أفكار

من هم العرب؟.. تأثيلٌ سومري


 "وجد الباحثون أن أول نص ذُكر فيه العرب هو نص أشوري منذ زمن شلمنصر الثالث، أو الثاني، ملك آشور، والمقصود باللفظة إمارة أو مشيخة يتزعمها رجل بلقب ملك اسمه "جنديبو" (جَنْدِبُ)، وكانت تتاخم الحدود الأشورية، واختلف العلماء في قراءتها على هذه الصورة: 
(Aribi, Arubu, Arbi, Urbi, Arabi, Arabu, Aribu, Matu-a-rabi )
لقد وردت كلمة عرب في نصوص أكدية في القرن التاسع قبل الميلاد، ويمكننا اعتبار أن الاسم الأكدي rabbu، (الجذر الكنعاني والآرامي والعبري والعربي: رب rb)، قد نشأ عن الأصل السومري rib الذي يفيد دلالتين رئيستين: الأولى هي علو المنزلة، والثانية هي الترحال والذهاب، وrib مكوّن أساسي لكلمات اُخر، مثل: sang-rib بمعنى القائد أو المبرّز في الجَمْع أي  رأس القوم، وsang هنا هي: رأس. فالمعنى حصراً هو الرئيس، أو القائد الذي يتقدّم القوم، باجتماع الدلالتين معاً. ولهذا المقطع صيغة أخرى هي ri-ba التي تفيد العربية لفظاً ومعنى: ربا، بمعنى التعدد، الكثرة، والعلو، والاثنان صيغتان لاجتماع المقطع ri مع ib و/أو ba.  (ri-ib، ri-ba)، وأقترح مقطعاً ثالثاً ذا صلة هو bu الذي يكوّن (ri-bu)، للمزيد من التدقيق في استقصاء الجذر الأكادي-العربي.

(1) ri 
(ونظائره: re، ri، rà، ir، e-re، er) ويفيد الأفعال: يقود، يسوس، يرحل، يذهب، يرافق؛ يحمل، يحضر؛ يضع، يقيم [شيئاً في مكان ما]؛ يحرّك، يمزج؛ يجمع؛ يأخذ؛ يصبّ؛ يحوّل؛ يكتشف؛ يبادل [يقايض]؛ يوطّن. ومن معاني ri أيضاً: ينجب، يلد. والدلالة المصدريّة الأساسية هي الاسم: بُعد. أما كصفةٍ فهو البعيدُ. ونجده في عدة كلمات سومرية تفيد ما نذهب إليه من معنى، مثل:
a-ri-a: صحراء، منطقة، قفر، من a: أين + ri: بُعْد + المحدد a. [الإنجليزية area]. 
a-nga-ri-in: مساحة من الأرض مسطحة.
da-ri: سائس (من da: يحمي + ri يُحضر). ومنها: da-ri-a: مسوس. 

(2) ib
أي: مكان منعزل، ركن، زاوية.
بهذا فإن المعنى الأصلي للمقطع rib المتحول إلى الأكدية rabbu هو القدوم من مكان منعزل،  وأيضاً الرعاة الأباعد (ri في جذر رعى وbi في جذر بعيد).
وله نظير مقطعي أقدم archaic هو ub بالمعنى ذاته، يؤلف العديد من الكلمات، مثل: an-ub-da : ودلالته الأولى هي الشساعة والامتداد في الإقليم أو الحقل، (an: سماء + ub: ركن + da: قرْب، وتفيد أيضاً: معاً).

(2-1) ba
أي: قسم، جزء، أجر، حصة؛ يقتسم، يقسم، يقاسم، يؤجّر، يوزّع، يدفع (أجراً). والمقطع في الأصل مكون من (bi-a) [قارن: بَيْع]، وهو bi والمحدد a، وbi هنا هي: يهمهم [الإنجليزية hum]، يعوي، يصرخ. 
وقد نشأ عن اجتماع المقطعين باُخر، كلمات مثل: men-ri-ba وهي في الأصل: ri-ba (رِبَا) أي الأعلى [الرابي]، وmen أي: التاج. فالمعنى إجمالاً هو: التاج العالي، ويمكن مقاربتها بالحكم المطلق، وتكتب الكلمة أيضاً men-rib-ba فتؤدي في هذه الصيغة: حاكم غير مفهوم اللغة، أو ذو رطانة. وأيضاً: [الرجال] ذوو البأس المؤجّرون. لكن men التي تُرجمت غالباً بكلمة "تاج"، هي العمامة (tiara) لكونها من القماش، وبذا فإن المعنى هو: المعمّمون (أصحاب العمائم) الأقوياء، وواضح أن هذا الوصف قد أطلق على الأكاديين الذين قدموا من شبه الجزيرة، ويتضمن مظهراً أنثروبولوجياً يتصل باللباس الصحراوي. 
إن المقطع ba مكوّن رئيس لكلمات اُخر، مثل: ab-ba بمعنى الأب، كما في العربية(2)، والزعيم، الرئيس، وأيضاً: السلف. ومن هذا اللفظ أمكن للسومريين نحت كلمات اُخر، مثل: ab-ba-uru أي المدينة- الأب، المدينة الرئيسة (العاصمة)، في صيغة أشبه ما تكون بما نعنيه بكلمتي البلد الأم. 

(2-2) bu
هذا المقطع له صلة بما مرّ على مستوى اللفظ والإحالة، ويؤدي ائتلافه مع ri إلى اللفظ rib-bu القريب جداً من الأكدية rabbu. إن العلامة bu تفيد التدافع (to rush around)، وأول تأدياته في المخيلة الأفروآسيوية ما نص عليه القرآن: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض".
فالعرب في "الجذر" السومري هم المندفعون، المتدافعون في ترحالهم. ويمكن أن نعيد بناء صورة هذا التدافع على هيئة قبائل صحراوية أضطرت (لسبب بيئي غالباً هو الجفاف) إلى هجر مواطنها في صحراء شبه الجزيرة باتجاه الشمال بحثاً عن مواقع آمنة أكثر مدعاةً للتوطّن، وبذا يفيد المعنى الأولي لأصل مفردة عرب في الأكدية rabbu مؤثلة سومرياً في المقاطع: rib، ri-ib، ri-ba، ri-bu، كما مرّ، المعاني التالية مجتمعةً: 
1- الرحّل(3).
2- ذوو المنزلة الرفيعة [رؤوس القوم]،[الأرباب](4).
3- الرعاة، سائسوا المواشي. [= ذوو المِلك].
4- القادمون من بعيد(5).
5- الكُثْر [لعددهم](6). 
6- الخلطاء [للجهل بأرومتهم](7).
7- المتوطّنون [تمييزاً لهم عمن يقدم لفترة مؤقتة ويعبر].
8- المقايضون [المتاجرون مع المحليين بيعاً وشراءً].

وجميع هذه الدلالات محتمل لعدم اختلافه أو تناقض إحالاته. يبقى أن هذا التأثيل لغوي محض، ويمكن لتعدّد إحالاته، مع عدم اختلافها، أن يقود إلى مقاربات أنثروبولوجية بحسب اتفاق الشواهد والمعطيات الأركيولوجية. فالعرب وفقاً للمدْوَنة الأكدية: رعاةٌ رحّل، جاؤوا من بُعدٍ، وهم كُثْر، أغراب لم يتصل بهم السكان المحليون قبل ذلك، قايضوا أهل الرافدين بما يحملون، ثم توطّنوا المدن، فكان منهم الحراس [العسس] والتجار [الملّاك] ثم الملوك.  وهم في ذلك يقابلون الزرّاع القارّين engar أو سادة الحقول (من en: سيد، مالك + agar حقل) وagar انتقلت إلى الأكدية ikkar: للدلالة على الأكرة وحرث الأرض). 
لقد سجّلت العربية "رب" أغلب هذه الدلالات، ولم يكن متاحاً استظهارها واستقصاء تطوّرها قبل معرفة أصلها السومري. 
 
 

هوامش وإحالات: 
(*) باحث ولغوي ومفكر من ليبيا، دكتوراه فلسفة عن "نظرية الثقافة وفنون التواصل" عام 1999. رئيس تحرير مجلة "لسان العرب" https://allisaan.wordpress.com
1- د. علي فهمي خشيم، آلهة مصر العربية، ص80 – 81.
2- تماماً كما في اللهجة المغربية (عربيّها وأمازيغيّها) تعني ab-ba تماماً: يا أبي. مع ملاحظة أن a للنداء، ولها في العربية صيغ متعددة: أ، يا، أيا، أي.
3- "ربو" بصيغة الجمع [الجذر السومري rb]، في المصرية القديمة، هم البدو الرحّل لغةً. والكلمة أيضاً علم على جمْع قبائلِ الليبيين التي غزت مصر في عهد مرنبتاح ثم رمسيس الثالث في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الثاني عشر ق.م. وفي هذا التشابه إحالة مؤكدة على التواصل الأفروآسيوي، اللغوي والتاريخي. يقول خشيم أن "ربو نُقلت إلى اليونانية ليبو أو لوبو lybu، وكثراً ما يقلب الراء عند النقل إلى اليونانية لاماً، وقد نقلها العبرانيون في التوراة عن اليونان "لوبيم" بميم الجمع، ثم زادوا عليها هاءً فصارت "لهوبيم"، أما شامبليون فقد ترجم "ربو" المصرية إلى بدو، وليس ليبيين". أعتقد أن تعميماً وتبادلاً قد شملا الصفة واسم العلم، فأنتجا عدم التفريق بين قبائل الليبيين (شمال أفريقيا- غرب النيل) والبدو (شمال صحراء شبه الجزيرة). 
4- بمعنى (rb) الكنعانية والآرامية: رب القوم، رئيسهم، سيدهم.
5- نرى ri في جذر رعي، وbi في جذر بين وبعد.
6- قارن دلالة الكثرة بكلمة "ربا" العربية. 
7- أوّل كامبس اسم Arabion (أرابيون بن مسنسن الثاني) برده إلى "عرب" في العبرية بمعنى "الشعب الخليط"، وقال إن هذه التسمية تطلق بصفة خاصة على بدو الصحراء، وقد رفض خشيم هذه الوجهة في تحليل الاسم، وهو محق في اعتراضه، لأن أرابيون اسم علم فرد، واللفظ ليس سوى عَرَبِيٌّ، منوّناً. إلا أن العبريّة "عرب" (علم على قوم أو شعب) صحيحة من جهة رجوعها (كما في غيرها من اللغات الأفروآسيوية) إلى السومرية، مع التذكير بأن للكلمة إحالات متعددة كثيرة احتفظت كلّ لغة بجزء منها، والعربيّة استثناءً تبدو الأكثر احتفاظاً بمجمل معاني الكلمة؛ راجع لسان العرب.



 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع