أوروبية. كما تم تكريمه من منظمات وهيئات حكومية عدة حول العالم، فيما حاول جوليان التقريب بين التراثين: العربي والعثماني لقناعته بأن لهما أصولاً موسيقية مشتركة.



موسيقي مسيحية مسلمة  
امتلك جوليان العديد من الأصدقاء والمعجبين، الكثيرون منهم من: الصوفيين، والمؤذنين، ومجودي القرآن.. كما كان له عدد كبير من الأصدقاء ذوى الشهرة العالمية والمحلية من أمثال: الشاعر محمد درويش، والكاتب صلاح ستيته، والمؤرخ بيار مايكل، وجمال الدين بن الشيخ، والعالم الموسيقي برنار موصلي وزميله "كريسيان بوشيه"، وعن ذلك  يقول جوليان : "كان يأتي إلى فجأة في حلب صحفيون كبار وأمراء من الكويت.. وذات مرة زارتني فجأة شقيقة ملك المغرب ووزير الداخلية الفرنسي ليستمعا لموسيقاي، والتي كنت أتعمد أن تجمع بين التراث المسيحي والتراث المسلم على شاكلة موسيقي أمين معلوف وكان هؤلاء الزائرون والأصدقاء يشعرون بالمفاجأة للاستماع للموسيقي الصوفية.. المسيحية المسلمة".

المصريون.. مذهلون
وعن فيثارة السماء القارئ الشهير الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، يقول جوليان: " إن أجمل تعبير في الفن الموسيقي هو الذى قاله الشيخ عبد الباسط عبد الصمد الذى يرتل القرآن وهذا المقام (يقصد النوتة الموسيقية)  يرادف القصيدة الغنائية، وهو فن تصاعدي، فبسماع الشيخ عبد الصمد يمكن اعتناق الإسلام ولا حاجة للبحث ما وراء ذلك ". 
 ويكمل: " من الناحية العلمية، المصريون هم أفضل مرتلين بفضل مدرسة القاهرة.. المعهد اللاهوتي في الجامع الأزهر.. هناك مدرسة الغناء الديني الممتازة في دمشق لها تقليد موسيقي جميل، ولكنها ليست مثل التراتيل القرآنية، ليسوا فاشلين، ولكن المصريين أمر آخر مذهل". 
وكانت آخر إصدارات جوليان جلال الدين الموسيقية مقطوعة " ستابات ماتر دولوروسيا"،وهي "تحية مسيحية إسلامية" للعالم أعدها لمهرجان الموسيقي الروحية في فاس عام 2011م.
 وقد توفي جوليان بعد صراع طويل مع المرض يوم 2 يناير 2015م عن عمر ناهز 61 عاماً.

 

(13 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع